اختراق اقتصادي

الصين تفرش "طريق الحرير" لامتلاك إفريقيا

استمرارًا لمحاولات الصين في توسيع مجالها الحيوي والتغلغل في القارة الإفريقية، احتضن منتدى التعاون الصيني العربي ببكين، في 23 سبتمبر/أيلول 2020، لقاءً مهمًّا بين مساعد وزير الخارجية الصيني دينج لي، والقائم بأعمال رئيس مجلس السفراء الأفارقة وسفير جيبوتي في بكين، عبد الله مجيل.

دينج لي أكد استمرار رغبة الصين في تعزيز التعاون مع جيبوتي في مجالات المواني والسكك الحديدية، في إطار التشارك في بناء مبادرة “الحزام والطريق”، وكفرصة لدفع التعاون الإفريقي الصيني إلى مستوى جديد.

ومبادرة “الحزام والطريق” (BRI) كان الرئيس الصيني شي جين بينج أعلن عنها عام 2013، وتهدف إلى تحسين الاستثمارات والبنية التحتية والتجارية في إفريقيا وأوروبا وآسيا لزيادة معدلات النمو الاقتصادي عالميًّا.

وفي الوقت الحالي، اتضح أن “الحزام والطريق” ليست مجرد مبادرة اقتصادية، لكنها أيضًا تعكس حاجة الصين إلى تعزيز وجودها العسكري لحماية مصالحها المتنامية خارج حدودها، ومن ثمّ تمثل أولوية في السياسة الخارجية للقيادة الصينية، فهي هدف إستراتيجي وشامل ومكون أساسي من أهداف الحزب الشيوعي الصيني (CPC) لزيادة النفوذ الصيني.

الرئيس الصيني شي جين بينج
شكوك على "الطريق"

تتمثل الدوافع الرئيسة لمبادرة الحزام والطريق في الأمن والسوق والطاقة معًا، عبر تأسيس ممرات آمنة للنقل، وإنشاء وتحسين خدمات المواني، والمساعدة في الاختراق الإستراتيجي للأسواق.

وقد وقعت الصين منذ مارس/آذار 2018 اتفاقيات تعاون مشتركة مع أكثر من 65 دولة، تمثل مجتمعة 62% من سكان العالم، ونحو 30% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، و75% من احتياطيات الطاقة.

وتقضي المبادرة بإقامة حزام بري من السكك الحديدية والطرق عبر آسيا الوسطى وروسيا، وطريق بحري يسمح للصين بالوصول إلى إفريقيا وأوروبا، عبر بحر الصين والمحيط الهندي.

شبكة الحزام والطريق الصينية

ويأتي تمويل مشاريع مبادرة الحزام والطريق من مختلف الأطراف المشتركة، بما في ذلك 40 مليار دولار من صندوق طريق الحرير (SRF)، 100 مليار دولار من البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، (AIIB)، 100 مليار دولار لبنك بريكس للتنمية الجديدة، ومن 50 إلى 100 مليار دولار من مؤسسة الاستثمار بالصين. في حين تأتي الأموال الإضافية من احتياطيات الصين من النقد الأجنبي وصندوق الثروة السيادي، اللذين يضمان 7 تريليونات دولار و220 مليار دولار على التوالي.

وتركز “الحزام والطريق” على دول شرق إفريقيا، بما في ذلك دول القرن الإفريقي، كينيا وجيبوتي وتنزانيا وإثيوبيا، وقد تمتد مشروعات المبادرة إلى نيجيريا والكاميرون وناميبيا ودول الغرب الإفريقي، على اعتبار القرن الإفريقي رأس جسر للمبادرة الصينية داخل القارة السمراء.

وتعد جيبوتي حجر الزاوية لمشروع “الحزام والطريق” الصيني في منطقة القرن الإفريقي، والذي يعزز أهداف بكين التجارية والعسكرية وسط “شكوك غربية” بشأن دوافعه.

وتشمل مشاريع البنية التحتية التي تمولها الصين في جيبوتي، بين أمور أخرى، خط السكك الحديدية بين إثيوبيا وجيبوتي بطول 752.7 كيلومتر وبتكلفة 4 مليارات دولار أمريكي، وخط أنابيب لنقل مياه الشرب من إثيوبيا إلى جيبوتي بتكلفة 300 مليون دولار.

سكة حديد أديس أبابا - جيبوتي الصينية

وبقدر ما تتسم مبادرة الحزام والطريق بحسن النية، فإنها تثير أسئلة إستراتيجية وعملية تتطلب إجابات، أولها: ما الفرص والمخاطر المحتملة للمبادرة في منطقة القرن الإفريقي؟ وما تأثير هذه المبادرة في بعض القوى الإقليمية والدولية؟

ما جنته إفريقيا

يمكن أن تكون للمبادرة فوائد إيجابية للبلدان الإفريقية، رغم خطورة التمدد الصيني، من بينها:

  • النمو التدريجي لمشروعات البنية التحتية في القرن الإفريقي، بتحسين شبكات الاتصالات المادية والرقمية، وهو أمر مهم لتعزيز السلع والصادرات الإفريقية، ما يمكن أن يساعد بلدان القارة على اندماج أعمق في سلاسل القيمة العالمية.
  • لا يمكن تجاهل أن الصين تمثل مصدرًا بديلاً للتمويل، في وقت تبحث فيه إفريقيا عن مصادر بديلة لرأس المال من أجل تنميتها.
  • نمو التجارة وخلق فرص العمل أبرز الفرص التي تتيحها تلك المبادرة لدول القرن الإفريقي، التي تعاني حاليًّا من مستوى بطالة مرتفع للغاية.
  • معالجة العجز التجاري بين الصين والدول الإفريقية عمومًا. فوفقًا لمبادرة البحث الصينية الإفريقية (CARI) عام 2015، سجلت إفريقيا عجزًا قدره 34 مليار دولار من إجمالي حجم التجارة مع الصين، والبالغ 172 مليار دولار. وفي أغسطس/آب 2018 انخفض هذا العجز إلى 28 مليار دولار.
  • رفع كفاءة المواني الإفريقية التي تُستخدم حاليًّا بقدر غير كافٍ، إذ إنها تعمل بـ30% فقط من قدرتها وفقًا للمعايير العالمية.

ونظرًا إلى أن مبادرة الحزام والطريق تركز على زيادة التدفقات التجارية، وتحسين شبكات الاتصالات والسكك الحديدية والمواني، والبنية التحتية لوسائل النقل الأخرى، فإن هذا من شأنه رفع كفاءة المواني الإفريقية وخفض تكاليف السفر والوقت بقدر كبير، وله تأثير كبير في زيادة التجارة البينية إفريقيًّا ودوليًّا. 

ووفقًا للبنك الدولي، من المتوقع أن تقلل مبادرة الحزام والطريق وقت الشحن بنسبة تصل إلى 11.9%، وتكاليف التجارة بنسبة تصل إلى 10.2%، نظرًا إلى أن 90% من واردات وصادرات إفريقيا تمر عبر البحر.

من اجتماعات مبادرة الحزام والطريق
تنافس صيني - غربي

المبادرة ليست مجرد مبادرة اقتصادية فحسب، فهي تعكس حاجة الصين إلى تعزيز وجودها العسكري لحماية مصالحها المتنامية خارج حدودها. فقد شهد العام 2016 افتتاح قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي، جنبًا إلى جنب مع الحاميات الأمريكية واليابانية والفرنسية الموجودة.

والقاعدة البحرية الصينية مخصصة للأغراض الأمنية على طول طريق مبادرة الحزام والطريق، والعمليات متعددة الأطراف. ولهذه الغاية، لعبت البحرية الصينية في جيبوتي دورًا مهمًّا في عمليات مكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال، وبعثات حفظ السلام في جنوب السودان. كما تسهل القاعدة العسكرية الاستجابة السريعة للطوارئ في جنوب آسيا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط.

بدأ يُنظر إلى الوضع الراهن في جيبوتي على أنه “تحدٍّ”، خاصة بعد افتتاح الصين قاعدتها العسكرية بها على بعد 12 كيلومترًا فقط من قاعدة “ليمونيه” الأمريكية، لأن جيبوتي كانت دائمًا مرتبطة بالقوى العظمى التقليدية. فالولايات المتحدة تمتلك قاعدة “ليمونيه” هناك منذ ما يقرب من عقدين. وكذلك هناك حلفاء للولايات المتحدة، مثل إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وفرنسا واليابان، لديهم أيضًا وجود عسكري في القرن الإفريقي.

لذلك كله شهد القرن الإفريقي الكثير من التحركات لتقويض المساعي الصينية، كان منها توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين الهند واليابان في طوكيو يوم 9 سبتمبر/أيلول الحالي، واتفق الجانبان على إنشاء “منطقة المحيطين الهندي والهادي الحرة والمفتوحة”، وإمكانية تبادل قواعدهما العسكرية.

وقال مراقبون إن اتفاقية الهند واليابان قد تتيح للهند استخدام قاعدة اليابان في جيبوتي، ما يزيد تعقيد ديناميكيات القوة في هذا البلد، وبالتالي تقويض الأهداف البحرية للصين.

افتتاح قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي

ولأن هذه المبادرة تتعارض أيضًا مع مصالح بعض الدول العربية، كالإمارات العربية التي يعتمد اقتصادها كثيرًا على أداء موانيها في دبي، التي تضم مكاتب 5 آلاف شركة عالمية كبرى من 120 دولة، أفاد الكاتب الروسي أندريه إيفانوف، في تقرير نشرته صحيفة “نيوز.. ري” الروسية، بأن الإمارات تتحرك لتعطيل المشروع الصيني، ولن تنتظر ظهور منافس جديد لموانيها. وتتمثل إحدى خطوات الإمارات هنا في إقامة علاقات مع الهند، لأن الطرفين يتقاسمان المصالح ذاتها.

الكعكة للصين.. والبؤس للأفارقة

أدت سياسة الصين، المتمثلة في توظيف العمالة الصينية في مشاريع البنية التحتية الخاصة بها، إلى عمل أكثر من 200 ألف مواطن صيني في عقود مبادرة الحزام والطريق عبر إفريقيا، وتخصص لهم الوظائف التي تتطلب مهارات عالية، في حين تخصص للأفارقة الوظائف اليدوية منخفضة المهارات، ما يجعل علاقات العمل في الشركات الصينية في إفريقيا مثيرة للجدل، بما في ذلك الأجور وظروف العمل السيئة.

وجود هذا العدد من العمالة الصينية في الخارج يخلق لبكين مبررًا لاتخاذ نهج عملي لحمايتهم، فضلاً عن حماية استثماراتها المترامية الأطراف، لذلك يعمل متعاقدو الأمن الخاص الصينيون في الغالب بسرية مع الشرطة المحلية والاستخبارات والعسكريين، لتأمين المصالح الصينية وتقديم المشورة والإستراتيجية بشأن متى وكيف ينبغي استخدام القوة، ما ينتهك سيادة البلد المضيف.

"الديون".. لعبة صينية

يبدو أن العديد من مشاريع مبادرة الحزام والطريق يجرى تمويلها من ديون باهظة التكلفة، ولها آثار مقلقة على قدرة الدول الإفريقية لتحمل الديون، فحتى عام 2018، اقترضت دول شرق إفريقيا نحو 29 مليار دولار من الصين، لمشاريع البنية التحتية والطاقة والبناء. وقد أولت بكين في بعض الحالات أهمية أكبر لتحصيل الديون، اعتمادًا على الأصول الإستراتيجية لشركائها.

وتنتشر التكهنات بأن جيبوتي وكينيا مثقلتان بالديون للصين، وقد تفقدان موانيهما بطريقة مماثلة لما حدث لميناء هامبانتوتا، الذي سلمته سريلانكا عام 2017 إلى الشركات الصينية المملوكة للدولة، بعقد إيجار لمدة 99 عامًا، بعد التخلف عن سداد قرض للحكومة الصينية، أو كما سلمت باكستان ميناء جوادر بعقد إيجار مدته 40 عامًا، واحتفظ الشريك الصيني أيضًا بـ90% من إيراداته.

مشروعات صينية في أفريقيا

وأمام هذه الفرص والتحديات يبقى السؤال: هل تستطيع دول القرن الإفريقي اغتنام الفرص والتخفيف من بعض المخاطر الكامنة في إستراتيجية بكين؟

ستكون المساءلة والشفافية مفتاح الإجابة عن هذا السؤال. فبكين حساسة تجاه الطريقة التي تنظر بها الدول المضيفة إليها، وعندما يكون الجمهور مدركًا ويقظًا ونشطًا يمكن للمفاوضين الصينيين أن يصبحوا أكثر استجابة للمطالب المحلية.

وتشير الدروس المستفادة من تجربة سريلانكا وباكستان، في هذا الإطار، إلى أنه في حالة غياب المساءلة والرقابة تزداد مخاطر الاتفاقات غير المتكافئة، والتخلف عن السداد في النهاية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عيسى السيد

متخصص في دراسات الجغرافيا السياسية

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram