اختبار لضمير العالم

لقاح كورونا المحتمل.. هل تتحقق عدالة التوزيع؟

على مشارف إنتاج لقاحات لفيروس كورونا المستجد، “كوفيد-19″، الذي أودى بحياة 980 ألفًا و341 شخصًا من بين 32 مليون مصاب على مستوى العالم، وفقًا لموقع وورلد ميتر، برزت إشكالية أولوية حصول دول وشعوب على اللقاح وبأي كميات.

بالعودة للربع الأول من عام 2020، كان العالم غارقًا في تحديات المسؤولية المجتمعية للحد من انتشار الوباء العالمي، حملت الشعوب تلك المسؤولية على أعناقها، وخاضت المجهول على مدار الأشهر الستة التالية، تستمع للتوصيات العالمية بشأن الوقاية من الفيروس، وتلتزم بالإجراءات الصارمة التي وضعتها الدول لمكافحة الوباء، بينما يبدو أن الربع الأخير من العام سيشهد صراعًا على أولويات الحصول على اللقاح، مع قرب انتهاء العد التنازلي للانضمام إلى آلية “كوفاكس”، التي وضعتها منظمة الصحة العالمية لضمان وصول اللقاح المحتمل لكورونا إلى البلدان الفقيرة من باب التوزيع العادل، قبل 9 أكتوبر المقبل كحد أقصى، إذ لا تمتلك دول عديدة المواد والإمكانيات اللازمة لإنتاج لقاحات خاصة بها.

وباستثناء الولايات المتحدة الأمريكية والصين، انضم أكثر من 60 دولة غنية ضمن 156 دولة على مستوى العالم إلى آلية “كوفاكس”. 

تجارب لقاح كورونا
لقاح كورونا الصيني في يد وزيرة الصحة
أمريكا مقابل "الصين ودميتها"

غياب اسم الولايات المتحدة الأمريكية عن قائمة البلدان الغنية المنضمة إلى لآلية أمر متوقع، بل قد يبدو منطقيًّا، إثر عداوة وهجوم شرس شنته أمريكا على منظمة الصحة العالمية منذ بدايات أزمة الجائحة، إذ وجهت واشنطن اتهامًا إلى بكين صراحة بـ”التغطية على نشأة الفيروس في ووهان نهاية العام الماضي”، كما اتهمت منظمة الصحة العالمية كذلك بـ”تضليل العالم بشأن انتشاره”، ووصفتها بـ”دمية في يد الصين”.

تطور الأمر بانسحاب أمريكا من منظمة الصحة العالمية في خضم المواجهة مع جائحة كورونا في مايو الماضي، بعدما كانت الممول الرئيس لها بإنفاق 893 مليون دولار خلال الفترة 2018/2019 فقط للمنظمة، أي نحو 15% من ميزانيتها، كانت تسهم على نحو رئيس في تمويل برامج المنظمة في إفريقيا والشرق الأوسط.

مدير منظمة الصحة العالمية

ورغم أن الصين هي المصدر الأول للوباء الذي استشرى في العالم كله، بعد الإعلان عن اكتشاف أول حالة إصابة في ووهان نهاية ديسمبر الماضي، ورغم أن الصين تشارك عددًا من دول العالم، من بينها مصر، تجارب سريرية في مراحلها المتقدمة، على لقاحين محتملين للفيروس، فإنها لم تعلن حتى الآن انضمامها إلى آلية “كوفاكس”.

المعضلة الأخلاقية ودور "الرعاع" في الأزمة

خلفت هذه الجائحة تساؤلات أخلاقية كبرى بشأن تعامل الدول معها وتعاملها مع غيرها من الشعوب، وكانت محل حسبان دائمًا منذ اندلاع الأزمة.

فعلى سبيل المثال، طرح انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من منظمة الصحة العالمية على نحو مباغت في خضم معركة العالم مع فيروس كورونا هذه المعضلة الأخلاقية، ووصل الأمر إلى أن وصف ريتشارد هورتون، رئيس تحرير مجلة “ذا لانسيت” الطبية البريطانية، الحكومة الأمريكية بأنها “تلعب دور الرعاع في خضم حالة طوارئ إنسانية”.

ومع تنافس دول العالم في سرعة إنتاج اللقاح واقترابها من ذلك، برز الجانب الأخلاقي مجددًا بشأن معادلة التوزيع. هذا ما تحدث عنه مدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، علاء غنام، بقوله: “في العالم صراع يمثل رؤيتين للرعاية الصحية، الأولى قائمة على التشاركية وغرضها الأول العناية بالمرضى، والثانية تتعامل مع الرعاية الصحية كعملية تجارية لتعظيم الأرباح”، ورأى غنام أن “التجربة وحدها ستحسم أيّ الرؤيتين ستنتصر”.

وردًّا على سؤال “هل يوجد ما يُلزِم دول العالم بتبني سياسات عادلة لتوزيع اللقاح المحتمل؟” أجاب غنام: “نعم يوجد. قانون الصحة الدولي القائم على المعاهدات والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان ينظم تلك المسألة، كما أن العديد من المواثيق والمعاهدات الدولية والدساتير الوطنية حدّد حمايات قانونية للرعاية الصحية”.

“بما أن الوباء يمس الجميع، فلا يجب أن يكون هناك تمييز بين الدول في الحصول على كميات أكبر من غيرها من اللقاح، هذا سيضمن توزيعًا عادلاً على شعوب العالم، وسيضمن أيضًا بناء إستراتيجية أساسية لمواجهة العدوى، وهو ما أكدت عليه منظمة الصحة العالمية في مؤتمرها الصحفي الأخير، بأن هناك فرقا بين توزيع اللقاح بمنطق خيري أو بمنطق تضامني”، بحسب غنام.

علاء غنام

ودعا غنام الدول الغنية ليس إلى الشفقة على الدول الفقيرة والنامية، ولكن إلى مبدأ يضمن التوزيع العادل للقاح وفق قانون الصحة الدولي، موضحًا أن منظمة الصحة العالمية حددت معيار توزيع كميات اللقاح على الدول بـ20% من إجمالي عدد سكانها، للفئات الأكثر عرضة للخطر كأصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن والعاملين بالقطاع الصحي والأطفال بعد عودتهم للمدارس، والعاملين بالقطاعات الحيوية الأساسية لاستمرار الحياة في الدول، مثل قطاعات الكهرباء والماء والمخابز والمواصلات.

أين تقع مصر من ضمير العالم؟

بما أن المعلومات المتاحة عن التوزيع العادل للقاح على بلدان العالم، تفيد أنه سيوازي 20% من إجمالي عدد سكان كل دولة، إذًا فستحصل مصر على 20 مليون جرعة لقاح.. فما كيفية توزيعها وعلى أي أساس؟

للإجابة عن هذا السؤال، قال مسؤول بوزارة الصحة المصرية، فضل عدم نشر اسمه، إن ظروف حصول مصر على اللقاح وتوزيعه وسعر تكلفته لن يتضح قبل ما بين أسبوعين وشهر على الأقل.

“لا توجد اتفاقيات في العالم تلزم الدول على الوفاء بالتوزيع العادل للقاحات، بما في ذلك التحالف العالمي للقاحات والتحصين (جافي) الذي لا يمكن أن يجبر دولة على فعل شيء، بحسب المصدر، لكن توقيع الدول على هذه الآلية هو ما يعطي ضمانة لوصول اللقاح إلى الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، وهو الجانب الإيجابي في الأمر.

لقاح كورونا المنتظر

جانب آخر إيجابي، تحدث عنه مصدر داخل الوزارة، هو “تعهد الجهات المصنّعة للقاح بطرحه بسعر التكلفة دون تحقيق أرباح، كما فعلت جامعة أوكسفورد، التي أكدت أنها لن تهدف للربح هذا العام”.

وما دامت الجهات والدول المنتجة للقاحات لن تهدف إلى الربح، إذًا علامَ تدور المنافسة بينها وتحديدًا على أولوية التصنيع وطرح اللقاح؟

سؤال رد عليه المصدر بقوله: “المنافسة ستكون على مدى فاعلية كل لقاح في مقاومة الفيروس لأطول فترة ممكنة”، مضيفًا: “الفكرة لا تقوم على نجاح اللقاح فقط في مقاومة الفيروس، بل على مدى فاعليته لفترة مناعة أطول وللتعامل مع الفيروس حال تحوّره”.

لهذا السبب الذي أشار إليه المصدر تعتمد مصر على تجربة اللقاحات السريرية على مدار عام كامل، لقياس الأجسام المضادة للفيروس على فترات، وقياس المدة الزمنية لبقائها في الجسم، هل ثلاثة أشهر أم ستة أم أكثر، ما يعني أن اللقاحات المنتظرة قد لا تكون الأخيرة التي تجرى على فيروس كورونا، على اعتبارها مؤقتة أو وقتية، لكن المصدر حسم الأمر بقوله: “في كل الأحوال، فإن مناعة التطعيم مهما كانت مدتها قصيرة أفضل من مناعة الإصابة، لما قد يخلفه من مضاعفات أو آثار جانبية.. هذه اللقاحات بداية للبناء عليها”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ندى الخولي

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram