ثقافة وفن

احتفاؤنا المصطنع بـ”رمضان”.. عن الاستهلاك وأشياء أخرى

بعد عام من الوباء، استقبلنا شهر رمضان برغبة متزايدة في إحياء كل ما يتعلق بتفاصيله.. كانت التفاصيل الرمضانية ملجأنا لنسيان عام من التوتر والقلق والموت.. وبعيدًا عن الفولكلور، فإنه من الممكن إدراك بعض الظواهر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي يبرزها رمضان على السطح كل عام.. تلك الظواهر التي كنا نتجاهلها حتى لا تفتر رغبتنا في الاحتفال أو تُفسد أجواء الشهر “الروحانية”، رغم أنها تشكل “مادة” حياتنا اليومية.. وقد يُعيننا “ماضي” رمضان، على فهم تغيرات واقعنا المتسارعة والعنيفة.

 خطاب “الإحسان”: لا أسباب للفقر

 

إعلان التبرع لمستشفى مجدي يعقوب 2021. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل
إعلان التبرع لمستشفى مجدي يعقوب 2021. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل

يُعد كتاب “معجم رمضان”، للباحث والكاتب فؤاد مرسي، مرجعًا أنثروبولوجيًا في توثيقه للجانب الفلكولوري من ممارسات وعادات رمضانية ومظاهر احتفالية وإبداعات أدبية وفنية.

في الجزء المعنون من المعجم ﺑ”أعمال البر في رمضان” يرصد الباحث نظام “الوقف”، وحرص العديد من أغنياء المسلمين على تخصيص ريع أوقافهم للإنفاق على الفقراء خلال شهر رمضان بشكل خاص.

فبدايةً من “العهد الأموي” ظهرت علاقة مباشر بين الوقف وصوم رمضان في الممارسة الاجتماعية.. واتخذ التوظيف الاجتماعي للوقف مظاهر متعددة في العصور التالية للعصر الأموي، يمكن تصنيف صيغها إلى ثلاثة أنماط رئيسية: نمط التحويلات النقدية، نمط المساعدات العينية، نمط الدعم العيني للمؤسسات المدنية.

مستعينا بعدد من الدراسات التاريخية، يورد فؤاد مرسي نماذج للنمطين الخاصين بالتحويلات النقدية والمساعدات العينية، حيث ينص الواقف على تخصيص مبالغ نقدية من ريع وقفه لإنفاقها خلال رمضان.. أو ينص على الصرف من ريع الوقف لشراء بعض السلع والحاجات، كالأطعمة والأشربة والملابس، وتوزيعها على فئات متنوعة من الناس.. مثالاً على  ذلك، ما ورد في حجة وقف السلطان حسن في العصر المملوكي.

ينتقل “مرسي” بعد ذلك إلى “المؤسسات المدنية” والممثلة وقتها في “الخانقاوات والأربطة والتكايا والملاجئ”، وجميعها كانت من المؤسسات الاجتماعية المدنية التي “أنشأتها الأوقاف وموَّلتها بما تحتاج إليه من مصروفات ونفقات على مدار السنة”.. إضافة إلى المدارس ومكاتب السبيل.

تؤكد النماذج السابقة أن ممارسات “الإحسان” ليست وليدة لحظتنا الراهنة، فهي “قديمة قدم الإنسانية وكرستها العقائد الدينية”.

ويمكن اعتبار الجمعيات الخيرية الحالية وتزايد طلبها ومناشداتها المواطنين للتبرع في حساباتها البنكية، أو تقديم المساعدات العينية للأفراد المتطوعين معها، امتدادا للأنماط القديمة من أعمال البِر كالوقفيات والولائم الخيرية، وتطورا طبيعيا لها.

لكن ما المشكلة في إعادة إحياء مثل هذه الممارسات كأنها طقس ينضم إلى أصناف المائدة والزينة والفانوس وغيرها؟.. الإجابة قد نجدها في “لغة الإحسان” ذاتها.

المفكر المصري العالمي سمير أمين. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل
المفكر المصري العالمي سمير أمين. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل

يقول المفكر والاقتصادي المصري سمير أمين إن “لغة الإحسان قد سبقت تبلور الفكر الحديث”.. ويبين أن القاسم المشترك الذي يشمل جميع خطابات الإحسان، الدينية وغير الدينية، هو تجاهلها “أسباب الفقر” وإغفال “التساؤل حول الآليات الموضوعية التي تنتجه”.

يكتفي خطاب الإحسان بمعاينة وجود الفقر، كما نرى في المواد الإعلانية، دون التساؤل عن أسبابه.. يؤكد “أمين” أن هذه النظرة تنتمي إلى “الفكر القديم” والتي تجاوزها “الفكر الحديث” في سعيه إلى “مزيد من العلمية منذ زمن”.

هنا تكمن المفارقة المريرة للدولة المصرية، ففي العصر الذي تنامت خلاله مؤسساتها، وتعددت مواردها، وتضخم جهازها الإداري، حتى صارت في وجه من وجوهها “الدولة التنين” كما يصفها “هوبز”، أي الدولة ذات الطبيعة التدخلية والمحورية في مختلف الأنشطة الاجتماعية بالتنظيم التشريعي والإداري، فإذا بتلك الدولة ترتد إلى الماضي طواعية، كي تتبنى خطابًا منتميًا لتراث ما قبل الدولة الحديثة، إلى زمن السلاطين والمماليك.. ولا يتوافق مع شعاراتها عن الريادة وقيادة العالم في المستقبل.

يغطي خطاب الإحسان على انسحاب الدولة من مهامها الوظيفية، وعلى قصورها في توفير الخدمات كنتيجة للسياسات الاقتصادية المتبعة.

ويمكن ملاحظة تأرجح نبرة الحملات الدعائية في المطالبة بتقديم المساعدات بين العلو والخفوت خلال السنوات الأخيرة.

تطورت دعايا الإحسان من المساعدات النقدية على قدر الاستطاعة (اتبرع ولو بجنيه) إلى المطالبة بكفالة قرى من أبوابها، وبناء المستشفيات وإعادة هيكلتها، حتى بناء الجامعات كما في الحملة الدعائية من أجل التبرع للفرع الدولي لجامعة القاهرة عام 2019.

أما في رمضان 2021، فإن إعلانات التبرعات تقصلت، بشكل نسبي، مفسحة الزمن على الشاشة لإعلانات الكومباوندات.. وهذا التجاور أو التناوب بين الكومباوند/المستشفي/ الفيلا/الجمعية الخيرية يتوّج الانسحاب الاقتصادي الشامل من قطاعات الإنتاج ومجالات الصحة والتعليم، ومعه التحول المستمر إلى الاقتصاد الريعي المعتمد على الاستثمارات العقارية والسياحية، المضاربات، التحويلات والمساعدات الخارجية، وقروض البنك الدولي.

صناعة “الغناء”: صوفية السلعة

الفنانة الاستعراضية شيرهان في إعلان فودافون رمضان 2021.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل
الفنانة الاستعراضية شيرهان في إعلان فودافون رمضان 2021.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل

 

تحفل الذاكرة الشعبية بالعديد من أغاني رمضان، سواء التي أنتجتها الإذاعة المصرية منذ نشأتها عام 1934، أو التي قُدمت في سياق الأفلام السينمائية.. ويمكن تقسيمها إلى 4 أقسام رئيسية: أغاني استقبال الشهر، أغاني الاحتفال به، أغاني السحور، أغاني الوداع.

استلهمت بعض هذه الأغنيات نصوصًا وموتيفات شعبية شهيرة مثل: “وحوي يا وحوي” غناء وتلحين أحمد شريف وسميرة وصفي وكلمات حسين حلمي المانسترلي، أذيعت عام 1939 وأعاد أحمد عبد القادر تقديمها، وهو التسجيل المنتشر الآن، كما يشير معجم فؤاد مرسي.

وأيضًا أغنية “مرحب شهر الصوم” غناء عبد العزيز محمود، و”رمضان جانا” لمحمد عبد المطلب، وأغاني “الثلاثي المرح” مثل: “افرحوا يا بنات“، “آهو جه يا ولاد“، و”سبحة رمضان“، إضافة إلى أغاني محمد فوزي “هاتوا الفوانيس” و”أهلا رمضان“، و أغنية “بشراك يا صايم” من كلمات بيرم التونسي.

توحي تلك الأغاني بأن عناصرها وروافدها نابعة بصورة عفوية من “الشعب” رغم تباين الجودة الفنية.. أي أنها ثقافة شعبية “أصيلة” معبرة عن التجربة الحية المعيشة، عن السعادة والحب والحزن والأمل.

يرى ابن خلدون أن فن الغناء هو أول ما يختل ثم “ينقطع” من ضروب النشاط الإنساني في الدولة إذا “تدهورت حضارتها” و”تضعضع” تطورها العلمي والأدبي والسياسي والاجتماعي والثقافي.. ويقول عن هذه الظاهرة التاريخية في مقدمته: “أول ما ينقطع في الدولة عند انقطاع العمران صناعة الغناء”.

الآن، كلمتان مثل “العمران” و”الغناء” في حاجة إلى إعادة تعريفهما.. فبالطبع لا يعني “العمران” بناء المدن الجديدة ذات الأسوار، كذلك فإن ظهور أنماط جديدة من الأغنية الآن، مثل المهرجانات والراب وغيرهما، لا يُعتبر مؤشرًا على “انقطاع” الإبداع الغنائي.

بمقارنة سريعة بين الأغنية الرمضانية قديمًا وطبيعة الأغاني المُقدمة الآن، لا رغبة في “الحنين” أو رثاء أزمنة ماضية، وإنما من أجل رصد بعض التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يكشفها تاريخ الأغنية الرمضانية، سنجد تأويلًا جديدًا للنبوءة الخلدونية.

كيف أصبحت أغاني شهر رمضان الآن؟

باستثناء بعض التجارب النادرة، الممثلة في أغاني: محمد منير “رمضان جنة“، وحمادة هلال “هلال رمضان”، وتامر حسني “شهر رمضان“، فإن الأغنية التقليدية الخاصة بشهر رمضان تكاد تندثر.. والأغنيات الثلاث السابقة تجعلنا لا نأسف على ذلك.

فأغنية محمد منير تفتقر إلى البهجة والإيقاع، وحمادة هلال كعادته يستمر جاهدًا في تفسير الماء بالماء فيقول: “في المغرب يفطروا على الأدان”، أما تامر حسني فإن الطابع الوعظي لأغنيته، إلى جانب ركاكة الكلمات والألحان، جعلا منها عملًا لا يستحق التذكر.

كل الصخب المتزايد طوال الشهر يتعلق بالمواد الإعلانية.. إعلانات شركات المحمول، والكومبوندات العملاقة، المياه الغازية والملابس الداخلية القطنية، ومؤخرا: البنوك الحكومية.

حلت صناعة السلعة محل صناعة الغناء، بالتعبير الخلدوني.. الغناء الذي كان يعبر مرة عن الحياة، راح يُستهلك اليوم على أنه أداء ملازم لجنة الاستهلاك.

يمكن في بعض الحالات الاستماع إلى الأغنية بمعزل عن سياقها الدعائي، كما هو الحال مع بعض الأغاني التي يتطوع فيها الفنانون مساهمة في حملات التبرع للمستشفيات أو الجمعيات الخيرية.

عملية التسليع تشمل “الثقافة” و”رمضان” كليهما.. أو أن “تسليع رمضان” أطاح ﺑ”ثقافة رمضان”.. تعاني الحياة بشكل عام من “التشيؤ”، إلا أن “إسباغ الشيئية” يتضاعف في هذا الشهر.. “تشيؤ رمضان” هو تحوله إلى مجرد علاقة بين الأشياء، بين سلع تنتحل مجموعة من القيم الوهمية.

يتضافر مع هذا التشيؤ ما تسميه الأدبيات الماركسية ﺑ “الفيتشية السلعية”. إذ تُضفي الإعلانات على السلع إما خصائص “صوفية”، أي تُكسب السلعة/المنتج قيمة أرفع وأسمى من قيمتها الاستعمالية (كما في إعلان مدينتي) أو تتوسل بالسخرية والمفارقات الكوميدية كأدوات فنية كي تنال حظوة الجمهور واستحسانه.

الأغنية هي أداة الإعلان للمبالغة في قيمة شيء هو من اختراع قوى السوق.. وفي كل مرة تسبغ السلعة فيها على نفسها من السمات الصوفية للشهر، فإنها تمعن في تسليعه أكثر، كأنها تمتص صوفيته وتقتات عليها تاركة إياه مجرد موسم لاستهلاكها.

خرجت الأغنية من فضاء الفولكور إلى حيز السوبرماركت، من القريحة الشعبية إلى شروط البروباجندا ولغتها. تظهر السلعة في الإعلانات بوصفها “قوة تحتل الحياة الاجتماعية” كما يعبر المفكر الفرنسي جي ديبور.

ويقول موضحًا في كلمات دالة: “تقاتل كل سلعة محددة من أجل ذاتها، وتحاول أن تفرض نفسها في كل مكان كأنها هي الوحيدة”.

يمكننا القول إن الأغنية في رمضان الآن هي “النشيد الملحمي لهذا النزال (بين السلع)، الذي لا يمكن أن ينهيه سقوط أي طروادة”، بتعبير ديبور.

صناعة “الدراما”: قمع الكرنفال

رمضان في مصر.. مصدر الصورة البحث الحر على جوجل
رمضان في مصر.. مصدر الصورة البحث الحر على جوجل

يرجع تاريخ إنشاء جهاز “الثقافة الجماهيرية” إلى نوفمبر من عام 1966.. اختير الفنان زكريا الحجاوي، رائد الفن الشعبي المصري، لتولي المهام الفكرية والتنفيذية والتنظيمية للجهاز.

كان زكريا الحجاوي قد جاب مناحي مصر عام 1955 منقبًا عن كنوز الفن الشعبي ومبدعيه، بتكليف من يحيى حقي، رئيس مصلحة الفنون وقتها.. قام الحجاوي بمسح جغرافي للفنون الشعبية المصرية، واكتشف العديد من المطربين الشعبيين والمداحين وحفظة السير الشعبية ورواتها، وقدمهم إلى الإذاعة ووسائل الإعلام المختلفة.

يتناول “معجم رمضان” مظاهر اهتمام “الثقافة الجماهيرية” بشهر رمضان، ويؤرخ للاحتفالات المختلفة منذ نشأة الجهاز حتى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

اختارت الثقافة الجماهيرية مواقع التجمع الجماهيري، مثل حي الحسين وعواصم المحافظات، لإقامة سرادقها وتقديم العروض المسرحية والفقرات الغنائية الشعبية في ليالي رمضان.

أصبح السرادق/الشادر تقليدًا سنويًا، وتعرفت من خلاله الجماهير على أصوات مثل: محمد طه، جمالات شيحة، خضرة محمد خضر، والريس متقال.

قدَّمت فقرات الشادر روايات السير الشعبية وحكايات التراث “مما أكسب الليالي طابع الاحتفالية الشعبية”، كما يوضح فؤاد مرسي.

احتفالات رمضان وملء الفراغ

في كتابه “الزحف المقدس“، يوضح الكاتب والمؤرخ “شريف يونس” أن “السرادقات والاحتفالات والمواكب” وقتها كانت أداة النظام لـ”ملء الفراغ السياسي”.

ومن الجلي أن “الثقافة الجماهيرية” كانت نتيجة إيلاء الفنون موقعًا طليعيًا ضمن المشروع الأيديولوجي للنظام الناصري، لكن كانت هناك عوامل ساعدت على تباعدها، كمؤسسة ثقافية، عن الرداءة المميزة لمثيلاتها في دول العالم الثالث، وغيرها من دول أوروبا الشرقية الرازحة مثلنا في النصف الثاني من القرن العشرين تحت وطأة الأنظمة الأيديولوجية وما تفرضه من إدارة بيروقراطية منعدمة الكفاءة، لعل أهمها هو تاريخ التراكم الفني والتقاليد الثقافية قبل مشروع “التحديث” الدكتاتوري، وإدارة الشأن الثقافي من قبل شخصيات مرموقة ثقافيًا.

تظهر السمة “الكرنفالية” على احتفالات رمضان في الثقافة الجماهيرية بالستينيات والسبعينيات.. يصف الناقد الروسي ميخائيل باختين الكرنفال، وما يمثله من ظاهرة أدبية فنية شعبية، بأنه احتفال “بتعدد الأصوات” الذي “لا يجعل لصوت سلطانًا على غيره من الأصوات”.

يؤكد “باختين” أن الكرنفال يُعد انتصارًا لنوع من “التحرر المؤقت على الحقيقة السائدة” وإلغاءً للعلاقات التراتبية والامتيازات والقواعد، ويتمثل الجوهر الكرنفالي لشهر رمضان في كونه احتفالًا أصيلًا بالزمن، بـ”الصيرورة”، بتعبير باختين.

من المفترض في كلٍ من “رمضان” و”الكرنفال”، أن تزول الفروق الاجتماعية ويكون جميع الناس سواسية، كما يقترن كلاهما بالصيام، حيث يبدأ الكرنفال كتقليد قديم في الثقافة الأوروبية قبل “الصوم الكبير”.

ربما كانت الدراما التليفزيونية، كإحدى أهم روافد الثقافة الشعبية، الوريثة الشرعية للكرنفال، بعد تغير وسائل الاتصال بالجماهير من السرادق إلى التليفزيون ومنصات العرض.

ما يحدث الآن هو استبدال الصورة بالكرنفال، وتحجيم تعددية الأصوات بمصادرة التنوع الذي اعتدناه في رمضان، والذي يتجسد في الممارسات الاحتكارية في مجال الإنتاج الدرامي، واستحواذ شركة واحدة على معظم القنوات الخاصة، إضافة إلى احتكار منصات المشاهدة على الإنترنت، فضلًا عن الاستيلاء على تراث ماسبيرو.

كل ذلك مع بعث للرقابة الستينية، ممثلة في “لجنة الدراما”.. وبتحلل البنية التحتية المادية والبشرية المنتجة للعمل الفني والثقافي مقارنة بالستينيات، مع الحفاظ على الهوس القديم بالرقابة، كانت النتيجة أعمالًا رديئة فاقدة للجودة الفنية، بعيدة عن النقد أو الدراما الاجتماعية، ومحملة بالحد الأقصى من الكليشيهات والحد الأدنى من المعايير أو المتطلبات الفنية، كضمانة للموافقة على عرضها.

حماية “الأخلاق”: اغتصاب المجال العام

يورجن هابرماس
يورجن هابرماس

يقصــد يورجن هابرمــاس بالمجال العام “مجالًا من مجالات حياتنا الاجتماعية يتشكل فيه شيء يقترب ممّا نسميه بالرأي العام”.. ودخول هذا المجال يكون “متاحـًا ومضـمونًا بالنسـبةِ إلى المـواطنين كافّـة”.

وفقًا لتعريف هابرماس، فإن السـمةَ الأبـرز لـه هـو “كونـه منفصلًا عن الدّولة، إنه يسكن مساحة وسطى ما بين المجتمع والدولة”.

أما تشالز تايلور فيُعرّف المجال العام بأنه ” فضاء مشترك، يلتقـي فيـه أفـراد المجتمـع عبـر جملـةٍ مـن الوسـائط وذلك لمناقشة مسائل ذات اهتمام مشترك، والتوصّل من خلال ذلك إلى تشكيل تفكير مشترك في هذه المسائل”، وهو “سمة مركزية” في المجتمع الحديث.

ويميز تايلور بين المجال العام بمفهومه الاجتماعي الحديث وبين الفضاء العام الذي “يتشكل على نحو حدسي”، حسب تعبيره، كما في حالات التشارك المجتمعي حول شعيرة أو عبادة أو مباراة.

وقد كان أحد ضحايا “مسبحة الفجر” هو الدكتور “أنطونيو ميسا خاراميو”، عميد كلية الهندسة المعمارية.. كتب مقالًا في الجريدة المسائية ذات التوجه الليبرالي يستنكر فيه الضجيج البشع الذي يتسبب فيه الموكب، لانزعاجه من استعراض الإيمان الصاخب… وفيه وجه نقدًا لاذعًا لكاثوليكية شبه الجزيرة (الإيبرية).. وقال: لكن الكاثوليكية الإسبانية قد جاءت لتفقدنا أعصابنا.. وهكذا هي الفلانخي الفاشية: ضجيج، لا شيء، هرج ومرج. مهرجانات صباحية صاخبة صيحات  آتية من عصور الظلمات.. قام رئيس الجامعة بإقالة الدكتور ميسا خاراميو من منصبه، وفصله من الكلية إلى أبد الآبدين”..

رواية “النسيان” للكاتب الكولومبي “إكتور آباد فاسيولينسي”.

يحكي الراوي عن رفض أحد المثقفين لطقوس صلاة “مسبحة الفجر”، الموكب الاحتفالي الذي دعت إليه الكنيسة ضمن موجة من الرجعية الدينية المدعومة من إسبانيا فرانكو الفاشية.

وفيه يجوب رعايا الكنيسة الشوارع منشدين التسابيح الدينية في الرابعة فجرًا.. والرواية هي السيرة الحقيقية لوالد إكتور آباد فاسيولينسي، الطبيب المدافع عن حقوق الإنسان، والذي اُغتيل لقاء نضاله وسعيه إلى مقاومة القمع والفساد.

يمثل الخروج على “الإجماع” جريمة في عُرف المجتمع المحافظ، لكن الحكومة، وفي غمرة حديثها عن تجديد الخطاب الديني، أخذت على عاتقها دور “المحتسب المؤمن”.. كأن الفراغ الناجم عن غياب التسلط الاجتماعي والميداني للتيارات الإسلامية تشغله الدولة بأدائها وخطابها.

هناك العديد من الشعراء العرب الذين أعربوا عن تململهم من شهر رمضان وترقبهم لانتهاء دورته، ويذكرنا ضيقهم بانزعاج الدكتور الكولومبي من “موكب الإيمان”.

فيقول الشاعر بشار بن برد (۹٦- ۱٦٨هـ):

قلت لشهر الصيام انحلت جسمي             فمتى يا ترى طلوع الهلال

اجهد الآن كل جهدك فينا                          سنرى ما يكون في شوال

كما يقول الشاعر العباسي ابن الرومي:

شهر الصيام مبارك                     ما لم يكن في شهر آب

خِفت العذاب فصمته                  فوقعت في نفس العذاب

يشتكي الشاعران في الأبيات السابقة من تعب الصوم وإجهاده.. وفي ظني، لو أن أحدًا، في وقتنا الحالي، صرح بمثل تلك الأبيات في أغنية أو فيديو أو برنامج لاتهم بازدراء الأديان.

بموازاة ذلك يُمارس التحرش والعنف اللفظي والجسدي على المرأة لأن الملبس، وهو شأن خاص، يجب أن يُصيّر وفق منظور كلي وشمولي لشهر رمضان.

الأكل ممنوع في نهار رمضان، ويشمل ذلك الأقباط والمرضى وغيرهم.. المواطنة معطَلة في رمضان.

وبدلًا من أن يتسع المجال العام للجميع، بتنوع عقائدهم واتجاهاتهم، فإنه قد بات حكرًا على “المؤمنين” الصاخبين.. أو ربما يتسع للتنوع والاختلاف، لكن، فقط، داخل أسوار أحد الكومبانداوت التي تطالعنا إعلاناتها طوال شهر رمضان، وفي غيره من شهور السنة.

محمد عمر جنادي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى