سياسةمختارات

إلى “سترام كورس” الدنماركي: بأي ذنب تحرقون المصحف؟

 

في بلد أوروبي غني، يعد من أكثر بلدان العالم صداقة لغيره من البلدان.. في “دنمارك” يتصدر أهله مؤشر السعادة العالمي، وتكتب التقارير وتذيع الميديا أنه بلد فريد اتخذ موقف الحياد حتّى عندما كان العالم في أتون الحرب العالمية الثانية، تفاجأنا مؤخرًا بتصاعد أصوات اليمين المتطرف، وطالعنا بأعيننا مشاهد حرق المصحف الشريف أمام الكاميرات! ما الذي يجري في بلد المساحات الخضراء الجميلة؟ منذ متى وينشط اليمن المتطرف هناك؟ وهل هناك دلالات لصعود هذا التيار وتداعياته في داخل المملكة ذات الغالبية المسيحية؟

تبدو الدنمارك التي يعتنق غالب سكانها الديانة المسيحية، ويرتادون كنيسة بروتستانتية، لوثرية التوجه، في صدمة من صعود بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي وجهت تهديدات صريحة للمسلمين (يشكلون أقل من 6% من السكان). هذه الأحزاب تفتعل أزمات دينية وعرقية بين حين والآخر، كان آخرها إقدام زعيم حزب “سترام كورس”، راسموس بالودان، على حرق المصحف أمام مبنى البرلمان الدنماركي، الجمعة الماضي، احتجاجًا على وجود المسلمين في بلاده.

شعب لا يكره الغرباء

الشعب الدنماركي هادئ بطبعه ولا يتحدث كثيرًا مع الغرباء، إلا أن وقتًا قصيرًا من التعارف كفيل لصنع علاقات طيبة مع هؤلاء الغرباء. إنهم طيبون مع الغرباء. هكذا يقول كثيرون ممن عاشوا في الدنمارك. وهنا يحضرنا مثال “بلوتوث”، فالملك هارولد بلوتوث، موحد الدنمارك والنرويج، سميت خاصية “بلوتوث” الموبايل على اسمه، لقدرته المميزة جدًّا على التواصل مع الآخرين.

لكن حزب “سترام كورس” ومعناه بالعربية “النهج المتشدد”، واحد من أكثر الأحزاب السياسية اليمينية تطرفًا في الدنمارك، ويمتد أثره إلى الجارة السويد، حيث يشاركه بعض الأحزاب اليمينة نفس الأهواء المتطرفة والعداء للإسلام والمسلمين، ما يختلف كثيرًا عن طبيعة الشعب الدنماركي الذي يُصنف كثاني أكثر شعب مسالم على مستوى العالم بعد نيوزيلندا.

محاولات مستمرة في الدنمارك لحرق المصحف

لماذا الإسلام والمسلمون؟

في تعريف الحزب لنفسه، عبر موقعه الخاص على الإنترنت، لا توجد غير السطور التالية: “حزب سياسي دنماركي. الهيئة العليا للحزب هي سلطته العليا. يعقد اجتماعه السنوي قبل نهاية سبتمبر/أيلول من كل عام لانتخاب زعيم الحزب ونائبه و5 أعضاء في الهيئة العليا البالغ عددها 12 عضوًا”. وبعد أن استعرض الحزب أسماء أعضاء أمانته العليا ومناصبهم، اختتم تعريفه بنفسه بعبارة “الحزب له نشاط على مواقع تويتر وفيسبوك ويوتيوب، ولديه لجنة شباب مسؤولة عن طرح رؤية وسياسات الشباب في الحزب”.

لكن هذا التعريف الذي يغيب عنه جوهر تأسيسه وفلسفته اليمينة المتطرفة، ظهر جليًّا في الإجابات الشائعة المتاحة على الموقع الإلكتروني، حيث أقحم الحزب عداءه للإسلام في رده على أحد الأسئلة المتعلقة بـ”المثلية الجنسية”، بالقول إن “الحزب ليست لديه أية معارضة للمثلية الجنسية، بل إن الدين الإسلامي والمسلمين هم من يعارضون المثلية الجنسية”.

وفي رد على سؤال آخر عن وصف أماكن بعينها كمناطق للمثليين، أجاب الحزب ساخرًا “من المضحك مضايقة المسلمين بوصفهم مثليين، على الرغم من أن غالبهم لا يمارس المثلية الجنسية”.

صدق الحزب في وضع عبارة ” له نشاط على مواقع تويتر وفيسبوك ويوتيوب” في تعريفه الرسمي بنفسه، فالتجول في هذه الصفحات بعيدًا، عن موقعهم الإلكتروني، كفيل للحديث عن أعمال الحزب ومواقفه التي تتحدث عن نفسها، منذ نشر الحزب مقاطع فيديو معادية للمسلمين عبر موقع “يوتيوب” عام 2017، وحتى واقعة حرق المصحف، قبل أيام، والتي تزامنت مع محاولة عدد من المنتمين للحزب والمتفقين مع نهجه، منع مسلمين من إقامة صلاة الجمعة في 2 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، في ساحة كريستينسبورج المركزية بالعاصمة كوبنهاجن التي تقع مباشرة أمام مقر البرلمان حيث حرق المصحف.

Hitzb ut-Tahrir afholder fredagsbøn foran Christiansborg.
Samtidig afholdes flere demonstrationer mod Hitzb ur-Tahrir, herunder demonstration af Stram Kurs og Rasmus Paludan. #hitzbuttahrir #stramkurs #paludan #rasmuspaludan #christiansborg #politidk #nyheder pic.twitter.com/uOTYY5vQCx

— presse fotos (@pressefotosdk) March 22, 2019

مقاومة مضادة

وكان حزب “التحرير” المحظور في عدد من الدول الأوروبية، هو صاحب الدعوة لإقامة صلاة الجمعة الماضية في الساحة الشهيرة أمام البرلمان الدنماركي، لإيصال رسالة بأن المسلمين يحتجون على نبرة التعامل الإقصائي لهم، وللتذكير بـ”مذبحة المسجدين” التي وقعت في نيوزيلندا في مارس/آذار 2019 وأودت بحياة 51 شخصًا، على يد الأسترالي رنتون تارانتن، الذي حوكم في أغسطس/آب 2020 بالسجن مدى الحياة دون عفو مشروط، في حكم يعد الأول من نوعه في تاريخ نيوزيلندا.

هذه الأفعال المعادية للإسلام والمسلمين، كانت السبب في صدور حكم ضد رئيس الحزب اليميني المتطرف، راسموس بالودان، المحامي والناشط، بالسجن شهر، في يونيو/حزيران الماضي، في اتهامات من بينها معاداة المسلمين والعنصرية ونشر فيديوهات معادية للإسلام عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ومع ذلك، لم يردع هذا الحكم بالودان، الذي طلب من السويد في أغسطس/آب الماضي، السماح لتنظيم مظاهرة ضد المسلمين وحرق المصحف في مدينة مالمو جنوبي السويد، وعلى أثرها أقدم موالون للحزب اليميني المتطرف على حرق المصحف في مالمو السويدية، ونشروا مقاطع الفيديو والصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها بالطبع صفحات حزب “سترام كورس”.

رئيس الحزب اليميني المتطرف راسموس بالودان

وسبق هذا الحكم القضائي حكمٌ آخر صدر عام 2019 بسجنه شهرين مع وقف التنفيذ، لاتهامه بالعنصرية أيضًا، إضافة إلى أن بالودان سبق أن حُكِمَ عليه بالاستبعاد من ممارسة العمل بالقانون لمدة 3 سنوات، كجزء من عقوبته، وتعليق رخصة قيادته لمدة عام واحد، وغرامة نحو 40 ألف كرونة دنماركية (نحو 6 آلف دولار أمريكي).

وعلى الرغم من فشل الحزب في دخول البرلمان الدنماركي في الانتخابات السابقة، فإنه اقترب من هذه الخطوة بعدما حصل على مجمل 1.8% من أصوات الناخبين، في حين كان يستلزم حصوله على 2% من الأصوات على الأقل ليكون له تمثيل داخل البرلمان، طبقًا للقانون الدنماركي.

زيادة شعبية حزب “النهج المتشدد” يتزامن مع صعود نجم الأحزاب اليمينة في الدنمارك، وأبرزها حزب “الشعب” الذي يلعب دورًا مهمًّا في الحياة السياسية في الدنمارك، في مقابل الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية، وأبرزها حزب “الاشتراكيين الديمقراطيين”، الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة لارس راسموسن، الذي يعارض –شخصيًّا- الأفعال والهجمات العنصرية المعادية للإسلام، وسبق أن صرح بأنه “ينأى بنفسه بشدة عن استفزازات راسموس بالودان، التي لا معنى لها ولا هدف لها سوى خلق انقسامات” حتّى إنه خاطب الشعب الدنماركي في تدوينة قال فيها “ردوا بالحجج وليس بالعنف”.

 

 

ندى الخولي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى