سياسةمختارات

اتفاق “جوبا” للسلام: المتمردون يرقصون.. والخرطوم تغني!

سُلِّطَ الضوءُ على السودان في الأسابيع الأخيرة في سياق مسألة التطبيع المحتمل للعلاقات مع إسرائيل، ورُهِنَ رفع اسمه من قائمة الخارجية الأمريكية للدول الراعية للإرهاب بالتقدم في هذا الملف، عوضًا عن المضي قدمًا في تطبيع العلاقات مع واشنطن وتبادل السفراء بين البلدين.

هذا، في حين ظل مسار محادثات السلام في جوبا، الذي رعاه الرئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت نيابة عن الهيئة الحكومية للتنمية “إيجاد” منذ مطلع العام الحالي، يمضي بخطوات حثيثة نحو توقيع “اتفاق السلام السوداني” في العاصمة جوبا يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول الحالي بموافقة نحو 13 “جماعة متمردة” (ليست من بينها الحركة الشعبية/ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد) مع الحكومة استكمالاً لاتفاق 31 أغسطس/آب الفائت لإنهاء 17 عامًا من الصراع.

احتفالات سودانية باتفاق السلام

قضايا أساسية

الاتفاق الأخير الذي جرى بمشاركة عربية ودولية، وعلى إيقاع الطبول والأغاني وأجواء الفرح، يغطي القضايا الرئيسة المتعلقة بالأمن وملكية الأراضي والعدالة الانتقالية والمشاركة في السلطة وعودة الفارين من منازلهم بسبب الحرب، ونزع سلاح قوات الجماعات المتمردة وإدماجها في الجيش الوطني.

واعتُبِر الاتفاق خطوة مهمة للحكومة الانتقالية الحالية نحو تسوية الصراعات الأهلية عميقة الجذور في السودان، ومنحها مجالاً زمنيًّا جديدًا بنصه على تمديد المرحلة الانتقالية إلى 39 شهرًا، بدءًا من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، يبدأ خلالها مسار إدماج المسلحين في الجيش الوطني السوداني، وتشكيل قوات مشتركة لحفظ الأمن في دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

توقيع اتفاق السلام السوداني بحضور دولي وإقليميّ

السودان نحو مرحلة جديدة؟

تمكن ملاحظة أن حكومة عبد الله حمدوك تحاول تحقيق اختراقات حقيقية في ملفاتها الاقتصادية والسياسية، وأنها تمكنت –حتى الآن- من موازنة موقف قوي في مسألة التطبيع مع إسرائيل، الذي تريد واشنطن أن تجعله مجانيًّا بربطه باتفاقات سابقة، كما لاحظ حمدوك نفسه خلال اجتماعه مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في الخرطوم (أغسطس/آب 2020).

ويضاف أداء حمدوك إلى العوامل التي تعزز فرص نجاح اتفاق السلام الأخير، وتأكيده المستمر على الاهتمام بقضايا “الأطراف” وعمل الاتفاق على إدماج قيادات الأطراف في قلب العمليات السياسية في الخرطوم، ما يعني اكتساب مزيد من الشمول في مقاربة المرحلة الانتقالية نحو قيام سودان ديمقراطي.

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك

هواجس حقيقية!

لكن تظل هناك هواجس حقيقية، ومبررة في واقع الأمر، تتعلق بمدى قدرة الاتفاق على دفع السودان نحو مرحلة جديدة أكثر استقرارًا ونجاحًا في إدارة أزمات البلاد، لا سيما الاقتصادية. ومن أهم هذه الهواجس طبيعة العلاقات العسكرية المدنية في المرحلة الانتقالية التي مددها الاتفاق حتى العام 2023 (ما يجعل المرحلة الانتقالية برمتها تتجاوز 4 أعوام، وهي فترة طويلة نسبيًّا ربما تعوق ضمان سلاسة الانتقال نحو الديمقراطية وتعظم فرص غلبة المكون العسكري) واستمرار التنافس بين الجماعات الموقعة على الاتفاق (داخل الجبهة الثورية السودانية) وعدم توقيع أطراف فاعلة لها وجود قوي على الأرض في دارفور والمنطقتين.

كما يهدد الملف الاقتصادي بتفريغ اتفاق السلام السوداني من زخمه، وهو الملف الذي فشلت إدارة حمدوك في مقاربته بطريقة ناجعة مع تزايد الضغوط على المواطن السوداني، في ظل تقاعس أطراف إقليمية عن دعم تعهدت به لحكومة حمدوك، ورفعت مشروطياتها لتسليمه بنحو غير مقبول في ما يبدو.

وبنحو محدد، لا تملك الخرطوم الموارد المالية النقدية اللازمة لتطبيق الاتفاق ومخرجاته خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، وتظل قدرتها على الحصول على دعم مالي إقليمي ودولي محدودة للغاية، في الوقت الذي تعجز فيه عن الحصول على قروض ميسرة من مؤسسات التمويل الدولية بسبب استمرار إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وكذلك عدم قدرة واشنطن وشركائها الإقليميين على تغطية الدعم المالي الذي تطلبه الخرطوم، حتى في ظل موافقة الأخيرة على التطبيع مع تل أبيب كما تريد واشنطن.

لقاء البرهان وبومبيو

لذا فإن التفاؤل المفرط، وغير الواقعي ربما، بشأن دخول السودان في مرحلة جديدة، لا يقوم على حقائق أو شواهد قوية، إذا أضفنا حقيقة عدم توقيع أطراف مهمة من “المعارضة المسلحة” في دارفور والمنطقتين، خصوصًا أن هذه الأطراف تملك ما وصفه منخرطون في المفاوضات بـ”جيوش حقيقية”، واقتصار حركة الحلو على توقيع اتفاق منفصل بشأن “علمانية الدولة” وحق تقرير المصير، وهو الاتفاق الذي أثار بدوره قدرًا كبيرًا من الانتقادات وسط قطاعات شعبية لافتة، عبر أنحاء متفرقة من السودان.

مستقبل المرحلة الانتقالية

قد يقود “اتفاق السلام السوداني” إلى تحقيق تهدئة ملموسة في توتر المرحلة الانتقالية، وتلبية واحد من أهم مسارات تطبيع العلاقات السودانية- الأمريكية وهو مسار السلام في دارفور والمنطقتين، وما يتعلق به من وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، وإتاحة فترة زمنية كافية، أو أكثر من كافية في الواقع، لقادة المرحلة الانتقالية لترتيب الأوضاع ومحاولة التغلب على الانقسامات المتصاعدة، وعلاج القصور في تبني سياسات اقتصادية وسياسية واجتماعية وطنية وشاملة، واضطراب الأداء الإجمالي للحكومة ومجلس السيادة بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، ونائبه حميدتي.

مواطنون بإقليم دارفور

ترتيب المؤسسة العسكرية

وقد يتضح تعقد الأمور في المرحلة المقبلة عند مقاربة ملف مهم، وهو ملف توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية –بمقتضى الاتفاق- وإدماج مكونات “شبه عسكرية” مثل قوات الدعم السريع وعناصر قوات المعارضة في الجيش الوطني السوداني، الذي يعاني بدوره من تآكل مهنيته على خلفية حالة الاستقطاب الأيديولوجي الطويلة في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، وصعوبة قولبة عناصر قوات الدعم السريع في الجيش النظامي، وضمان ولاءات عناصر الحركات المسلحة داخل الجيش الوطني، بعد خبرة عملية وحيدة اقتضت الولاء “الإقليمي” ضد “الحكومة المركزية” وقواتها.

ويزيد من تعقيد الملف عدم قدرة الحكومة مستقبلاً على تأمين موارد مالية لازمة للمضي قدمًا في هذه العملية، خاصة أن أحد أهم أسباب الثورة على البشير، كان اقتطاع موازنة المؤسستين العسكرية والأمنية لحصة معتبرة من موازنة البلاد، على حساب البنود التنموية الملحّة.

وعلى الرغم من أن الأمر الأكثر حسمًا في نجاح “اتفاق السلام السوداني” يظل متمثلاً في تحصل الخرطوم على دعم إقليمي ودولي كبير، وفي أشكال عدة (مالي واقتصادي وعسكري وسياسي)، فإن هذا المسار سيأتي بتكلفة “سياسية” مرتفعة، وإن كان مستبعدًا في المدى القصير أن يلبي الدعم الإقليمي والدولي للسودان الحد الأدنى من احتياجاته، وبالتالي يظل على السودان وقيادة مرحلته الانتقالية النجاح في اختبار تجاوز الأزمة الاقتصادية والأمنية، اعتمادًا على حلول داخلية قدر الإمكان.

 

د. محمد عبدالكريم أحمد

باحث في الشأن الإفريقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى