وجهات نظر

إنه جنون زائف وعنف مجاني: أفخاخ التفاهة.. وجرائم “روح الفانلة”!

أحمد منتصر

كاتب مصري

 

لا يخفى على أحد حقيقة أننا بلد 100 مليون مشجع كروي. بات  الموضوع أكثر من مجرد لعبة. شعارات كثيرة مثل: “الكرة حياتنا”، “روح الفانلة”، “وراءك إلى الأبد”، “يوم ما أبطل أشجع أكون ميت أكيد”، تشحن وتشكّل شعور الفرد، وتضفي عليه شكلا من الانحياز والانتماء. تجعله جزءًا من كل أو بعض كيان. كيان هو في الغالب لا يستطيع أن يتحصل على بطاقة عضوية ناديه: الأهلي كان أم الزمالك!

ما تراه الغالبية من طبيعة الأمور: عنصرية وخطاب كراهية الآخر وعداء أزلي، لا يمكن اعتباره إلا محاولة لتطبيع ما هو غير طبيعي وغير واقعي، ومحاولة للالتفاف على الواقع وتغييبه، وحصر أفكار ومبادئ كالانحياز والانتماء والتضامن وتفريغها من محتواها الواقعي لصالح أشكال زائفة ومتضخمة من واقع متخيل ليس أكثر.

جماهير الأهلي والزمالك

لا يمكن أن نرى ما جرى في الأيام السابقة بين جماهير الأهلي والزمالك كمجرد “خناقة عادية” ستمضي لحالها، أو “ترند” سيختفي بعد أيام. إنه شيء مرعب وغريب، بدءًا من فكرة الانتماء الهستيرية للكيان، والتي يُروَّج لها بنحو دعائي وعلني فج، في ظرف لم تعد فيه إمكانات وقدرات لتشكيل انحيازات واقعية واجتماعية. فكرة الانحياز لفريق باتت هوية اجتماعية وشعبية، تتوارثها الأجيال في كل أسرة. صارت مثالاً لمفخرة ووجاهة اجتماعية، بما تشكله أهلاوية أو زمالكاوية عائلة فلان على مدار تاريخها، بالإضافة إلى كونها تغلغلت في تعريف الأفراد لأنفسهم وانحيازاتهم الحياتية.

فمن السهل أن تنتسب إلى فريق كرة ومن المُجرَّم أن تنتسب إلى حركة أو حزب أو منصة إعلامية، أو تيار سياسي أو منبر ثقافي أو خط علمي، أو حتى مجرد أفكار خارج إطار الرقابة العامة. وعليه تحول فريق الكرة لشبه إمكانية وحيدة ممكنة يتمثل فيها الفرد، فصارت آلية لشحن الأفكار وتوجيه الحشود وتفريغهم، ثم إعادة ملء هذا الفراغ بمحتوى أفكار متضخمة عن الشعور بالانتماء والحق في الاختيار والمؤازرة والتضامن، وكلها أفكار دومًا يحتاج إليها الفرد.

وعلى الرغم من أن هذه الأفكار تنفيها سلطة الواقع وتنكرها على الأفراد والجماعات في واقعهم المُعاش، إلا أنها تحيا في واقعهم المتخيَّل والمتضخم، مرورًا بتطبيع العنصرية ومنطق العداء الخالي من جذور مصلحة أو أي أساس منطقي، وصولاً إلى تغذية الجريمة والاحتقان، لنستيقظ يومًا ما على جريمة جماعية بحق مشجعي كرة ونتساءل كيف وصلنا إلى جريمة في مدرجات كرة! وكيف نما شعور الكراهية! وكيف يتحول التشجيع لتحريض وعنف! نتناسى واقع أن الكلام في الكرة وعن الكرة صار بديلاً لا تسلية، والإغراق والانسياق في عالم الكرة هو هروب وإنكار للواقع وليس اختيارًا أو متعة، وصار مساحة للظهور والتعبير عن الذات في وقتٍ وظرفٍ لم تعد مسموحة ومكفولة فيه تعددية الاختيارات، وتحولت الأهواء والانتماءات لمبارزات كلامية ومشادات وعداءات لا تحمل من الواقع إلا اسمه فقط، ولا تحمل للواقع إلا الإنكار واللا مبالاة، ولا تجسد إلا كل ما هو تافه، لتصير هذه الصورة الكبيرة تعبيرًا جليًّا عن إحدى آليات “القمع بالتفاهة”.

التحفيل المُرعب

القمع بالتفاهة، خطورة “ترند” التحفيل بين الجمهورين، مرعبة بقدر مساحات التهميش الواسعة التي طالت الجميع، وقضت على كل ذوقٍ وفكرة وإبداع وتعلّم ذاتي ومسؤولية إجتماعية تجاه الآخر، وكنست كل ما هو واقعي وحقيقي ومتصل بحياتتا اليومية وتضامننا وبقاءنا الإنساني وعلاقاتنا الاجتماعية وظروفنا الطبقية والمعيشية، لصالح كل ما هو فردي وتافه وغير نافع لغالبية الأفراد أو الجماعات، وعليه انحصر الفرد في معارك تافهة وآمنة، كتعويض من ناحية عن حالة العزل والمنع والحرمان السائدة، وكإمكانية أخرى لآليات السيطرة لضمان الهيمنة والسيادة على المجتمع.

هذه المعارك تقوم عليها صناعة كاملة للتفاهة، بدءًا من المخططين والمديرين، مرورًا بصناع محتوى التفاهة ومهندسي إنشائه من الأبطال والنجوم والمشاهير، والتي تشكّل حياتهم وطرائق لبسهم وتصريحاتهم وحكاياتهم الزوجية ومواقفهم اليومية سيلاً من الأخبار والعناوين والحوارات والترندات. وكلما كان الموضوع أكثر تفاهة ومثيرًا للضحك والسخرية، كان حيزه في التناول والانتشار أكثر، لأن “التافهين سيطروا على مفاصل كل شيء” بحسب المقولة الشهيرة لآلان دونو، فالإنسان التافه ليس من يصنع التفاهة فقط، بل أيضًا من يقرّها كإطار عام ويسارع في نقلها ونشرها ومن يعمل على تطبيع كل ما هو تافه والتعامل على أنه “من العادي والطبيعي”، ومن يتعامل بلا جدوى وبلا مبالاة تجاه الأحداث والمواقف المصيرية، ومن يتغاضى عن ضرورة إعمال الدماغ لصالح تمرير ما هو جاهز وسائد من الإجابات والأفكار العامة.

كل هذه أشكال عامة من ممارسة التفاهة ستراها في المدير التافه والشيخ التافه والمسؤول التافه والإعلامي التافه، لنصل بالنهاية إلى مفهوم متطور من القمع، القمع بالتفاهة وإنتاجها وإدارتها، بتوجيه كل ما هو تافه لكبح كل ما هو جاد وضروري، بالتالي صارت مواضيع السياسة والاجتماع والأدب والتاريخ والحداثة والثورة والديمقراطية والتطور والتكنولوجيا… إلخ من موضوعات راهنة وضرورية ومتصلة بحياتنا، خارج صناعة المحتوى الأيديولوجي والثقافي والاجتماعي، خارج عالم التفاهة.

فحين تسمع كلمة “إمبريالية” فأول ما سيتبادر إلى ذهنك المقولة الشهيرة لعادل إمام: “الإمبريالية من الأمبرة”، وحين تختبر معلومات أحدهم عن الحرب في ليبيا وصراع دولة الجوار، سيتذكرها بالمقولة الشهيرة بالمهرجانات: “ليبيا دي أرض الحرب”.

معتقدات الغالبية عن المؤامرة

نظرية المؤامرة.. يعتقد غالبية المصريين في “الحكاوي” الساحرة عن نظريات المؤامرة، وتلك المؤامرات هي التي تتكالب على السلطة وتحاول أن تسقطها، وأيضًا تتواطأ على الطامحين والحالمين وتثبط عزيمتهم، وهي طريقة سريعة لتبرير النجاح والفشل أيضًا، فرغم المؤامرات ننجح، وبسبب المؤامرات نفشل. منطق سهل وجاهز ومناسب للغالبية، فتتحول المعارك التافهة والآمنة بفعل الفراغ المراد تضخيمه، إلى سيرورة من المؤامرات التي تحاك بفعل قوى نعلمها وأخرى لا نعلمها أحيانًا.

كما تسمح التفاهة بمرور الأفراد ونفاذهم في المشهد الاجتماعي العام، فينزلق الرياضي في الإعلام المرئي والإذاعي، ويكون نجم حملة إعلانية ممولة لمنتج تجاري ما، ومن الممكن أن يصير عضوًا في البرلمان أو مسؤولاً حكوميًّا رفيع المستوي، أو مقدم برامج شهيرًا، ويتابعه مليون فرد على مواقع التواصل. كل هذا يمحو الواقع الحقيقي للأفراد وينزع القيمة من أفعالهم، ويتماهى الفرد مع مجال كامل من المؤامرات والكوميكس والترندات، لأبطال مشاهير معروفين، ومناسبين لتغذية الاستهلاك اليومي، من خلال حياتهم ومغامراتهم وفضائحهم وآرائهم الساذجة، التي توفر الفُرجة وأعلى نسب المشاهدة، وبالتالي الانتشار والتأثير.

وفي ظل مجتمع مأزوم -وهو ليس لأنه على وشك أزمة، بل اعتاد على العيش ومواصلة الحياة في ظل أزمات دورية- وواقع مضطرب وتفاوت طبقي فجّ ولا معقولية للحياة وغياب تام لحِسّ المسؤولية الاجتماعية، تصير الدعاية التي نقع تحت طائلتها يوميًّا هي دعاية للإنكار، إنكار الواقع وما يرتبط به من حقوق أولية وإنسانية ومسؤوليات تجاه الفرد والمجتمع، ومضمون الأفكار ومدي معقوليتها التي يقوم عليها هذا الفرد ومجتمعه، وبالتالي يصير من الطبيعي أن يكثر الكلام في مجتمعنا المأزوم عن البدهيات والحقوق الأولية، ولعدم وجود مرجعية قانونية ولا منهجية ولا ضابط أخلاقي ولا أي وسيلة ضمانة لحل أو تناول تلك المشكلات، يغدو الإنكار حلاً مثاليًّا، كمُسكِّن لمواصلة سير الحياة، بنفي الواقع لصالح المؤامرات، والتي في ظل وضع مُزرٍ، وحالة تشنّج مصطنعة، تقود إلى الجنون الجماعي والعنف المجاني واللعب بالعواطف، ومن الممكن أن تقود إلى جريمة حقيقية.

 

أحمد منتصر

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى