سياسة

كيف نفهم استراتيجية بايدن الخارجية من خلال حرب غزة؟

بعد تصعيد استمر 11 يومًا، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، حيز التنفيذ، فجر يوم الجمعة الماضية، لتلقي هذه الحرب الضوء على عدة ملفات، من بينها استراتيجية بايدن في التعامل مع الأزمات الخارجية.

في السطور التالية، ننقل بتصرف ما رصدته هيئة الإذاعة الوطنية “NBC” من كواليس التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، بناءً على محادثات أجرتها مع 10 من مسؤولين في الإدارة الأمريكية، وبعض المطلعين على استراتيجية الرئيس الأمريكي جو بايدن، مسلطة الضوء على الدور الدبلوماسي الذي وصفته بـ”الهادئ والمتصلب” للإدارة الأمريكية، التي لا تفصح عنه كثيرًا في العلن، وكذا على استراتيجية بايدن في التعامل مع الأزمات الخارجية الكبرى التي كانت أولها، خلال رئاسته، حرب غزّة.


التزم الرئيس الأمريكي جو بايدن، باستراتيجيته، في التعامل مع أزمة حرب غزة، رغم الانتقادات المتزايدة من جانب الجمهوريين، وحتى من داخل حزبه الديمقراطي.

وبحسب تقرير “NBC”، اتسم نهج بايدن بالهدوء، لكنه كان في نفس الوقت أكثر تشددًا في جوهره، مما توقعه بعض حلفائه، مدفوعا بهدف واحد فقط: إنهاء العنف في أسرع وقت ممكن حتى يتمكن من إعادة تركيزه على أجندته المحلية.

اقرأ أيضًا: هل تعزل إسرائيل “بايدن” داخل أمريكا؟

ومن أجل تحقيق ذلك الهدف، اختار بايدن ألا يكشف بشكل علني عن الخلافات مع نظيره الإسرائيلي، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على الرغم من وجود خلافات بينهما.

لم يتحدث بايدن كثيرًا عن تلك الخلافات، وبالكاد تلقى عددًا من الأسئلة الصحفية بشأنها. ورغم ذلك، فقد أيد هجوم نتنياهو على غزة لدرجة فاجأت بعض رفاقه الديمقراطيين، وأغضبت آخرين.

بايدن ونتنياهو
بايدن ونتنياهو

حتى أن السيناتور الديمقراطي كريس مورفي، صرح قائلًا: “أشعر أن البيت الأبيض لا يرى فائدة كبيرة في التفاوض علنًا مع الإسرائيليين أو الفلسطينيين”.

وأضاف مورفي، في إشارة إلى استخدام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لوسائل التواصل الاجتماعي: “لقد اعتادت هذه المدينة على الدبلوماسية التي تجري عبر تويتر. لذلك، من الصادم قليلًا أن تقرر إدارة بايدن إجراء المزيد من المحادثات الخاصة مع حلفائنا وخصومنا ومشاركة معلومات أقل مما فعلت إدارة ترامب علانية”.

من جانبه، وصف البيت الأبيض إعلان وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه يوم الخميس، بين إسرائيل وحماس، بأنه انتصار لما وصفه بـ”الدبلوماسية الهادئة والمكثفة” بقيادة بايدن.

استراتيجية بايدن.. اللعب بأوراق غير جيدة

ونقلت “NBC” عن مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية بأن الولايات المتحدة “متفائلة” باستمرار اتفاق وقف إطلاق النار، مع الاعتراف بأنه حالة من “السلام الهش” تتطلب مشاركة مستمرة من قبل الإدارة ودول المنطقة، وخاصة مصر، من أجل الحفاظ عليها.

بينما ذكر مصدر مطلع على المفاوضات ومسؤول كبير بالإدارة، أنه لا توجد شروط مرتبطة بوقف إطلاق النار. لكن حتى قبل اتفاق إسرائيل وحماس على وقف إطلاق النار، كان مسؤولو الإدارة يناقشون نوع المساعدة التي ستقدمها الولايات المتحدة للمساعدة في إعادة إعمار غزة، وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومن المتوقع أيضًا أن يعلن بايدن قريبًا عن مرشحه لسفارة الولايات المتحدة لدى إسرائيل. كما يتوقع أن يجري وزير الخارجية أنتوني بلينكين جولة في المنطقة خلال الأسبوع المقبل.

ومع بداية عملية الاحتلال الإسرائيلي على غزة، أبلغ البيت الأبيض ووزارة الخارجية، الإسرائيليين، بأن بايدن يريد نهاية سريعة للعنف، إذ تخوّف مسؤولو الإدارة من اندلاع معركة طويلة المدى، وكان البعض قلقًا من أن الإسرائيليين سوف ينفذون التهديدات الخاصة بالهجوم البري على غزة.

كما أخبر فريق الأمن القومي التابع لبايدن، الإسرائيليين، أنه لن يقبل بسيناريو حرب 2014 التي استمرت 51 يومًا، مخلفة 2000 قتيل فلسطيني.

وأوضح العديد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية، بأن موقف بايدن نابع من “دروس مستفادة” من نهج إدارة أوباما تجاه حرب 2014، لافتين إلى أن تواصل إدارة بايدن مع دول المنطقة “مختلف جدًا” عما كان عليه التواصل في عام 2014، وأنه كان “فعّالًا” في النهاية.

لم يطالب بايدن إسرائيل علانية بالموافقة على اتفاقية وقف إطلاق النار خلال 11 يومًا من حربٍ قتل فيها أكثر من 200 فلسطيني. وبدلًا من ذلك، أصدر البيت الأبيض بيانًا مكتوبًا، قال فيه إن بايدن “يؤيد وقف إطلاق النار”.

ثم بحلول يوم الأربعاء، أصدر البيت الأبيض بيانًا آخر قال فيه، إنه أبلغ نتنياهو “أن الرئيس بايدن يتوقع تهدئة كبيرة اليوم، تمهد الطريق لوقف إطلاق النار”. كانت هذه هي أقسى لهجة تجاه إسرائيل استخدمتها إدارة بايدن.

عملية حارس الأسوار
من قصف الاحتلال الإسرائيلي على غزة

حتى عندما كان لدى بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية مخاوف بشأن مصداقية المعلومات الاستخباراتية التي قدمتها إسرائيل للولايات المتحدة، والتي قالت إنها توضح بالتفصيل تخطيط أنفاق حماس في غزة، حرصت إدارة بايدن على ألا تخوض في هذه المسألة بشكل علني.

أحد المقربين من إدارة بايدن وصف تعاملها مع هذه الأزمة بقوله: “تمتلك إدارة بايدن أوراق لعب غير جيدة، لكنها لعبت بها بأفضل ما يمكن”.

إلى أين تتجه الأمور؟

جو بايدن الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، واللاعب رئيسي في قضايا الأمن القومي لمدة ثمان سنوات عندما كان نائبًا للرئيس.. يمتلك بمعرفة واسعة بالديناميات الإسرائيلية الفلسطينية، ويعرف جيدًا القادة المعنيين بالأمر.

وطوال فترة الحرب، وجد بايدن نفسه يتنقل في منطقة لطالما كانت مألوفة للغاية بالنسبة إليه، ومجهولة إلى حد ما! وكان عليه أن يتخذ القرارات من موقع قيادي لا استشاري. وبالتالي، سوف تنعكس النتيجة عليه فقط.

وبحسب ما ينقله تقرير “NBC” عن مسؤولين أمريكيين، فإن بعض مسؤولي البيت الأبيض، الذين اعتقدوا في البداية أن الحرب سوف تهدأ خلال أيام قليلة؛ أجّلوا مكالمة هاتفية رئاسية مع نتنياهو، لأنها كانت ورقة اعتقدوا أنهم سيستخدمونها مرة واحدة فقط.

لكن في النهاية، قال بايدن يوم الخميس، إنه تحدث مع نتنياهو ست مرات خلال أقل من أسبوعين، ومرتين مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

وبعد مكالماتهم يومي الاثنين والأربعاء، صرّح البيت الأبيض أن المحادثات أصبحت “أكثر توترًا”. تزامن هذا التحول مع زيادة عدد الضحايا بين الفلسطينيين، وغضب واسع النطاق من قصف إسرائيل لمبنى كان يضم وكالات صحفية، على الرغم من عدم الإبلاغ عن سقوط قتلى.

ورأى مسؤولو الإدارة أن الضربة الجوية كانت “خطأً استراتيجيًا فادحًا” من جانب إسرائيل حتى لو كانت “صائبة من الناحية التكتيكية”، كما يذكر التقرير.

وأشار التقرير إلى أن التسريبات التي حصلت عليها وسائل الإعلام، أفادت بأن بايدن كان يعتمد لهجة حادة في المحادثات الخاصة أكثر مما يبدو عليه في التصريحات العامة، وأن هذا جزء من  استراتيجيته. كذلك كان الأمر لدى التواصل مع المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب في جميع أنحاء المنطقة، سواءً عن طريق بلينكين أو مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، وكذلك الجنرال مارك ميلي رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، وغيرهم من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية.

ثم بحلول يوم الأربعاء، أخبر بايدن نتنياهو، أنه يعتقد أن إسرائيل حققت أهدافها، وأن الوقت حان لإنهاء الهجوم. ليرد نتنياهو بتحد علني. لكن الإدارة الأمريكية كانت تأمل أن يوافق على وقف إطلاق النار.

ورغم أن الحكومة الإسرائيلية كانت على استعداد أن تخسر معركة العلاقات العامة، وأن تتلقى الانتقادات من الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، إلا أن المسؤولين الإسرائيليين لم يتوقعوا خسارة المعركة بين الديمقراطيين في الكونجرس، خاصة كريس مورفي، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، والسيناتور تيم كين، العضو الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، وهو عضو في لجنتي الدفاع والعلاقات الخارجية.

وعندما دعا كل من مورفي وكين إلى وقف إطلاق النار، علم المسؤولون الإسرائيليون أن الضغط سيتصاعد. منح هذا الأمر بايدن نفوذًا لزيادة الضغط على نتنياهو.

مع ذلك، بينما كان مسؤولو الإدارة واثقين من قدرة بايدن على التعامل مع نتنياهو بشكل فعّال، احتاجوا إلى شخص ما لإيقاف صواريخ حماس.

قبل أربعة أيام من إعلان وقف إطلاق النار، أبدت مصر إمكانية لعب هذا الدور، إذ أخبر مسؤولون مصريون، الولايات المتحدة، أن صواريخ حماس بعيدة المدى، ستتوقف عن استهداف تل أبيب، وهو ما حدث بالفعل.

وبشكل عام، تعتمد دبلوماسية بايدن الشخصية تركيزًا ضيق النطاق. حتى يوم الخميس، لم يكن بايدن قد أجرى أية مكالمة هاتفية منذ بدء العنف مع زعيم في المنطقة غير نتنياهو وعباس، إلى أن تحدث مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

كانت رسالة بايدن إلى الرئيس السيسي هي أنه كان يشجع الإسرائيليين على إنهاء الصراع، وأنه بحاجة للتأكد من أن الطرف الآخر سيفعل الشيء ذاته.

اقرأ أيضًا: الإعلام الإسرائيلي: مصر الفائز الأكبر من عملية “حارس الأسوار”.. وتعاظم دورها “ليس في صالحنا”

وعلى الرغم من حالة الانقسام بين الجمهوريين الذين يرون أن بايدن لا يدعم إسرائيل بما فيه الكفاية، والديمقراطيون الذين يرون أن هناك حاجة إلى أن يكون بايدن أكثر صرامة مع نتنياهو، فإن المحادثة المباشرة الوحيدة المعروفة بين الرئيس ونائب ديمقراطي ينتقد نهجه، جرت يوم الثلاثاء، عندما زار بايدن ديترويت، واستقبلته النائبة الديمقراطية رشيدة طليب، إذ قال بايدن لطليب، التي وصفت نتنياهو علنًا بـ”زعيم الفصل العنصري” واتهمته بارتكاب جرائم حرب، إنه معجب بشغفها واهتمامها بالآخرين.

استراتيجية بايدن.. دبلوماسية هادئة ومتصلبة

وصف سيناتور ديمقراطي مقرب من البيت الأبيض، فريق بايدن بأنه “مجموعة مغلقة. إنهم لا يتطوعون كثيرًا بالمعلومات. لكن في كل مرة أتواصل فيها معهم، أحصل على الإجابة التي أحتاجها”.

من جانبه دافع مسؤول كبير في الإدارة عن هذا النهج، قائلًا: “كانت دبلوماسية حساسة للغاية. وكنا حذرين بعض الشيء بشأن شرح كل ما كنا نقوم به”.

جو بايدن
تعتمد استراتيجية بايدن على الهدوء لكن مع تصلب في المواقف

ومن جانبهم، حاول الجمهوريون ربط تعامل بايدن مع الصراع في غزة بتواصله الدبلوماسي مع إيران. ومع استمرار حماس في إطلاق الصواريخ على إسرائيل، بعث 44 نائبًا من الحزب الجمهوري برسالة إلى البيت الأبيض يطالبون فيها بالوقف الفوري لأي تخفيف للعقوبات المفروضة على إيران.

مع ذلك، بينما أنتجت حماس مئات الصواريخ بتوجيه من متخصصي الأسلحة الإيرانيين، قلل المسؤولون الإسرائيليون من شأن الأهمية المباشرة لدور طهران في الأحداث الأخيرة.

وصرح الكولونيل جوناثان كونريكوس، المتحدث الدولي باسم الجيش الإسرائيلي، للصحفيين في نهاية الأسبوع: “إنهم (الإيرانيون) لا يطلقون النار ولا ينظمون صفوف القتال الفعلي. إنهم ليسوا من يسيطرون على حماس”.

كما قلل مسؤولو البيت الأبيض من أهمية الطريقة التي تتعامل بها إيران (وتمثل التركيز الرئيسي لبايدن في الشرق الأوسط منذ توليه منصبه) مع الأزمة. وأصروا على أن إيران لم تكن عاملًا في مفاوضاتهم، وأنهم يسعون إلى فصل الملف الإيراني عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وقال بلينكين إن المناقشات الدبلوماسية غير المباشرة للإدارة الأمريكية مع إيران ستستمر.

وفي تصريحاته مساء الخميس، تعهد بايدن بالحفاظ على نهجه البسيط، قائلًا: “أعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء يستحقون العيش بأمان، والتمتع بالحرية والازدهار والديمقراطية على قدم المساواة”. وأضاف: “ستواصل إدارتي دبلوماسيتنا الهادئة والمتصلبة لتحقيق هذا الهدف”.

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى