زوايا

إلام ترمز اللحية المستعارة في مصر القديمة؟

لطالما حرص فراعنة مصر القديمة قبل آلاف السنين على اتخاذ اللحية المستعارة في المراسم والاحتفالات الرسمية وفي الأعمال الفنية التي خلدتهم حتى آخر الزمان، والتي لا تخلو من الرموز والألغاز التي تثير التعجب والثناء.

وبناء على مقارنة مفصلة للصور وتحليل دقيق للخلفية الدينية والثقافية، نلقي الضوء هنا على المعنى الرمزي للحية المستعارة.

في الواقع، تعتبر اللحية المستعارة شكلا هاما من أشكال التعبير الفني في ثقافة عبادة الآلهة المصرية القديمة.

حضارة قديمة وثقافة باقية

عرفت الحضارة الإنسانية، التي وجدت منذ آلاف السنين، الكثير من الثقافات التي اختفى معظمها اليوم، وعلينا أن نستكشف البقايا الغامضة منها اليوم.. لقد كانت أرض مصر واحدة من أكبر أربعة بقاع شهدت مولد الحضارة الإنسانية.

وفي مرحلة مبكرة جدًا كانت الحضارة المصرية القديمة فائقة التطور، وكان لها دور خالد في تاريخ البشر.. تناثرت الحضارة المصرية القديمة جغرافيا على ضفاف النيل، منذ نحو 5000 عام قبل الميلاد بحسب حفريات مقابر تاسيان في صعيد مصر، حتى الفتح العربي عام 641 م.

وكواحدة من أربع حضارات قديمة، تشتهر مصر بأنها تزخر بالأماكن ذات الأهمية التاريخية، وبعدد كبير من الآثار الممتدة من ساحل البحر الأبيض المتوسط حتى الأقصر جنوب مصر ذات التراث الثقافي الغني، والتي تجذب مئات الآلاف من السياح من جميع أنحاء العالم كل عام.

وحتى يمكننا أن نفهم هذه الآثار المصرية العظيمة، من الضروري أن نعرف التاريخ الديني لمصر القديمة.

اللحية عند المصريين القدماء
اللحية المستعارة عند المصريين القدماء

الديانة المصرية القديمة: تفسير مهم للثقافة

من أجل أن نفهم جميع جوانب المجتمع المصري القديم، يحتاج المرء بالطبع إلى البدء من عقيدته ودينه.. كانت مصر القديمة واحدة من المراكز الأولى للعبادة الدينية.. وكان الدين هو العامل الأهم في مصر القديمة عبر تاريخها.

تحمل جوانب الحياة المصرية القديمة المختلفة، سواء في العمارة أو الفنون أو العلوم، بصمة ثقافية عميقة ومعنى دينيا قويا، ما يعكس التقاليد الإنسانية والأفكار الروحية الفريدة لدى المصريين القدماء.

آمن المصريون القدماء بتعدد الآلهة، ويصل عدد تلك الآلهة المعبودة إلى أكثر من 2000 إله. واعتقد قدماء المصريين أن هناك آلهة لكل شيء، الأرض والهواء والنهر والسماء والشمس والقمر والحيوانات والنباتات، وأن هذه الآلهة كانت مادية، على سبيل المثال، تتخذ شكل الحيوانات أو لها جسد بشري ورأس حيوان، كما اعتقد المصريون القدماء أن البشر لا يمكنهم تجاوز القوى الطبيعة، وبالتالي اعتبروا قوة الطبيعة إلها يخافونه ويعبدونه من أجل أن يعيشوا آمنين وبصحة جيدة.

وبمرور الوقت، تدهورت الحضارة، ما أدى إلى تغييرات تدريجية في أفكار الناس.. لا يستطيع الناس اليوم أن يفهموا حقا دلالة العبادة الدينية بين قدماء المصريين.

وهذه ظاهرة شائعة في جميع الثقافات القديمة، أي إن المعاصرين لا يستطيعون فهم الثقافة المتوارثة، فقد أدى انتشار المسيحية في الإمبراطورية الرومانية إلى نهاية الإيمان بـ”رع” إله الشمس، الذي سرعان ما اختفى تأثيره، وأصبحت دراسة وفهم الإله شأنا أكاديميا بحتا.

وكما تقول الأسطورة، عبد المصريون القدماء الشمس مع الفرعون الذي يعتبر تجسيدا للشمس، واعتقدوا أن البشر يموتون مثلما تموت الشمس في غروبها غرب النيل.. وهكذا، بنى أجيال من الفراعنة مقابرهم في البر الغربي لنهر النيل.

ويعد الهرم الأكبر -هرم خوفو- أحد عجائب الدنيا السبع، ما يدل على أن عبادة المصريين القدماء للإله كانت قد وصلت إلى ذروتها.

حتى بعد الموت، لم يتوقف المصريون القدماء عن الصلاة إلى الإله.. وهو ما يدل على سعيهم القوي لتحقيق الاستقرار والسلام الأبدي، فقد اعتقد قدماء المصريين أنه بعد وفاة الفرعون، تعود روحه في مراكب الشمس من الضفة الشرقية للنيل كل صباح لتتقبل العبادة من المعبد وتعود إلى القبر في الضفة الغربية في المساء.

لذلك، كان للفرعون حياة أبدية، واعتقد المصريون القدماء أيضا أن الناس قد عاشوا في هذا العالم حياة قصيرة بينما المستقبل أبدي، والباب المؤدي إلى المستقبل الأبدي هو الموت.

حافظت مصر القديمة على بقايا المجتمع البدائي لفترة طويلة، وسيطرت الأساطير والمعتقدات الدينية السائدة في مصر على تشكيل وتطوير تقاليد النحت الذي انطوى على معانٍ رمزية.

وكما هي الحال في كل نظام حضاري أسطوري، كان لإله الشمس أهمية خاصة في مصر.. أحاط المصريون القدماء الشمس بهالة دينية قوية.. وكان هناك العديد من آلهة الشمس، ولكن رع وآمون تمتعا بالشعبية الأكبر.

كان رع أشهر إله للشمس، وامتلك سلطة مطلقة خلال الدولتين الوسطى والحديثة، وقد أعلن الفرعون نفسه ابنا لإله الشمس رع، وعندما أصبح آمون إلها للدولة، اتحد آمون ورع ليشكلا آمون-رع صاحب المكانة الأسمى بين الآلهة.

اللحية عند قدماء المصريين

السلطة السياسية والدينية لفراعنة مصر

عندما كرّس الملك نفسه كابن لإله الشمس، كان يُنظر إليه بوصفه شخصا مقدسا.. في وقت لاحق، أطلق على الملك المصري القديم اسم فرعون، والمعنى الأصلي لكلمة فرعون في مصر القديمة هو “بلاط الملك”.

لم يعش الفراعنة ليحكموا العالم فحسب، بل تخيلوا أيضا أن يصبحوا آلهة بعد الموت ليحكموا العالم الآخر.. وقد تشكلت عقيدة آلهة الدولة في مصر بفضل التبرعات السخية من الفراعنة وأعضاء العائلة المالكة وغيرهم من الأثرياء.

وأدخل الفرعون نفسه في قاعدة عبادة إله الشمس، لذلك، كانت عبادة إله الشمس مرتبطة بقوة بجهود الفرعون، وكان من أشهر تلك الجهود بناء الأهرامات.

ترتبط الأهرامات ارتباطا وثيقا بإله الشمس، إذ كل جانب من جوانب الهرم مصقول بشكل سلس للغاية، وبهذه الطريقة، يمكن للهرم أن يعكس أشعة الشمس إلى أقصى حد.

ويشير الهرم إلى سيادة سلطة الفرعون، ومن البديهي أن الفرعون هو ابن إله الشمس وأنه يستمد سلطته من إله الشمس ويحكم العالم نيابة عن إله الشمس.

ومن الناحية الدينية، كان الفرعون تجسيدا لإله الشمس وإله النيل، وكان هو الكاهن الأكبر المسؤول عن إرشاد الناس لعبادة الإله وإقامة الطقوس.

وكان الفرعون صاحب السلطة المطلقة في تعيين الكهنة، بينما كان الكهنة هم أعمدة سلطة الفرعون والشرطة السرية لضبط النظام الاجتماعي، وقد بالغ الكهنة في سلطة الفرعون، وقاموا بحملات الدعاية له، ولإنه الإله المتجسد، لم يكن الفرعون يتمتع بأعلى سلطة إدارية فحسب، بل كان أيضا هو الكاهن الأكبر وموضوع العبادة.

اللحية العيرة عند قدماء المصريين

لحية الفرعون المستعارة

بالنظر إلى النقوش والجداريات، يمكننا ملاحظة أن قدماء المصريين كانوا مهتمين للغاية بشأن شعر الوجه وشعر الجسم، ولم يُسمح للذكور بالتوقف عن ارتداء اللحية إلا خلال فترة الحداد. ومن أجل أن يكون شخصا مقدسا، كان الكاهن الذكر يزيل كل شعر الجسد، بما في ذلك الحاجبين والرموش.

وغالبًا ما كان المصريون من الطبقة العليا يرتدون شعرا ولحى مستعارة مصنوعة من شعر بشري، وحتى الطبقات الدنيا قد يزينون أنفسهم بشعر مستعار مصنوع من ألياف نباتية وما شابهها.

في مصر القديمة، كان للزينة النسائية معان دينية وثقافية، ونظرا لكون هذه الزينة موضوعا  لأغراض مختلفة، فقد كانت تحمل غالبا معاني رمزية للدين والقوة والحياة: على سبيل المثال، الصلاة من أجل بركة الإله، أو منع وقوع الكوارث، أو القضاء على الأرواح الشريرة.

تميز أسلوب الفن المصري القديم باتباعه قواعد صارمة للغاية، إذ يجب أن يبدأ كل فنان التعلم في سن مبكرة جدا، ويجب وضع كلتا اليدين على الركبتين في وضع الجلوس، ويجب أن يكون جلد الذكر أغمق لونا من الأنثى.

وتوجد قواعد صارمة لنحت كل إله مصري: يجب أن يمثل إله الشمس حورس صقرا، ويجب التعبير عن إله الموت أنوبيس على هيئة ابن آوى أو له رأس ابن آوى.

لقد سعى الفرعون المصري القديم إلى تأكيد علاقته بإله الشمس من أجل إثبات شرعية الحق الإلهي الملكي له وترسيخ حقه في الهيمنة.. إذن، لا يمكن أن تكون اللحية المستعارة، في هذا السياق، ذات غرض جمالي فحسب.

بعد مقارنة سلسلة من الصور (انظر أدناه)، توصلنا إلى تفسير جريء: اللحية المستعارة هي إسقاط لفكرة سقوط أشعة الشمس في الماء! ويمكننا أن نرى من الصور أن وجه الفرعون الذي يرتدي لحية مستعارة يشبه حقًا شروق الشمس من النيل! ويمكن لذلك أن يفسر لنا سبب وجود خطوط أفقية أو متموجة قليلاً في اللحية المستعارة، بدلاً من وجود خطوط عمودية تتدلى بشكل طبيعي.

فكما نعلم، هناك خطوط أفقية نراها عند غروب الشمس في الماء ولها تموجات، وهذا يمكن أن يفسر أيضا سبب عدم انتظام طول اللحية المستعارة بسبب اختلاف التوقيتات، إضافة إلى ذلك، يبدو أن اللحية المستعارة لها تصميم غير منطقي: الجزء العلوي منها (بالقرب من منبت الشعر) عرضه ضيق، والجزء السفلي (المتدلي على الصدر) عريض.. وهذه بالضبط محاكاة طبيعية لأشعة الشمس المنعكسة في الماء!

من خلال التماثيل المنحوتة، وهي أشكال فنية مهمة للغاية، التي تصوّر وجهه المستدير الكامل المزين بلحية مستعارة ذات خطوط أفقية، نجح الفرعون في تشكيل نفسه على شكل صورة إله الشمس أو صورة إله الشمس في النيل، من أجل جذب المزيد من المصلين المخلصين.

ويمكن أن يمنحنا التفسير المقترح أعلاه للمعنى الرمزي للحية المستعارة للفرعون فهما أكثر شمولا لثقافة عبادة إله الشمس في مصر القديمة.

نعتقد أن هناك الكثير من الناس حول العالم مفتونون بالثقافة المصرية القديمة وأن لحية الفرعون المستعارة تجذبهم.. ومثلنا، يعتقدون أن هناك نقصا في الأدلة المقنعة لتفسير أن اللحية المستعارة ما هي إلا مجرد زينة.. لدينا كل الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن الفرعون يضع لحية مستعارة ذات خطوط أفقية طويلة فقط ليجعل نفسه يبدو كأنه شمس حقيقية تشرق على النيل!

المصدر (اضغط هنا)

اقرأ أيضًا

في يوم “موكب المومياوات”.. ماذا تقول الصحف العالمية عنه؟ المتحف البريطاني.. “من أين لك هذا؟”

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى