سياسةمختارات

اتفاقية بلا نهاية.. “جسم قطري غريب” في مستقبل ليبيا

 

بينما يترقب متابعو الأزمة الليبية اجتماع الفرقاء في تونس 9 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، من أجل التوصل إلى حكومة وحدة وطنية جديدة، سارعت قطر إلى عقد صفقة مع حكومة الوفاق تحفظ لها موطئ قدم في البلد المضطرب.

الدوحة استقبلت وزيري داخلية وخارجية “الوفاق”، فتحي باشاغا ومحمد سيالة، في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث دارت محادثات حول التعاون في مجالات منها “توليد الطاقة الكهربائية”، لكن ما استوقف الجميع هو “الاتفاقية الأمنية” التي وقعها الطرفان بشأن “مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والجرائم الاقتصادية والإلكترونية”، بحسب وكالة الأنباء القطرية.

لكن الاتفاقية، التي اطلع “ذات مصر” عليها، تشمل ثماني مواد، لعل أبرزها تلك الخاصة بـ”التعاون في مجال الخبرات والتدريب وتعزيز بناء القدرات وفقًا للموارد المتاحة لكل طرف، وذلك في المجالات التالية: توثيق الهويات الشخصية بهدف إنشاء قاعدة بيانات وطنية، وإعداد القيادات الإدارية، والجرائم الإلكترونية والاقتصادية والسيبرانية، وتطوير المختبرات والأدلة الجنائية ونظام الدخول والخروج عن طريق نظام PNR، والنظام المروري وأمن السواحل.”

    نص الاتفاقية

    وجاء في نهاية المادة الثامنة أن المذكرة تسري أحكامها لمدة 3 أعوام من تاريخ توقيعها، تُجدد تلقائيًّا ما لم يُخطِر أحد الطرفين الآخر كتابيًّا عبر القنوات الدبلوماسية برغبته في عدم استمرارها، وذلك قبيل 6 أشهر من تاريخ الانتهاء الفعلي، وحال إنهاء هذه المذكرة أو وقف العمل بها “تبقى أحكامها سارية المفعول حيال البرامج التدريبية المتفق عليها حتى انتهاء مددها المقررة”.

    مسمار جُحا

    ويرى محللون أن المادة الثامنة تمنع أي حكومة قادمة من وقف الدوحة عن تقديم برامج التدريب “المزعومة”، و يمكنها أن تواصل دعم “حلفائها” على الأراضي الليبية في ستار من شرعية بحجة تلك الاتفاقية، التي لم تشر في أي من موادها إلى مدد وآليات عقد “تلك البرامج”، كما يربطون بينها وبين تأسيس أمراء المحاور وقادة الكتائب المشاركين في ما يسمى بـ”عملية بركان الغضب”، في 24 أكتوبر الحالي، “جسم يمثلهم” للمشاركة في “الرؤى والأعمال التي تصل بليبيا إلى الاستقرار والسلام”، بحسب إعلان التأسيس، وأطلقوا على هذا التشكيل اسم “ائتلاف القوات المدنية المساندة”.

    وبذلك ستستمر قطر في إمداد الميليشيات التي قاتلت الجيش الليبي خلال عملية تحرير العاصمة، وذلك يتسق أيضًا مع تصريحات  وزير الدفاع بـ”الوفاق” صلاح الدين النمروش، الذين قلل من إمكانية نجاح الحوار السياسي الليبي المنعقد حاليًّا، رغم الحديث عن قرب التوصل إلى سلطة جديدة.

    فتحي باشاغا

    وبعدما كان باشاغا يتحدث في مطلع أكتوبر عن أن “البيئة جاهزة الآن في ليبيا لإعلان اتفاق سياسي” يجمع كل الليبيين، مشيدًا بالنتائج ومخرجات اللقاءات الخارجية بين “الفرقاء”، وواصفًا الفترة التي تمر بها البلاد حاليا بـ”التاريخية”، عاد هو الآخر للحديث عن اتفاق وقف إطلاق النار “الهشّ”، وذلك في أول تصريح له إلى صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية بعد زيارته الدوحة.

    وبدا باشاغا قليل الحيلة خلال حديثه إلى الجريدة البريطانية عن الميليشيات، إذ قال إن التعامل معهم هو أحد أبرز الصعوبات التي تواجه وزارته، متابعا: “لديهم أسلحة، ونقود، وعلاقات.. مثل شبكة عصابات المافيا”، مشيرًا إلى أن محو وجودهم من ليبيا “سيكون عملاً صعبًا للغاية”، وأردف: “هم مثل الجيش في بعض البلدات، ماذا سنفعل إن أعطيناهم أمرا ولم ينصاعوا له؟”.

    ائتلاف القوات المساندة بيان بعد الاتفاقية القطرية

    وبحسب البرلماني الليبي محمد عامر العباني فإن قطر وتركيا ستعملان من خلال الميليشيات على إفساد كل ما سيُتَّفق عليه، لأنه لا يروق لهما توصل الليبين إلى توافق، لافتًا إلى أن المجموعات المسلحة في الغرب لم تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار.

    وتوصّل وفدا حكومة الوفاق والقيادة العامة للجيش الليبي إلى اتفاق وقف إطلاق نار دائم خلال اجتماع اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” في جنيف، في 23 أكتوبر/تشرين الأول، وذلك في اتفاق تضمن إقرارًا على وقف خطاب الكراهية والتحريض، وإخراج كل المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية.

    السراج

    اتفاقية “باطلة”

    ومن “الغريب” والحديث لـلعباني، أن مواقف الدوحة وأنقرة “دائمًا تكون قبل أي حراك إيجابي لتحريك الملف الليبي وإنهاء المأساة الإنسانية”.

    وبدأت اللقاءات التحضيرية، التي تسبق عقد ملتقى الحوار الليبي في تونس، والمفترض أنه يجمع كل الأطياف السياسية في البلاد، لكنه لاقى اعتراض قوى سياسية عديدة في ليبيا، ما زعزع الثقة في ما يمكن أن يصل إليه من نتائج إيجابية، إلا أن تحرك تركيا وأنقرة “قضى على ما تبقى من آمال في جهود الأمم المتحدة للوصول إلى حلول”، بحسب العباني.

    ووصف الكاتب الصحفي الليبي عبد الباسط بن هامل الاتفاقية بـ”الباطلة”، قائلاً إنها تعد “إجهاضًا” للاتفاق العسكري في جنيف، معقبًا: “الاتفاق لم يعد يعني شيئًا بانتهاكات تركيا وقطر، وضرب المواثيق والأعراف الدولية، وتغليب سطوة المجموعات المسلحة والإرهابية والدفع مجددًا بجماعة الإخوان”.

    وأشار إلى مواصلة قطر ضخها الأموال لصالح المسلحين في الغرب الليبي، ودعمها بآلة إعلامية ممنهجة وغطاء سياسي، إضافة إلى أسلحة خطيرة ونوعية، مؤكدًا أن الدوحة وأنقرة تحاولان عرقلة مبادرة رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، من أجل إعادة تشكيل المجلس الرئاسي.

    أمير قطر

    وأشار إلى أنه لم يطلق إلى هذه اللحظة حوارًا بناء حقيقيًّا لحل الميليشيات في ليبيا، وآلية جمع السلاح، موضحًا أن المنظومة الدولية تريد للأزمة الليبية أن تستمر، ولا يوجد جدية حقيقية لحلها، لأن الآلاف من المجموعات المسلحة المدعومين من المرتزقة السوريين لا ينظر المجتمع الدولي باهتمام إلى خطرهم.

    “أدبيات التصعيد”

    وأكد المحلل السياسي عبد الستار حتيتة أن توقيت عقد الاتفاقية الأمنية  كان مقصودًا، وهو محاولة لمواصلة العبث بالملف الليبي، وقال إن قطر وتركيا لن يتركا المسار الذي توافق الليبيون على السير فيه، متابعًا: “رأينا تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي شكك خلالها في جدوى اتفاق وقف إطلاق النار، ثم رأينا بعدها مباشرة توقيع الاتفاقية”.

    الباحث السياسي عبد الستار حتيتة

    وتابع: “كان الأجدر بتركيا وقطر تشجيع مسار الحوار الليبي والسلام، فهما مع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان والجماعات الإرهابية والفوضويين، انحازوا إلى طريق التصعيد، ولا يؤدي إلى خير للشعب الليبي، مقابل أطماع إقليمية ضيقة”.

    وحذر بأنه من الوارد عودة المواجهات العسكرية بين الفرقاء الليبين بسبب هذه الاتفاقية، وتابع: “الفكر الذي يتبعه اللوبي الذي به الإخوان وحكومة الوفاق وتركيا وقطر مختلف عن لغة السلام والحوار، هؤلاء يوعزون إلى الشباب في مصراتة وطرابلس وبعض مناطق الشمال الغربي في ليبيا بمواصلة الحرب، وأن هناك عدوانًا على ثورة 17 فبراير/شباط وأن تضحيات الثوار قد تذهب هباء”.

    حلم الوصول إلى ليبيا مستقرة وموحدة

    وأردف: “هذه الأدبيات يقدمها سياسيون ودبلوماسيون تابعون لهذا اللوبي، وتبث من تركيا وقطر، فيوجد نوع من التحشيد الفكري في هذا الاتجاه، وهذا مؤشر خطير قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، ويخلق فرصًا لحدوث مواجهات عسكرية خلال الفترة المقبلة”.

    ويعتقد حتيتة أن قطر استطاعت الحفاظ على مواقع مهمة في الغرب الليبي، “وصنعت اختراقًا في مجلس النواب”: “أعضاء كثر أصبحوا يعقدون اجتماعاتهم في طرابلس، ويصدرون بيانات، وهؤلاء موالون للوبي الإخواني”، لافتًا إلى أن المساعي حاليًّا هي لإخراج سلطة لها صلاحيات أعلى من مجلس النواب من حوار تونس، تكون المرجعية في إجراءات قانونية معينة لوضع حكومة وسلطة تنفيذية لليبيا بطريقة أو أخرى.

     

    السيد نجم

    صحفي مصري

    مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى