سياسةمختارات

إلى مغتربي فرنسا.. كُن “أبيض” وإلا فالعنصرية لك!

 

على مدار 6 سنوات، لم يواجه المصري محمد الشيمي، وزوجته أميرة ذات الأصول الباكستانية، مواقف عنصرية صريحة عانيا فيها من كونه عربيًّا وكونها مسلمة، فالفرنسيون لا يصنفون الأفراد على مستوى الديانات والجنسيات، بل يقتصر التصنيف على “فرنسي أبيض” و”مغترب”.. فالكل هنا معرضون للعنصرية ما لم يكونوا “بيضا فرنسيين”، كأن المغترب موصوم وعليه أن يخترع نفسه من جديد كهندي أحمر يخطب أمام الرجل الأبيض.

مع ذلك، لم تخلُ تلك السنوات الست من مضايقات على مستوى التعاملات الحياتية اليومية، كأن يعطل موظف في مصلحة حكومية أوراق “الشيمي”، فقط لأنه مغترب، أو أن يرمق أحدهم زوجته شزْرًا في مركز تجاري أو في الجامعة، لكونها محجبة.. هذا لأن “العنصرية في فرنسا تطال المغتربين ككل ليس المسلمين فقط”.. يقولها الشيمي لـ”ذات مصر”.

قد تصد القوانين الفرنسية الكثير من التصرفات والتوجهات العنصرية من الحدوث على الملأ، لكن هذه القوانين لا تمنع التمييز بين الأقليات العرقية في المدارس وأسواق العمل، أو حتى التعاملات الشرطية، وهو ما دفع الآلاف للتظاهر والاشتباك مع الشرطة الفرنسية في باريس، في يونيو/حزيران الماضي، لرفض العنصرية والممارسات الوحشية للشرطة، كما شهدت مدن فرنسية أخرى مثل مارسيليا وليون مظاهرات واشتباكات مع الشرطة لكنها كانت أضعف، وذلك استجابة لدعوات التظاهر التي أطلقها أحزاب (ليست من بينها أحزاب اليمين أو حزب الرئيس ماكرون) ونقابات وجمعيات محاربة التمييز العنصري ومنظمات شبابية وطلابية.

الحياة في باريس

يعرف الشيمي، الشاب الثلاثيني الذي يعيش في ليون الفرنسية ويسعى للحصول على الجنسية، أنه يعيش في بلد “تغزوه عنصرية، ولا يمضي عام إلا بحدث عنصري كبير في أرجائه”.. بل إن هذا على حد قوله “طبيعي ومتعارف عليه هنا.. فأحيانًا نقابل أشخاصا عنصريين خاصة في الأعمال الإدارية والأوراق، مثل أن يستعمل أحد سلطته في تعطيل مصلحتي أو يتعامل معي بحدة.. هذه التصرفات تحدث لأنني مغترب وتحدث لأي شخص غير فرنسي، وليس لكوني مسلمًا فقط”.

ويرى 42% من المسلمين في فرنسا أنهم تعرضوا لسلوكيات عنصرية.. واحد من كل 3 منهم تعرض للتمييز بسبب ديانته خلال السنوات الخمس الأخيرة، بحسب استطلاع لمعهد “إيفوب” الفرنسي  المتخصص في تقييم الأداء في الحياة الثقافية الفرنسية، نشرت نتائجه أواخر العام الماضي.

وأكد الاستطلاع أن المسلمات أكثر عرضة للتمييز من الرجال المسلمين في فرنسا.

احتجاجات في أعقاب مقتل المعلم صامويل

صحيح أن الإعلام يركز على العنصرية تجاه المسلمين فقط، لكنها في فرنسا تطال المغتربين عمومًا، يقول الشيمي: “حرية التعبير في فرنسا هي شيء حيوي بالنسبة إليهم غير أي بلد أوروبي.. نعم كل دول أوروبا تتمسك بحرية التعبير، لكن فرنسا على وجه التحديد حرية التعبير فيها مرتبطة بمكتسبات الثورة الفرنسية، وبالتالي فإن خروج الرئيس الفرنسي وتصريحه بتمسك فرنسا بحرية الرأي شيء منطقي ولا خلاف عليه، فالجميع ضد قتل المعلم الفرنسي بسبب رأيه أو فكره سواء أكان مسلمًا أم غير مسلم، لكن الخلاف مع تصريحات ماكرون كان متعلقًا برأيه الشخصي والكاريكاتير نفسه، وهنا كانت الإشكالية.. هو يتحدث عن رأيه الشخصي، وهذا ما تسبب في غضب كبير في العالم الإسلامي، ما دفع دول لسلاح مقاطعة المنتجات الفرنسية”.

وفي رأيه الشخصي، يقول الشيمي إن عداء الإعلام الفرنسي للإسلام له بعد سياسي أكثر من مجرد التمسك بمبدأ حرية الفكر والتعبير، ويفسر: “جريدة شارلي إبدو بالأساس رسموا الكاريكاتير المسيء للرسول ليس من منطلق حرية التعبير بل بهدف الدعاية والشهرة للجريدة، كما حدث في واقعة مشابهة في الدنمارك، وحدثت حملة مقاطعة المنتجات الدنماركية واشتهر الكاريكاتير على نحو كبير.. بعدها شارلي إيبدو رأت أن رسم كاريكاتير مسيء للرسول قد يجلب الدعاية والشهرة للجريدة التي لم تكن معروفة إلا على المستوى المحلي الفرنسي، وبعد نشره حظيت بشهرة عالمية.. ليس فقط بفعل الكاريكاتير بل بسبب الاعتداء الغاشم والمرفوض عليها من هجوم مسلح أودى بحياة عدد من العاملين بالجريدة”.

مقاطعة المنتجات الفرنسية

وقع الهجوم المسلح على جريدة “شارلي إبدو” في 7 يناير/كانون الثاني 2015، باقتحام ملثمين اثنين مقر الجريدة الساخرة وأطلقوا النار عشوائيًّا وقتلوا 12 شخصًا وأصابوا 11 آخرين، وبعد أسبوع من الحادث الدموي، ظهر تسجيل مصور تبنى فيه تنظيم القاعدة العملية، وقال فيه المتحدث باسم التنظيم إن العملية كانت بأمر زعيم التنظيم، أيمن الظواهري.

لا يشعر الشيمي بتأثير حملات مقاطعة بعض الدول الإسلامية للمنتجات الفرنسية، بل يؤكد أن وعي الشعب الفرنسي قادر على ربط حملات المقاطعة تلك، والتي تتبناها تركيا، لا تهدف إلى نصرة الرسول بقدر ما ترجع للتوتر بين فرنسا وتركيا مؤخرًا، لعدة أسباب أهمها مياه المتوسط والتنقيب عن الغاز الطبيعي هناك، وترسيم الحدود البحرية بين اليونان وتركيا وموقف فرنسا المؤيد للجانب اليوناني، فضلاً عن معارضة فرنسا قبل سنوات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

هذا التوتر في العلاقات السياسية بين فرنسا تركيا انعكس على الإعلام أيضًا، بأن نشرت “شارلي إبدو” كاريكاتير مسيئًا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وزوجته يحمل إيحاءات جنسية.

ولأن الجالية التركية ليست قليلة في فرنسا، بحسب الشيمي، فقد أحدثت كل تلك التوترات حالة استقطاب كبير بين الناحيتين، خاصة من اليمين المتطرف سواء الأحزاب والأشخاص الكارهون للمغتربين، الذين استغلوا هذا التوتر إعلاميًّا لصالحهم، ثم جاءت حادثة الطعن التي قتل فيها 3 أشخاص في إحدى كنائس مدينة نيس الفرنسية لتزيد التوتر مع المغتربين والمسلمين في فرنسا.

صباح الخميس الماضي، لقي 3 أشخاص حتفهم وأصيب آخرون في حادثة طعن قرب كنيسة بمدينة نيس جنوبي فرنسا، بينهم حالة امرأة قطع رأسها بسكين، وأعلنت نيابة مكافحة الإرهاب الفرنسية فتح تحقيق في الهجوم “الإرهابي”.

هجوم نيس

جاءت حادثة الطعن الأخيرة لتخيم مجددًا على علاقات سياسية متوترة أصلاً بين فرنسا والعالم الإسلامي، ويرجو الشيمي ألا تؤثر هذه الأحداث على وضع الجاليات العربية والمسلمة في بعض المدن الفرنسية: “المدن الفرنسية الكبرى التي تحتوى على سكان من جنسيات مختلفة، يكون فيها الاندماج أكبر وبالتالي المواقف العنصرية على مستوى الحياة اليومية أقل.. أما بعض المدن التي لا يعيش فيها مغتربون، خاصة تلك الواقعة شمالي فرنسا، يختلف الوضع فيها، ففيها يعيش الفرنسيون ذوو البشرة البيضاء، ويتعاملون بمبدأ عنصري مع كل من هو مختلف عنهم”.

ماكرون

“أميرة”، زوجة الشيمي، ذات الأصول الباكستانية، تقول: “بالنسبة إلى الحجاب، لم تحدث مضايقات على مستوى الحياة اليومية، لا يوجد تغيير سواء قبل الأحداث وبعدها.. أحيانًا في الجامعة أو محل تجاري أواجه نظرات محدقة ورافضة، لكنها مجرد نظرات.. فالقانون يحكم الوضع، لا يسمح بالعنصرية في المطلق”.

وحسب استطلاع معهد “إيفوب” الصادر نهاية العام الماضي، تعرضت 60% من المسلمات المحجبات لتمييز مرة واحدة على الأقل في حياتهن مقابل 44% بحق مسلمات غير محجبات، وتعرض 37% من النساء المحجبات لإهانات وشتائم.

 

ندى الخولي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى