"اختبار الغردقة"

مصر تبحث عن "ليبيا موحدة".. وتركيا: "طاعة مؤقتة"

منطلق جديد لعودة الحياة السياسية إلى التوافق في ليبيا يأتي من الأراضي المصرية مجددًا، وتحديدًا في مدينة الغردقة، المطلّة على ساحل البحر الأحمر، والتي تشهد اجتماعًا مهمًّا يهدف إلى تشكيل لجان أمنية وعسكرية ذات صبغة وَحْدَويّة وطنية، تشرف على ضبط مظاهر انفلات السلاح في مختلف المدن الليبية شرقًا وغربًا، وتشكيل قوة موحدة لحماية المنشآت النفطية في شرق ليبيا، وكذلك المنشآت الوطنية، على رأسها مقرات الحكومة الموحدة (المزمع تشكيلها حال التوصل لاتفاق) في مدينة سرت، والتي كانت قبل شهرين مرشحة لتكون مسرحًا لصدام عسكري بين أنقرة والقاهرة.

الفرقاء الليبيون في القاهرة - أرشيفية

وما بين بحث مصري عن “دولة ليبية موحدة” وخطى أنقرة نحو مسايرة القاهرة في ذلك ولو مؤقتًا، يأتي اختبار مدينة الغردقة المصرية التي شهدت خلال الأيام الماضية اجتماع ممثلين عسكريين وأمنيين عن كل من الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق، لبحث الترتيبات العسكرية بين الفرقاء الليبيِّين برعاية القاهرة، التي استقبلت مطلع الأسبوع الماضي رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، وقائد الجيش الوطني، خليفة حفتر، لبحث الترتيبات الأخيرة التي ينطلق منها اجتماع الغردقة، الذي يأتي بموازاة تعطل جولات الحوار الليبي-الليبي على مستوى سياسي في كلٍ من المغرب وسويسرا، بعدما لم تشهد المفاوضات، التي استضافتها الدولتان، أي تقدم على مستوى التوفيق بين الفرقاء الليبيين، وبالتحديد في شرق ليبيا، خصوصًا في ما يخص تقاسم المناصب والحقائب السيادية في المرحلة المقبلة، التي لا اتفاق على شكلها حتى الآن ولا على الأسماء التي ستتصدر الجولة النهائية من مفاوضات برلين، والتي من المفترض أن تبدأ خلال أيام بإشراف أممي وفي ظل أجواء من التشكك والارتياب سادت غرب ليبيا بعد مبادرة وقف إطلاق النار أواخر الشهر الماضي.

كل ذلك يعطي لاجتماع الغردقة، الذي جرى مؤخرًا، تمايزًا من حيث الفاعلية التي تتناغم مع التوصيات والقرارات الأممية، وأهمها المهلة القاضية بخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا خلال 90 يومًا من توقيع الاتفاق على وقف إطلاق النار، وهو ما تُشكّل مخرجات اجتماع الغردقة أساسًا عسكريًّا وأمنيًّا له.

إحدى جولات الحوار الليبي في المغرب

اجتماع الغردقة يُنظر إليه أيضًا بأنه “خطوة عملية من جانب القاهرة للحيلولة دون الدخول في مناخ من التسويف والمماطلة” بغرض الاستمرار في جولات تفاوض عقيمة لاستنفاد المدى الزمني للتهدئة الداخلية في ليبيا.

من جانب آخر، ينتظر إسلاميو شرق ليبيا، وعلى رأسهم جماعة الإخوان، ما ستؤول إليه الأسابيع المقبلة في ما يتعلق بمتغيرات المشهد الإقليمي، وآخرها ما أقدمت عليه أنقرة من استدارة في مواقفها ومحاولتها التحاور مع القاهرة، التي بدورها ربطت تعاطيها مع هذا التراجع التركي على أساس اتساق تصريحات المسؤولين الأتراك “المرنة” مع أفعالهم على أرض الواقع، وعلى مستوى الساحة الليبية كبداية بطبيعة الحال.

هذا بدا بالتأكيد، ولو جزئيًّا، في حرص تركيا على إيفاد ممثلين عسكريين وأمنيين من طرابلس للمشاركة في اجتماع الغردقة، الذي يُنتظر أن يُفضي إلى تشكيل لجنتين عسكريتين لوضع ترتيبات تتعلق أساسًا بمدينة سرت، سواء في ما يخص تثبيت خطوط وقف إطلاق النار أو خلق بنية أمنية وعسكرية تشكل مرتكزًا سياديًّا بصيغة وطنية جامعة للحكومة المقبلة، وكذلك هيئة عسكرية وطنية موحدة تنهي مظاهر الميليشيات والطوائف الدينية، وتشكيل جهاز استخبارات وطني يجمع شخصيات أمنية وعسكرية من أقاليم ليبيا الثلاثة.

الحرب في ليبيا

كان رئيس حكومة الوفاق، فايز السراج، أعلن قبل نحو أسبوعين نيته الاستقالة مطلع أكتوبر/تشرين الأول الحالي مبررًا ذلك وقتها بعدم نجاح الفرقاء الليبيين في التوصل لبلورة صوت وطني موحد على طاولات المفاوضات المختلفة، خاصة التي استضافتها مدينة بوزنيقة المغربية، وكذلك سيادة مناخ من التنافس والتشرذم كان قد تفاقم على مستوى مكونات غرب ليبيا ومدينة طرابلس عقب مبادرة وقف إطلاق النار أواخر أغسطس/آب الماضي، على حد قوله.

وأتى رد أنقرة والقاهرة على تلويح “السراج” بالاستقالة بـ”ضرورة بقائه في منصبه لحين التوصل لاتفاق مبدئي بخصوص المجلس الرئاسي والحكومة الجديدة، كحد أدنى يتسق مع مقررات إعلان القاهرة”، الذي يرسم مسارًا سياسيًّا قائمًا على ضبط الأوضاع الأمنية في ليبيا لتأمين انتخابات المجلس التأسيسي لصياغة الدستور الليبي، وكذا البرلمان والمجلس الرئاسي، وهو ما انعكس في اتصالات ثلاثية شملت “صالح” و”حفتر” و”السراج”، نتج عنها بيان لحكومة الأخير شمل ثلاثة محددات:

أولاً، جعل مدينة سرت منطقة منزوعة السلاح تمهيدًا لتكون مقرًا للحكومة القادمة. ثانيًا، استئناف تصدير النفط بإشراف المؤسسة الوطنية للنفط. ثالثًا، تفعيل صلاحيات مصرف ليبيا المركزي في مختلف المدن الليبية.

السيسي وحفتر وعقيلة صالح

سير الأمور على هذا المنوال يعكس توافر رغبة لدى أنقرة لمسايرة القاهرة في إنجاز حل سياسي -ولو مؤقتًا- في ليبيا، قبيل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، حيث حرص وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، على إجراء اتصالات بوزيري خارجية مصر وتركيا قبيل جولات الحوار المتعددة الأخيرة، وذلك للحيلولة دون انهيار التهدئة وتجنب الانزلاق في فوضى اقتتال أهلي في ليبيا قد يخرج عن السيطرة، مع انفلات مظاهر السلاح وسيادة تحكّم الميليشيات المسلحة في القرار السياسي، خاصة في الغرب الليبي.

باتت صلاحية حكومة الوفاق في الغرب مهددة بتعدد مراكز القوى واتخاذ القرار مدعومًا بسلاح الميليشيات، ما يعني، حال سقوطها باستقالة السراج أو انفلات الأوضاع، انتهاء “مشروعية” التدخل التركي في ليبيا رسميًّا، والقائم بالأساس على اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية والتعاون الأمني والعسكري مع حكومة الوفاق.

أردوغان والسراج

بالإضافة إلى حاجة أنقرة للتهدئة حاليًّا على صعيد الملف الليبي، نظرًا إلى ميْل الموازين العسكرية والسياسية ضد مصالحها في ليبيا وشرق المتوسط عمومًا، تشي طبيعة اجتماع الغردقة عسكريًّا وأمنيًّا بأن هناك سلم أولويات تلتزم به أطراف الأزمة الليبية، وهو تأسيس بنية أمنية وسيادية لانتشال ليبيا كدولة من حالة الفشل التي تعاني منها منذ 2011، ما حوّلها إلى بؤرة صراعات مزمنة،  على مستوى أهلي أو إقليمي وربما دولي، مثل ما حدث منذ مطلع العام الحالي، وهو أمر بدا خلال الأسابيع الأخيرة أن الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بليبيا لا تريد حدوثه، في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي يمر بها الاقتصاد العالمي حاليًّا.

إنّ تحقق حد أدنى من الاستقرار في ليبيا فرصة لدول، على رأسها مصر وتركيا، لتحقيق تقدم اقتصادي، سواء في عملية إعادة الإعمار أو في ما يتعلق بالطاقة والنفط، وكذلك ضخ استثمارات في السوق الليبية عبر سلع وخدمات ومنتجات وعمالة تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات خلال سنوات قليلة مقبلة.

وصباح اليوم رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بنتائج المحادثات الأمنية والعسكرية المباشرة بين وفدي الجيش الوطني الليبي وحكومة فايز السراج في “الغردقة” برعايتها.

وكشفت البعثة، أنه خلال يومين تم النقاش حول عدد من القضايا الأمنية والعسكرية الملحّة منها تدابير بناء الثقة؛ والترتيبات الأمنية في المنطقة التي ستحدد في المرحلة المقبلة على ضوء اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة 5+ 5، ومسؤوليات ومهام حرس المنشآت النفطية.

وخرج المشاركون في الاجتماع بست توصيات هي:

  • الإسراع بعقد اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” بلقاءات مباشرة خلال الأسبوع القادم.
  • الإفراج الفوري عن كل من هو محتجز على الهوية من دون أية شروط أو قيود، واتخاذ التدابير العاجلة لتبادل المحتجزين بسبب العمليات العسكرية، وذلك قبل نهاية شهر اُكتوبر المقبل عبر تشكيل لجان مختصة من الأطراف المعنية.
  • إيقاف حملات التصعيد الإعلامي وخطاب الكراهية واستبداله خطاب التسامح والتصالح ونبذ العنف والإرهاب به.
  • الإسراع في فتح خطوط المواصلات الجوية والبرية بما يضمن حرية التنقل للمواطنين بين كل المدن الليبية.
  • دراسة الترتيبات الأمنية للمنطقة التي سوف تحدد في المرحلة المقبلة على ضوء اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة “5+5”.
  • إحالة موضوع مهام ومسؤوليات حرس المنشآت النفطية إلى اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” وإعطائه الأولوية لغرض تقييم الموقف من جميع جوانبه ودراسته واتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان انتظام عملية الإنتاج والتصدير.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

إسلام أبو العز

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search