“شارلي إيبدو” وفخ الحرية المطلقة

آية عبد الحكيم

كاتبة مصرية

لقد وقع صحفيو وفنانو “شارلي إيبدو” ضحايا لمفهومهم المطلق عن الحرية. لقد سعوا لتوسيع حدود حرية التعبير عن طريق تقويض معتقدات الآخرين، وكسر قدسية هذه المعتقدات.

فالنقاشات التي تجري حاليًّا عن حرية التعبير تشير إلى مكانتها المهمة في حياتنا الثقافية والاجتماعية، وفي هذا الإطار يكاد يكون هناك اتفاق على أن حرية التعبير تشمل الأفكار التي تحظى بالقبول العام، في حين يجري الاختلاف حول تلك التي تسيئ أو تصطدم بحقوق مجموعة معينة من الناس.

ومن ثم توجد حاجة لطرح سؤال عن شمول “حرية التعبير” للنقد والسخرية معًا، وهل هي حق مقدّس لكل مواطن ولا يمكن فرض قيود عليها.

حاليًّا، نشهد تجدد المناقشات حول ممارسة حرية التعبير في ما يخص العلاقة مع الدين بالتحديد، لأن العلاقة بين حرية التعبير والدين تأخذ جوانب مختلفة في بعض الأحيان، ومن هنا تأتي المشكلة، فمهمة حماية الأديان من تجليات حرية التعبير تحدٍّ أكبر لدى الجمهور المتدين. فدائمًا ما يؤدي التصادم بين حماية المقدسات الدينية من الانتهاك وحرية التعبير إلى توترات مريرة، اتخذت بُعدًا عالميًّا، خصوصًا بعد نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي “محمد” (صلى الله عليه وسلم) في المجلة الفرنسية.

إنّ تضارب الحقوق وضع سائد من الناحية العملية، لكن تُملي الحكمة السياسية والقانونية ضرورة الوصول إلى توافق، دون إنكار حق لصالح آخر.

ومن هذا المنظور يمكن تحليل الوقائع المأساوية التي حدثت في فرنسا مؤخرًا، سواء المتعلقة بـ”ذبح المدرس الفرنسي” والهجمات الأخرى ضد فناني وصحافيي جريدة “شارلي إيبدو”، ففي حين تجب إدانة هذا الاعتداء، يعد غريبًا -حتى على القيم الفرنسية نفسها- إصرار رؤساء تحرير الصحيفة على تقديم تفسير مطلق لحرية التعبير رغم العواقب المؤلمة. فوفقًا لـ”مونتسكيو”، المفكر الفرنسي، أعلى مستويات الحرية “أن لا تصل أبدًا إلى أعلى مستوى”!

إن نص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يقول إن “لكل إنسان الحق في حرية الرأي والتعبير، شاملة حق اعتناق الآراء دون تدخل أو قيود، وتلقيها ونقلها عبر أي وسيلة بصرف النظر عن الحدود، وعدم ذكرها صراحة الخطوط الحمراء”، غير أن هذه المادة حددت قيودًا لحرية التعبير، هذه القيود لا تسمح لأي شخص باستخدام حريته وحقوقه على حساب حقوق الآخرين، أو ضد النظام العام والأخلاق.  

لذلك، فإن أولئك الذين يدافعون عن الحرية المطلقة وغير المشروطة، لا يعرفون بالضبط قواعد ومبادئ التزامات حقوق الإنسان. فمن يريد الحرية لا يدافع عن الحرية المطلقة.  فحريتك المطلقة لا تعني شيئًا سوى تدمير حريتي وحرية الآخرين!

ولكن أليس هذا النوع من “الليبرتارية” (وهي فلسفة سياسية وحركة تعزّز الحرية الفردية إلى أقصى حد) ضارًّا بالحريات الإنسانية الأخرى؟ ألا يمكن أن تؤدي حرية التعبير غير المحدودة إلى تدمير الحقوق والحريات الأخرى؟

في قصة “شارلي” المؤسفة، ألم تكن حرية التعبير لعدد من رسامي الكاريكاتير مناقضة للحرية الدينية لملايين المسلمين؟ يجب أن ندرك أنه إذا لم نكبح جماح الليبرالية بقيود أخلاقية، فلن يبتلع الغد ما يسمى بحق التعبير فحسب، بل سيؤدي إلى تدمير كل الحقوق الإنسانية.

بالطبع قد تسيء السلطة استخدام هذه النسبية أو هذا التقييد، أو قد تقدم الأغلبية على قمع الأقليات باسم نسبية الحقوق والحريات.

وهذا بالضبط ما فعله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عندما قمع المتظاهرين المحتجين على سياسته، مستغلاً هذا القيد في تبرير قمعه الوحشي لهم، بحجة أن “حرية المتظاهرين في التعبير تمس الأمن العام” على عكس موقفه من “شارلي إبدو”.

إااولكن إذا كان ماكرون قد تبنى موقفًا نسبيًّا من حرية التعبير، فلماذا يأتي الآن داعمًا لحرية التعبير غير المشروطة، والتي يترتب عليها اضطراب اجتماعي في بلده؟

هذا سؤال قد لا نحصل على إجابة له في مزاد السياسة الفرنسية. لكن مع ذلك، فإن العدالة والأخلاق والعقلانية تملي علينا أن ننظر إلى الجانب الآخر من القصة.

 فعلى الرغم من أن تصور مديري “شارلي” لحرية التعبير كان متطرفًا تمامًا، فهل من الأخلاقي السماح للمتطرفين باللجوء إلى العنف؟ وهل حرمان هؤلاء الفنانين من الحياة يتناسب مع قاموس الإسلام الرحماني؟ وهل من المعقول أن يكون الذبح والرصاص إجابة على القلم؟ هذا شيء لا يمكن التسامح معه في المقابل.

في نهاية الأفق، حرية التعبير حق أساسي لا جدال فيه، هذا الحق هو أحد الدلائل الواضحة على الطبيعة الديمقراطية. ومع ذلك لا يجب أن تكون مطلقة تمامًا، ويمكننا انتقاد انتهاكاتها الجانبية دون وصفنا بأننا أعداء لحرية التعبير. تعريف الحرية نفسها عليه قيود بالفعل.

بل تُعرَّف على أنها الحق في فعل كل شيء ما دام هذا الفعل لا يؤذي الآخرين، أو كما يقول البعض: “إن حريتنا تبدأ حيث تنتهي حرية الآخرين”.

الرقابة خاطئة من حيث المبدأ. وبصرف النظر عن مدى حدة اختلافنا مع وجهة نظر الشخص أو طريقة تعبيره عن نفسه، يجب أن يملك كل إنسان حريته في إظهار نفسه في ظل مجتمع متحضر وحرّ.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram