إيران وتداعيات اتفاق السلام بين البحرين وإسرائيل

فراس إلياس

كاتب وباحث عراقي

جاء إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن عقد اتفاق سلام بين البحرين وإسرائيل، ليضيف بدوره تطورًا مهمًّا تشهده القضية الفلسطينية اليوم، ليكون مكملًا للخطوة الدبلوماسية التي أقدمت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن المتوقع أن تشمل دولًا عربية أخرى، وبعيدًا عن التداعيات السياسية التي قد تفرزها الخطوة البحرينية الأخيرة، على صعيد الموقف الفلسطيني من قضية الضم وغيرها؛ إلا أن الثابت هو أن موقف البحرين يختلف عن أي دولة خليجية أخرى، وذلك بسبب ارتباط التحول الدبلوماسي البحريني الأخير بالدور الإيراني في الخليج العربي، فضلًا عن الموقف الإيراني الرافض لأي عملية تطبيعية مع إسرائيل.

شهدت البحرين مع بدء ثورات الربيع العربي في 2011، حركة احتجاجية كبيرة، قادتها العديد من المنظمات والحركات السياسية في البحرين، وأهمها حركة الوفاق البحرينية، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، والتي يقودها الزعيم الروحي الشيخ “عيسى القاسم” المنفي في إيران حاليًّا، والتي دخلت في صدامات عنيفة مع الحكومة البحرينية، وكادت أن تنجح في الإطاحة بالنظام الحاكم، لولا تدخل قوات “درع الجزيرة” بقيادة المملكة العربية السعودية. وعلى هذا الأساس يمكن القول، إن الخصوصية التي تعتري الحالة البحرينية قد تجعلها أمام مفاجآت كبيرة في الأيام المقبلة، احتجاجًا على قرار التطبيع؛ إلا إذا كان هناك تعهد أمريكي – إسرائيلي – خليجي بمنع ذلك.

موقف إيراني رافض

مع الساعات الأولى لإعلان الرئيس “ترامب” عن اتفاق السلام بين البحرين وإسرائيل، اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية اتفاق التطبيع بين البحرين وإسرائيل بأنه “عمل مخزٍ” أقدمت عليه المنامة، ولفتت الوزارة في بيان صادر عنها السبت، إلى أن الشعب الفلسطيني والمسلمين الأحرار في العالم، لن يقبلوا أبدًا بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأضافت: “إنها خطوة تضحي بنضال ومبادئ الشعب الفلسطيني من أجل الانتخابات الأمريكية”، وإن “هذا العمل المخزي سيبقى إلى الأبد في الذاكرة التاريخية لشعب فلسطين المظلوم وشعوب العالم الحرة”.[1]

وبعيدًا عن المواقف والتصريحات الصحفية، تنظر إيران بخشية كبيرة إلى التداعيات الاستراتيجية التي من الممكن أن يُفرزها اتفاق السلام هذا على نفوذها في البحرين، وعن طبيعة علاقاتها المستقبلية مع الحركات السياسية والعسكرية هناك، والحديث هنا حركة الوفاق، وحركة حق، إلى جانب جماعات مسلحة شكلتها ودعمتها إيران منذ عام 2012، وأبرزها: سرايا المختار، وسرايا الأشتر، وسرايا وعدالله، والتي تلقت دعمًا وتدريبًا من قبل قيادات في “حزب الله” اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

فضلًا عن ذلك، تنظر إيران إلى أن هذا الاتفاق سيحجم كثيرًا من دور الحاضنة السياسية الشيعية في البحرين، وسيخلق منطقة فراغ بينها وبين شرق المملكة العربية السعودية ذات الأغلبية الشيعية، خصوصًا وأنه سيكون هناك التزام إسرائيلي وأمريكي بحفظ أمن وسيادة البحرين من أي تدخلات إيرانية، وهي النقطة المهمة، كون الهدف الرئيسي من هذا الاتفاق هو تطبيع العلاقات الأمنية بين دول الخليج وإسرائيل، بالشكل الذي يحجم من تدخلات إيران في المنطقة العربية، ويقطع أوصال أحزمتها الجغرافية التي تمتد من اليمن حتى البحر الأبيض المتوسط، ومن جنوب شرق آسيا حتى شمال إفريقيا.

إذ لطالما شكّلت البحرين أحد طموحات الهيمنة الإيرانية في منطقة الخليج العربي. فإلى جانب كونها أحد مداخيل التأثير في الأمن الوطني لدول الخليج العربية؛ يشكل الشيعة فيها أيضًا أحد مداخيل توثيق العلاقة الإيرانية-الشيعية مع باقي شيعة الخليج، مما يجعلهم جزءًا مهمًّا من المجال الحيوي الإيراني، كون دول الخليج العربية تشكل جزءًا مهمًّا من هذا المجال، خصوصًا وأنها تقع ضمن دول المحيط الشيعي-الإيراني، الذي جعلها بمثابة جسر إيراني نحو اليمن الذي يحتوي -بدوره- جماعة شيعية طامحة، ودول القرن الإفريقي التي تتواجد فيها جماعات شيعية بدأت تستشعر وجودها المذهبي والسياسي. ومن ثم تنظر إيران إلى أن دعم عملية تقوية الدور السياسي والأمني للشيعة في البحرين، هو جزء مهم من استراتيجيتها الإقليمية، وهو ما يضع أمامه العديد من علامات الاستفهام، بعد اتفاق السلام هذا.

نظرة جيوسياسية معقدة

سعت إيران إلى بناء علاقات وثيقة مع حركة حماس الإخوانية في غزة، وذلك من أجل خلق مسار سياسي تستطيع من خلاله المسك بأحد أطراف القضية الفلسطينية، في موازاة الدور العربي الداعم لحركة فتح، وهو مسار أتاح لها الوصول إلى عمق الأراضي الفلسطينية، عبر تقديم الدعم العسكري واللوجستي للفصائل الفلسطينية المسلحة، كحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجعلهم جزءًا من محور المقاومة الذي تقوده في المنطقة. وفي مقابل النجاحات الاستراتيجية التي حققتها إيران في الفترة الماضية، يبدو أنها تعيش اليوم موقفًا جيوسياسيًّا معقدًا، فإلى جانب العقوبات المشددة المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة، والتي من الممكن أن تتصاعد بحلول ليلة 20 سبتمبر الجاري، والوهن الذي يعانيه حلفاؤها في العراق ولبنان؛ فإن اتفاقات السلام التي بدأت تعقدها بعض دول الخليج مع إسرائيل، من شأنها أن تفرض مزيدًا من الضغوط على طهران.

إن النظرة الإيرانية لاتفاق السلام بين البحرين وإسرائيل، نظرة تتجاوز الحالة الفلسطينية، وتشمل الشرق الأوسط بمجمله، ولهذا فإنها تعتبر أي عملية تغيير تجري في جغرافيا محددة، ستكون لها تداعيات مباشرة عليها، بحكم ارتباط الحالة الإيرانية بكل ملفات المنطقة. ومن ثمّ فإن الحلول المعقدة التي وجدت إيران نفسها فيها اليوم، جاءت بسبب السياسات التي اعتمدتها خلال الفترة الماضية، إذ راكمت هذه السياسات المزيد من العداءات والفوضى، بالشكل الذي جعل ردود الأفعال الإقليمية تفوق القدرة الإيرانية على احتوائها في بعض الأحيان.

والسؤال الرئيسي هنا هو: إذا كان موقف إيران سيثير جولة جديدة من الاحتجاجات في صفوف الشباب الشيعي المتشدد في الشارع البحريني، فسيتأثّر المجتمع السنّي بشكل أكبر بأُسرة آل خليفة الحاكمة، الذي ينظر بنظرة متشددة حيال التهديد الذي تطرحه إيران، وقد يَعتبرون هذا التحوّل الدبلوماسي سابقًا لأوانه. إنّ نفوذ الولايات المتحدة في البحرين كبير بالنظر إلى وجود مقرّ “الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية” هناك، وبفضل المنافع الاقتصادية التي يدرّها الوجود الأمريكي، فهي لا تثير الخلاف على الصعيد السياسي المحلّي. لقد كانت خطوة البحرين الدبلوماسية متوقعة، ولكنها تُعد جريئة أيضًا، وستكون علاقة البحرين المستقبلية مع إسرائيل بحاجة إلى الحماية من مجموعة من المخاطر الداخلية والخارجية، حتى أكثر من خطوة التطبيع الإماراتية.[2]

ويُدرك الإسرائيليون أن العامل الرئيسي الذي يدفع باتجاه التطبيع العربي مع إسرائيل، وفكّ أغلال مبادرة السلام العربية “الأرض مقابل السلام” لعام 2002؛ هو السعي لتأمين صِفة الأفضلية مع الولايات المتحدة قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو الدور الذي ستلعبه الدول العربية الأخرى في تسهيل هذا التقدم، والقيام بخطوات تطبيع خاصة بها؟ ويبدو أن إقامة ترتيبات تطبيع تدريجية مع العديد من الدول العربية هو المسار الأكثر ترجيحًا للتطور في المدى القريب لعملية السلام بين العرب وإسرائيل، بدلًا من سلسلة وشيكة من الاتفاقات التاريخية على غرار الاتفاق الذي وقّعت عليه دولة الإمارات العربية المتحدة، كما تشير رؤية إسرائيل هذه إلى أن الولايات المتحدة تستطيع أن تساعد في تسريع وتيرة هذا التحوّل التدريجي من خلال الوساطة أو الرعاية أو المشاركة في مبادرات محددة. والخطوة الأكثر أهمية هي ضمان النجاح السريع لاتفاق التطبيع الإماراتي، ليكون نموذجًا للشركاء المحتملين الآخرين، وتشجيعهم على إحاطة الفلسطينيين بـ”حزام سلام” عربي-إسرائيلي يقنع السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف بالسعي إلى التوصل إلى اتفاق.[3] لكن ماذا تستطيع إيران أن تفعل حيال هذا الزخم التطبيعي المتصاعد؟

المراجع

[1] إيران: تطبيع البحرين مع إسرائيل عمل مخزٍ، وكالة الأناضول، في 12 سبتمبر 2020.

https://bit.ly/3hvC7fG

[2] Simon Henderson, Bahrain Move Toward Israel Risks Domestic Reaction, The Washington Institute, September 2020. https://bit.ly/3homKFM

[3] Ehud Yaari, The Road Beyond UAE-Israel Normalization, The Washington Institute, September 2020. https://bit.ly/3k9gG5F

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search