دراسات وتحليلات

استثمار الإسلاموفوبيا.. صورة “المسلم الأسطوري” في ألعاب الحرب الأمريكية

استثمر الغرب بقيادة الولايات المتحدة قضية الإسلاموفوبيا لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية على مدار سنوات عديدة، وذلك من خلال الخلط الدائم بين الإسلام والإرهاب في المُنتجات الثقافية التي يتم تصديرها للعالم، لتبرير ما يتم ممارسته من عنف وجرائم تجاه المسلمين في البلدان المناهضة للسياسة الأمريكية. وتعد ألعاب الحرب الرقمية التي ينتجها، ويُسهم في تمويلها الجيش الأمريكي، إحدى أخطر وأهم المُنتجات التي تستغلها الولايات المتحدة لتصدير صورة نمطية عن البطل الأمريكي الذي يواجهه العربي المسلم الإرهابي لحماية أمريكا والغرب من خطر الإرهاب.

وفي هذا الإطار، أصدرت مجلة دراسات الإسلاموفوبيا التابعة لجامعة كاليفورنيا، في مارس من العام الجاري، دراسة للكاتبين تانر ميرليس وطه عبيد، تحت عنوان: القتل الافتراضي للمسلمين: ألعاب الحرب الرقمية، الإسلاموفوبيا، والحرب العالمية على الإرهاب”، لمناقشة دور ألعاب الحرب الرقمية في نقل صور نمطية مُضللة وسلبية عن الإسلام والمسلمين، وذلك في سياق الحرب العالمية التي تشنها الولايات المتحدة على الإرهاب.

تُركز الدراسة على نمط الإنتاج والاستهلاك المعاصرين لألعاب الحرب الرقمية، مع تسليط الضوء على دور الجيش الأمريكي في نشر تلك الألعاب لتدريب الجنود على القتل، واستخدام العنف ضد المسلمين، إضافةً لاستعراض الصور النمطية لـ”المسلم الأسطوري” بتقديم 10 نماذج لألعاب رقمية شائعة صدرت بين 2001 و2012.

ألعاب الحرب
الألعاب الرقمية العسكرية

“المسلم الأسطوري”

من السبعينيات فصاعدًا، خاصةً بعد أحداث 11 سبتمبر، عانى المسلمون من العُزلة والكراهية في إطار الحرب العالمية على الإرهاب وانتشار “الإسلاموفوبيا”، وهو ما مكّن الولايات المتحدة من تبرير حروبها ضد البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وساعد في نشر الصور النمطية للشعوب الإسلامية، بل وجعل العنف المُمارَس ضد المسلمين مسألة استراتيجية لتعزيز وحماية الأمن الأمريكي والغربي.

وقد أسهمت الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب في انتشار الإسلاموفوبيا، والأيديولوجية المُعادية للإسلام، حيث تنامت في عصره نظرة الأمريكيين -خاصة الجمهوريين- السلبية إلى المسلمين، وتصاعدت في عهده جرائم الكراهية والاعتداءات العنيفة ضد المسلمين عمّا كانت عليه بعد 11 سبتمبر.

في هذا الإطار، لا يمكن إغفال دور الصناعات الثقافية الأمريكية، في زيادة انتشار الإسلاموفوبيا من خلال إنتاج وبيع المُنتجات الثقافية والبرامج التليفزيونية والأفلام والقصص الإخبارية، التي تنقل 5 صور نمطية، مُضللة عن “المسلم الأسطوري”:

  1. تقديم المسلم على أنه دائمًا عربي، أو العربي على أنه دائمًا مسلم، من خلال تحدث الشخصيات باللغة العربية، أو استخدام عبارات عربية في الشوارع والمتاجر والفنادق وغيرها.
  2. التعامل مع المسلم المُقيم في أمريكا، أيًا كانت جنسيته، كأجنبي وليس جزءًا من الذات القومية الأمريكية، حتى وإن كان مولودًا أو مُتجنسًا بالجنسية الأمريكية.
  3. الربط بين الإسلام والعنف، حيث يتم تصوير المسلمين على أنهم قتلة ومُحتالون ومُعتدون على السكان المدنيين الأبرياء، ومُغتصبو نساء.
  4. الربط بين الإسلام والإرهاب بتصوير المسلمين على أنهم مُتطرفون، لا يتسامحون مع الآخرين، ويكرهون اليهود والمسيحيين.
  5. تقديم المسلم كمُعادٍ ومناهض لأمريكا والغرب، ويسعى دائمًا لإيذائهم وقتالهم للتحرر من القمع الأجنبي والاستقلال.
هجمات 11 سبتمبر
الهجمات الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة في 11 سبتمبر

الألعاب الرقمية العسكرية

تُعد الولايات المتحدة الأمريكية مركزًا رئيسيًا لصناعة وتسويق واستهلاك ألعاب الفيديو، ففي 2019 تفوقت الولايات المتحدة على الصين كأكبر سوق للألعاب الرقمية في العالم، وتعتبر ألعاب الحرب الرقمية التي تنتجها الولايات المتحدة واحدة من الأعمال التجارية الضخمة، لأنها أكثر من مجرد ألعاب ترفيهية، إنها مُنتجات عسكرية تتمحور حول شخصية الجندي الأمريكي البطل الذي يستخدم شتى أساليب العنف والقتال ضد أعدائه لتأمين بلاده.

قدمت الولايات المتحدة عبر “مجمع الألعاب الرقمية العسكرية” المسؤول عن تصميم وإنتاج وترويج ألعاب الحرب الرقمية، مُحاكاة لكل حرب خاضتها من حروب القرن الحادي والعشرين، حيث يُديِر الجيش الأمريكي عددًا من الوكالات المُساهمة في مشاريع بحث وتطوير ألعاب الحرب الرقمية، ما يُشير إلى وجود تقارب مؤسسي بين مؤسسات الجيش ومطوري الرأسمالية الرقمية في الولايات المتحدة.

ومن أبرز استخدامات الجيش الأمريكي لألعاب الحرب الرقمية:

  1. تجنيد أفراد جدد في صفوفه.
  2. الترويج لصورة إيجابية عن نفسه للجمهور.
  3. إعادة تأهيل قُدامى المُحاربين في أفغانستان والعراق، الذين يُعانون اضطراب ما بعد الصدمة.
  4. تدريب الجنود على حروب حقيقية.

يُشار إلى أن الجيش الأمريكي -خلال حربه على الإرهاب- دمج ألعاب الحرب التجارية المُربحة والأكثر شعبية في نظام التدريب الخاص به، حيث اُستغلت تلك الألعاب في تشجيع الأفراد على ممارسات القتال والحرب خارج أوقات العمل والتدريب، كوسيلة لتهيئتهم وتحفيزهم أثناء الخدمة، لا سيما أنها وسيلة أقل في التكلفة، سواء المادية أو البشرية.

ومن خلال صنع ألعاب حرب رقمية مُمتعة للتدريب، يتم تشجيع الجنود والمدنيين على تصور الحرب الحقيقية على أنها لعبة مُمتعة أيضًا، كما أنه غالبًا ما يكون قتل العدو إجباريًا وضروريًا للتقدم إلى المستوى التالي في اللعبة أو كسب الحرب، ما يجعل اللاعبين أكثر تحفزًا واستعدادًا للقتل في الحقيقة.

ومن أمثلة الألعاب المُتاحة تجاريًا للتدريب، والتي أنتجها وأسهم في تمويلها الجيش الأمريكي، جهاز مُحاكاة القتال (MACS) التابع للجيش الأمريكي، الذي صُمم عام 1993 لتدريب الجنود على كيفية إطلاق النار من بندقية M-16، وأيضًا النسخة المُعدلة من لعبةTom Clancy’s Rainbow Six: Rogue Spear التي أُنتجت عام 2002 لتدريب جنود الجيش الأمريكي على القتال في المناطق الحضرية ذات الأغلبية المسلمة في أفغانستان والعراق.

وتأتي لعبة كرايسس (Crysis) أيضا، والتي طوّرها الجيش الأمريكي عام 2011 وأطلق منها الإصدار الثاني (Crysis 2)، ليصير بفضلها الجيش الأمريكي من أكثر منصات التجنيد والتدريب شهرة، خاصة بعد انتشار اللعبة على الإنترنت، وعبر المنصات الرقمية المُتعددة.

ألعاب الحرب
لعبة وسام الشرف.. مقاتل الحرب

مُحاكاة الألعاب للواقع

مع إصدار العديد من ألعاب الحرب الرقمية كل عام، ركّزت الدراسة على استعراض 10 ألعاب حرب رقمية، بناءً على ثلاثة معايير، أولها أن تكون فترة إصدار الألعاب بين 2001 و2012، والتي تصاعدت خلالها وتيرة حرب الولايات المتحدة ضد الإرهاب في العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة.

ويتعلق ثانيها بالمحتوى السردي للألعاب، من حيث قيام الجنود الأمريكيين الذكور بدور الأبطال في مواجهة شخصيات تعكس ضمنيًا الصور النمطية لـ“المسلم الأسطوري” التي ذكرناها آنفًا.

وثالثها ارتبط بمدى شعبية تلك الألعاب، باعتبارها الأكثر مبيعًا خلال الفترة الزمنية محل الدراسة.

وفيما يلي نذكر الألعاب التي ركّزت عليها الدراسة:

1- الإصدار الأول من لعبة “الصراع: عاصفة الصحراء” (Conflict: Desert Storm)، والتي صدرت عام 2002، ومن خلالها يتم دعوة اللاعبين للانضمام إلى القوات الأمريكية والخدمة الجوية الخاصة البريطانية في حرب الخليج التي قادتها الولايات المتحدة عام 1991، وللفوز في اللعبة والحرب يجب على اللاعبين قتل الجنود العراقيين من خلال التسلل إلى قواعدهم وحماية الكويتيين.

2- الإصدار الثاني من لعبة “الصراع: عاصفة الصحراء”، صدر في غضون أشهر من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث يغزو العسكريون الأمريكيون في هذا الجزء دولة مسلمة لإنقاذ دولة أخرى، ويقتلون فعليًا الأعداء (مسلمين عراقيين) لحماية وتأمين الحلفاء الكويتيين.

ألعاب الحرب
لعبة الصراع.. عاصفة الصحراء

3- لعبة “سوكوم: أختام البحرية الأمريكية” (SOCOM: US Navy SEALs)، الصادرة عام 2002، ركزت على دور نخبة القوات البحرية الأمريكية في معركة عابرة للحدود ضد المنظمات الإرهابية، حيث تدعو الحكومات الأجنبية فرق البحرية الأمريكية لمساعدتها في هزيمة الإرهابيين وإنقاذ السكان المحليين، ما يجعل التدخلات العسكرية الأمريكية كأنها إيثارية، فطوال أحداث اللعبة، يقتل جنود البحرية الأمريكية جنود العدو، ويجمعون المعلومات الاستخباراتية، ويُنقذون الرهائن.

4- لعبة (Full Spectrum Warrior) الصادرة عام 2004، تقوم على حرب خيالية بين الجيش الأمريكي والإرهابيين، واستثناءً لقاعدة الأبطال العسكريين الذكور البيض، تُقدِّم اللعبة جنديًا أمريكيًا مسلمًا واحدًا، استحضارًا لثنائية خطاب السياسة الخارجية الأمريكية، والتمييز بين “المسلم الصالح” (العلماني، الوطني أو الحليف لأمريكا)، و “المسلم السيئ” (العدو المتخلف، المُتعصِّب، الإرهابي).

5- لعبة “القتال الوثيق: أول من يُقاتل” ((Close Combat: First to Fight، الصادرة عام 2005، حيث ينشر اللاعبون فرقة من مُشاة البحرية الأمريكية في بيروت بلبنان، لقتال قوات العدو وأسرهم، لإنقاذ المدنيين وتأمين لبنان، وبقية العالم من التهديد الإرهابي.

ألعاب الحرب
لعبة سوكوم.. أختام البحرية الأمريكية

6- الإصدار الثالث من لعبة “ساحة المعركة” Battlefield 3)) عام 2011، يُجسِّد صراعا خياليا بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران عام 2014، حيث يقوم اللاعبون بأدوار الجنود الأمريكيين البيض، الذين يغزون إيران لمنع القوات الإيرانية والروسية من تنفيذ هجماتها الإرهابية، فيُقاتل الجنود عبر إيران والعراق وأذربيجان وفرنسا ونيويورك، ويجمعون المعلومات الاستخباراتية، ويقتلون أعداءهم الإيرانيين والروس.

7- لعبة “جيش من اثنين” Army of Two))، الصادرة عام 2008، ويقوم خلالها اللاعبون بدور اثنين من قدامى المحاربين الأمريكيين البيض الذين تحوّلوا إلى مُرتزقة، فيسافرون حول العالم، إلى الصومال والعراق وأفغانستان والصين، لتعقب وقتل الإرهابيين المسلمين، لحماية المدنيين، والأصول الأمريكية.

8- الإصدار الرابع من لعبة “نداء الواجب: الحرب الحديثة” (Call of Duty 4: Modern Warfare)، عام 2007، حيث يُجسِّد اللاعبون فيها قتالهم ضمن قوات الخدمة الجوية الخاصة البريطانية (SAS)، وقوات البحرية الأمريكية، لهزيمة تحالف قائم بين منظمة إرهابية مُتطرفة روسية، وأخرى إسلامية ثورية في المملكة العربية السعودية.

يتآمر هذا التحالف لإطلاق سلاح نووي على الولايات المتحدة، لذلك يقوم اللاعبون بغزو السعودية والعراق والكويت وأذربيجان وروسيا لقتال الأعداء، ثم إنقاذ المدنيين.

ألعاب الحرب
لعبة جيش من اثنين

9- إصدار عام 2010 من لعبة “وسام الشرف” Medal of Honor، والتي تُجسِّد فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، يقوم خلاله اللاعبون بدور قوات تابعة للبحرية الأمريكية، تغزو أفغانستان في محاولة لهزيمة طالبان والقاعدة، بينما تعد القصة خيالية إلى حد كبير، إلا أنها تستند نسبيا إلى عملية “أناكوندا”.

10- لعبة “وسام الشرف: مقاتل الحرب” ((Medal of Honor: Warfighter، الصادرة عام 2012، حيث يُجسِّد خلالها اللاعبون دور الجنود الأمريكيين البيض، الذين يتم نشرهم في معركة عبر الحدود ضد منظمة إرهابية إسلامية، مدعومة من تاجر أسلحة بوسني، ومن مصرفي عربي ثري.

وتُعد أبرز المخاطر الناجمة عن تلك الألعاب هي تصديق الكثير من اللاعبين الذين لم يتفاعلوا بشكل مباشر مع مسلمين في الواقع، للصورة الأسطورية الرقمية التي تصدرها تلك الألعاب عن المسلمين.

وعندما تتنامى تداعيات الإسلاموفوبيا لتصل إلى الدعاية الحربية، وتمجيد العنف ضد المسلمين، بتعزيز التصورات السلبية والقوالب النمطية عن التهديد الذي يمثله “المسلم الأسطوري”، فإن جرائم وممارسات العنف ضد المسلمين لن تنتهي أبدًا.

ختامًا، تشير الدراسة إلى ضرورة قيام حملة مضادة للإسلاموفوبيا في الألعاب الرقمية، وسعي مُطوري الألعاب الرقمية لإعادة تجسيد صورة المسلمين التي يتم تصديرها خلال ألعاب الحرب الرقمية، وهو لن يتم إلا إذا تم تضمين المزيد من مطوري الألعاب المسلمين، وتمثيلهم ضمن القوى العاملة في مجال الألعاب الرقمية الأمريكية، كونهم أفضل منْ يمثلون أنفسهم، وذلك لمواجهة الصور النمطية المُعادية للإسلام في الألعاب الرقمية.

المصدر

اقرأ أيضًا:

الموت في “PUBG”.. وقائع إزهاق الأرواح إلكترونيا: “محمد” مات في لعبة

أسلحة لا تنام: الذكاء الاصطناعي.. معادلة الجيوش تتغير

آمنة فايد

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى