إيران وسياقات الهوية الشيعية العابرة للحدود الوطنية

فراس إلياس

كاتب وباحث عراقي

إن التركيز البنائي على الهوية، وخاصة الهويات العابرة للحدود الوطنية كالهوية الشيعية، إلى جانب التفاعل بينها وبين مركز الجيوسياسية الشيعية (إيران)، والبحث في بنية هذه الهوية وجوانبها المعيارية والثقافية في إطار النظام الدولي؛ له الكثير من الفوائد النظرية لوصف وشرح التطورات السياسية التي مر بها التطور الجيوسياسي الشيعي في الشرق الأوسط، ففي هذه المنطقة تتعرض الهويات العابرة للحدود الوطنية للخطر، مما يحد من سلوك الدولة، فالتحليل البنائي لصعود الشيعة في العالم الإسلامي، يشير إلى عملية تدريجية من الأسفل إلى الأعلى، أي من عصور ما قبل الثورة الإيرانية إلى ما بعد نجاح هذه الثورة، بحيث أصبحت الهوية الشيعية اليوم قادرة على تغيير النظام الإقليمي، عبر نشر هويات مذهبية جديدة في العالم الإسلامي عن طريق سياسات التشيع.[1]

تتمثل إحدى الطرق المفيدة لفهم الاختلافات الطائفية في إطار العالم الإسلامي، عن طريق الانتباه إلى حقيقة أنها نوعٌ من الهويات الاجتماعية المتضاربة، وهذا يؤكد على الطابع العابر للوطني للشيعة كمجتمع معين، إذ شهد التاريخ السياسي للعالم الإسلامي حالة من الصراع السياسي بين السنة والشيعة، فالمحور الأساسي للتوترات بين السنة والشيعة يدور أساسًا حول اكتساب أو الاحتفاظ بالسلطة السياسية، ويمكن القول إن هناك ثلاثة عوامل ساهمت في إحياء الشيعة بمنطقة الشرق الأوسط هي: تقوية الشيعة في العراق، وتقوية الشيعة الآخرين في لبنان والمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة، وفي النهاية صعود إيران السياسي والمذهبي. هذه العوامل الثلاثة عززت القوة الشيعية في منطقة الشرق الأوسط، وأدت دورًا في معادلاتها الإقليمية، إذ أصبحت هناك علاقة منفعة متبادلة بين صعود مكانة إيران السياسية، وأدوار حلفائها في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما عزز مكانة الهوية الشيعية في الساحة السياسية الإقليمية والدولية.[2] مع التأكيد هنا على أن هناك اختلافات سياسية بين الهويات الشيعية في منطقة الشرق الأوسط حول كيفية الوصول للسلطة، ففي الوقت الذي وجد فيه المرشد الأعلى الراحل للثورة الإيرانية “الخميني” أن السبيل الوحيد للوصول للسلطة هو الثورة، فقد دعا العديد من الزعماء الدينيين الشيعة في العراق أتباعهم إلى الالتزام بقواعد الديمقراطية في سياق الصراع على السلطة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، والسبب الرئيسي في ذلك هو وجود أغلبية شيعية في العراق، وكذلك فعل الشيعة في البحرين، في حين نجد أن حزب الله اللبناني والحوثيين وجدا في العمل المسلح ضرورة ملحة لإثبات الهوية الشيعية في لبنان واليمن.[3]

وفي هذا السياق، من المهم التفريق بين النزعة الشيعية فوق الوطنية بوصفها تيارًا سياسيًّا، والتشيع فوق الوطني بوصفه هوية دينية، ولا سيما في حالات المواجهة مع الهوية السنية، أو المشتركات العقائدية التي تساهم في إعادة إنتاج تلك الهوية لجماعة متخيلة فوق وطنية، أو في المؤسسات الدينية التي تقوم بما يشبه الدور الذي تحدث عنه “أنتوني سميث”، وهو يتناول وظيفة حراسة هوية الجماعة، عبر إنتاج سياسات للتعامل معها.[4]

فالتشيع السياسي بصيغته الحالية يعبر عن موقف أيديولوجي، وعن خيارات صراعية لا تقرر آليًّا عبر الانتماء للهوية الشيعية، بل عبر قراءات ومفاهيم سياسية – اجتماعية، وجغرافية – سياسية، إذ تعكس مشاركة الجماعات الشيعية المسلحة في الصراع السوري حالة من التماهي مع التيار الثوري الإيراني في سياق الصراع الإقليمي والدولي. وعلى الرغم من الاستخدام المكثف للرمزية الشيعية في تجنيد المقاتلين، إلا أن هذا التوافق هو نتيجة الاستقطاب الجيوسياسي القائم في المنطقة العربية، أكثر من كونه انعكاسًا لوجود خرائط طائفية متباينة في منطقة الشرق الأوسط، بمعنى آخر إن الوجود السني-الشيعي ليس كافيًا لتفسير الصراع في العالم الإسلامي، بل إن شحن هذا الصراع طائفيًّا نتج عن خيارات سياسية واعية اتخذها أطرافه. وعلى الرغم من تمظهر الصراع “طائفيًّا” في عقول كثيرين من المراقبين له، أو المنخرطين فيه، فإن “الطائفي” هنا محكوم بالسياسي، أي بشروط الصراع في سياق زماني – مكاني محدد.[5]

ويدخل في إطار الهويات الشيعية العابرة للحدود الوطنية بروز “محور المقاومة”، الذي كان يتشكل في بادئ الأمر من إيران والعراق وسوريا، ليتحول في مرحلة ما بعد الربيع العربي إلى محور يضم جماعات وحركات مسلحة إلى جانب الدول المذكورة، ولعل هذا التحول في نمط التفكير الأمني الإيراني جاء نتيجة التحول في نمط توزيع مفردات القوة في منطقة الشرق الأوسط، على اعتبار أن ممارستها لم تعد مقصورة على الدول، خصوصًا بعد بروز العديد من الجماعات المسلحة كداعش وجبهة النصرة وغيرها، التي مارست السلطة والإدارة في مناطق نفوذها وسيطرتها.[6]

ومن ثم فإن الدعم الإيراني للجماعات الشيعية المسلحة في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، يأتي ضمن توجه إيراني عام بأن الضرورات الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين، تقتضي إجراء تحول في نمط العمل الاستراتيجي الإقليمي، وتوظيف المزيد من هذه الكيانات والتنظيمات لسد الشواغر الاستراتيجية التي خلفها انهيار سيادة الدول وتحديدًا في العراق وسوريا على ترابها الوطني. ولعلّ الانتشار الواسع لعدد الجماعات المسلحة في العراق على سبيل المثال، والتي يصل عددها إلى أكثر من 63 فصيلًا مسلحًا، خير مثال على ذلك، فضلًا عن تجنيد مجموعات أجنبية، مثل: ألوية الفاطميين الأفغانية، وألوية الزَينَبيين الباكستانية العاملة في سوريا، وتحظى كل هذه الجماعات بدعم شعبي واسع، لأنها تشكل غالبًا الجناح العسكري للحركات الاجتماعية التي برزت في البلدان التي تمتلك فيها إيران نفوذًا واضحًا على اختلاف مذاهبها.[7]

إن أقرب حلفاء إيران هم من الشيعة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تشكل بصورة أخرى شبكات من الوكلاء لإيران يتشاطرون الهوية المذهبية نفسها. بالطبع، من الصعب على أحد، بما في ذلك حتى إيران التي تحرص على تأكيد الطبيعة اللا طائفية لعلاقاتها مع هؤلاء، أن تنفي الحقيقة بأن كل هذه الأطراف تتقاسم بالفعل الانتماءات الطائفية نفسها، والأكثر من ذلك، يبدو أن هذه العلاقات، خاصة بالنسبة إلى أعداء إيران ومنافسيها السنة، أن تتحول إلى حركة شيعية متشددة عابرة للحدود الوطنية بقيادة إيران.[8]

 

إذ سعت جهود الحرس الثوري لتشكيل حركة شيعية عابرة للحدود، تتألف من جماعات متشددة ونشطاء في منطقة الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، من تصلُّب الهويات الطائفية منذ قيام ثورات الربيع العربي، ثم جاءت الأحداث في سوريا والبحرين، التي ترافقت مع صعود تنظيم داعش في العراق، والتدخل العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين في اليمن؛ ليساهم في الشحذ الجماعي للهوية في صفوف شيعة الشرق الأوسط.

وقد لاحظ “توبي ماثييسن” هذه الظاهرة المُنبثقة مما وصفه بـالمجال العام الشيعي، إذ انتشرت الرموز التي استُخدمت لإسباغ القداسة على الصراعات في سوريا والعراق على نطاق واسع عبر وسائط التواصل الاجتماعي والأقنية الفضائية الشيعية؛ ما عزز الهويات الطائفية العابرة للحدود الوطنية.[9]

لا شك أن المذهب الشيعي محوري في السياسات الإيرانية الداخلية، بيد أن بصماته في الاستراتيجيات الخارجية أقل وضوحًا، فالهوية الدينية ومعتقداتها تؤثر على المقاربة الإيرانية للاستراتيجيات الخارجية، لكنهما لا تُمليها، فالدين عامل من العوامل العديدة التي ترفد السلوك الخارجي الإيراني، وغالبًا ما لا يكون احتسابه في صدارة الاعتبارات ولا حتى الثانوية منها، على اعتبار أن إيران دولة مذهبية. صحيح أن السمة الشيعية للجمهورية الإسلامية قد تجعل القادة الإيرانيين أكثر استعدادًا لدعم الشيعة خارج إيران، إلا أنه بالمقابل نجد أن الجماعات الشيعية الموالية لإيران هي الأخرى باتت تعد نفسها بالفعل رابطة عالمية تحت السلطة الروحية والسياسية للمرشد الأعلى الإيراني “علي خامنئي”، ومثل هذه الرؤى تبلورت بفعل وحدة الهدف في نزاعات الشرق الأوسط التي كلما طالت أصبحت صراعات تستند أكثر إلى سياسات الهوية الطائفية، وهذا بدوره سيُعزز وينمّي الروابط بين إيران ووكلائها في العالم الإسلامي بشكل أكبر.[10]

الهوامش

[1] Fanar Haddad, The language of anti-Shiism, The Middle East Channel, Foreign Policy, Aug 2013. https://bit.ly/36qDkA3. (Access Date: 29. 08. 2020).

[2] Ömer Taşpınar, The Sunni-Shiite divide in the Middle East is About Nationalism, not a Conflict Within Islam, The Brookings Institution, Dec 2018. https://brook.gs/2QQtFMD. (Access Date: 29. 08. 2020).

[3] Sarah Pruitt, Islam’s Sunni-Shia Divide, Explained, History, Jul 2019. https://bit.ly/35ruv7L. (Access Date: 29. 08. 2020).

[4] حارث حسن، العلاقات الشيعية فوق الوطنية والدولة الوطنية في العراق، في كتاب “الشيعة العرب … الهوية والمواطنة”، ط(1)، (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 287.

[5] المصدر نفسه، ص 287.

[6] Hussein Ibish, As the Syrian war ends, the Axis of Resistance has been Exposed for the Illusion it always was, The National, Mar 2019. https://bit.ly/2tzFL4x. (Access Date: 29. 08. 2020).

[7] فورين أفيرز، الصعود الجديد لمحور المقاومة.. كيف جعلته الفوضى أكثر قوة؟، في 27 يناير 2017. (تاريخ الدخول: 29 أغسطس 2020).

https://bit.ly/2LnnTiB

[8] Mehdi Jedinia and Noor Zahid, “Iran’s Launch of Shia Army Threatens to Escalate Sectarian Tensions,” Voice of America, Aug 2016, https://bit.ly/349K2cS. (Access Date: 29. 08. 2020).

[9] “Sardar Falaki, One of the Commanders of the Syrian Front, in an Interview with Mashregh News Site,” [Sardar Falaki, az farmandehan-e jebhe-ye suriyeh dar goftogu ba saiyt-e khabari Mashreq], Bultan News, Jul 2016, https://bit.ly/2NEYm7w. (Access Date: 29. 08. 2020).

[10] Afshon Ostovar, Sectarian Dilemmas in Iranian Foreign Policy: When Strategy and Identity Politics Collide, Carnegi Eendowment for International Peace, Nov 2016. https://bit.ly/2PRwrPc. (Access Date: 29. 08. 2020).

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram