استعادة أوروبا كحليف

بايدن أمام الرهان الكبير

حال فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، فإن التحدي الأول والأهم الذي يواجهه في السياسة الخارجية، سوف يدور حول استعادة ثقة حلفاء أمريكا بالقارة الأوروبية العجوز.

ومع دخول العالم في أكثر فتراته فوضى منذ الحرب العالمية الثانية، يمكن لقيادة بايدن المتزنة إعادة ضبط النظام العالمي، لكن ذلك لن يحدث إلا بمساعدة الحلفاء.

فعلى وجه الخصوص يأمل الحلفاء الأوروبيون أن يقدم بايدن بسرعة، إذا أصبح رئيسًا، براهين مقنعة بأن السنوات الأربع التي قضاها الرئيس دونالد ترامب في المنصب، كانت انحرافًا مناهضًا للديمقراطية ولا يمكن تكراره أبدًا.

ومن دون هذا الأساس، سيكون من الصعب إقناع الدول الصديقة بأن بديل بايدن لن يتراجع عن التعهدات التي يقدمها.

ترميم جسور الثقة

“الثقة يجب أن تعود إلى سابق عهدها”. هذه فحوى ما التزم به بايدن خلال خطاب ألقاه في نيويورك في يوليو/تموز من العام الماضي واعدًا بـ”دعوة الأصدقاء من القادة الديمقراطيين لإعادة تعزيز الديمقراطية إلى جدول الأعمال العالمي”. لكن التغلب على حالة عدم اليقين سيتطلب أكثر من مجرد كلمات.

المرشح الرئاسي جو بايدن

ويمكن أن تشمل إجراءات بناء الثقة العاجلة التزام الولايات المتحدة باتفاقية باريس بشأن تغير المناخ لعام 2015، والتي بدأ ترامب الانسحاب رسميًا منها في عام 2019.

في هذا الصدد، تعهد بايدن خلال خطابه في نيويورك بالتراجع عما فعله ترامب قائلاً: “سأعود للانضمام إلى اتفاق باريس للمناخ، وسأدعو إلى اجتماع قمة للدول التي تمثل المصادر الكبرى لانبعاثات الكربون في العالم، وحشد تلك الدول لرفع طموحاتها، ودفع التقدم في هذا الشأن إلى الأمام بوتيرة أكبر”.

وكان لتعهدات بايدن بشأن فيروس “كوفيد 19” وقع الموسيقى على آذان حلفائه، حين صرح في خطاب ألقاه حول الفيروس في ولاية ديلاوير في يونيو/حزيران من هذا العام، قائلاً إنه سيلغي قرار ترامب بقطع التمويل عن منظمة الصحة العالمية (WHO)، الهيئة الصحية الدولية الوحيدة الموثوقة.

وقال بايدن وقتها: “من الضروري تنسيق الاستجابة العالمية في أثناء حدوث جائحة، ويجب أن تقود الولايات المتحدة تلك الاستجابة كما فعلنا في الماضي”.

الدفاع عن الديمقراطية
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

من خلال الالتزام بجدول أعمال يتسم بالتعددية، سيساعد بايدن في كبح المخاوف من أن الولايات المتحدة قد أدارت ظهرها للقيم التي تدعم الدول الديمقراطية، لأن النزعة  القومية تتزايد على المستوى العالمي، في وقت تستمر فيه إدارة ترامب في دعم الأنظمة الاستبدادية الشعبوية.

أوروبا تترقب

تريد أوروبا على وجه الخصوص أن ترى المزيد من الحديث عن الدفاع عن الديمقراطيات. في حديثه أمام البرلمان الأوروبي في إبريل/نيسان 2018، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي حاول شخصيًّا أن يلجأ إلى ترامب ويحاول التأثير عليه: “أريد اتخاذ القرار الحازم للدفاع عن الديمقراطية”.

وقتها، كان ماكرون يفكر في زعماء المجر وبولندا، وهم الزعماء (اليمينيون) الذين عقد ترامب صداقة معهم في وقت مبكر من فترة رئاسته، إذ أدار ظهره  لرئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل، وتنمَّر على رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك تيريزا ماي.

بايدن ليس غريبًا على السياسة الخارجية، فقد عمل لسنوات كرئيس للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ عندما كان نائبًا في الكونجرس، ناهيك بمساعدة الرئيس باراك أوباما آنذاك في السياسة، خلال ثمان سنوات عمل خلالها نائبًا للرئيس.

ترامب وبايدن
العالم تغيّر يا بايدن!

لكن منذ ترك جو بايدن منصبه كنائب للرئيس أوباما في أوائل عام 2017، تغير العالم. فعلى مدى أربع سنوات، خسرت قيادة ترامب المتهورة أمريكا دعم أصدقائها، مما أضعف قدرة البيت الأبيض على ترسيخ تحالفات قوية تدعم المواقف الأمريكية بشأن إيران والصين وكوريا الشمالية، وأدى ذلك بالتالي إلى إضعاف الأمن القومي الأمريكي.

في أثناء ذلك، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينج، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والديكتاتور كيم جونج أون رئيس كوريا الشمالية، وآخرون، استغلوا غرور ترامب.

فلاديمير بوتين

وعمل أولئك القادة على تغذية غرور ترامب، واستغلال طموحاته، في حين كانوا يجنون مكاسبهم الخاصة، والعديد منهم الآن صاروا “قادة مدى الحياة”.

اليوم، أصبح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تقريبًا حقيقة واقعة، وأصبحت قضايا المهاجرين والقومية واقعًا سياسيًّا أكثر فتكًا، بسبب دعم ترامب للسياسيين الشعبويين.

وتجلى للمراقبين أن بايدن يتعامل مع هذه التغييرات بلا مبالاة ترامب تجاه التحالفات الأمريكية الديمقراطية التقليدية، في مقالة رأي نُشرت في “فورين أفيرز” في وقت سابق من هذا العام، قال فيها إن “العمل بأسلوب تعاوني مع الدول الأخرى التي تشاركنا قيمنا وأهدافنا، لا يجعل الولايات المتحدة دولة حمقاء. إنه يجعلنا أكثر أمانًا ونجاحًا”.

لكن في هذا المشهد الجديد، لن يكون تولي بايدن زمام الأمور عملية بسيطة. فعليه إن وصل إلى المكتب البيضاوي أن يتصرف بثقة لا لبس فيها لـ”إعادة أمريكا إلى رأس الطاولة” كما قال خلال خطابه في يوليو/تموز في نيويورك، ولن يكون الوقت صديقه.

في يناير/كانون الثاني المقبل، قد يحتكر مناصرو ترامب الساخطون وفيروس كورونا والتحديات الاقتصادية أيام بايدن الأولى في منصبه.

يعني هذا أن خطط السياسة الخارجية لبايدن يجب أن تكون جاهزة للانطلاق، وأن يُعهد بها من اليوم الأول إلى دبلوماسي متمرس، قادر على قيادة وزارة الخارجية التي نُزِعت أحشاؤها بسبب الإقالات والاستقالات وتجميد التوظيف خلال إدارة ترامب.

مشكلات مستجدة
أردوغان

ومع اقتراب موعد الانتخابات، بدأت تطفو مشكلات جديدة على السطح مؤخرًا، إذ يبدو أن بوتين، الذي تلاعب بترامب بشأن سوريا، يتطلع إلى التدخل في بيلاروسيا.

وفي البحر الأبيض المتوسط، قد يمضي مسار أردوغان الاستبدادي المتزايد في تركيا إلى تصادم مع اليونان بشأن النفط والغاز.

في كلتا القضيتين المتطورتين بوتيرة متسارعة، سيكون الناتو، الذي غالبًا ما يسخر منه ترامب، في المقدمة وفي المنتصف.

سيكون الشرق الأوسط بيئة مليئة بالتحديات بالنسبة إلى بايدن الرئيس، في سعيه لكسب الأصدقاء. سمحت إدارة أوباما للحلفاء القدامى بالسقوط هناك خلال الربيع العربي، وعلى مدى السنوات الأربع الماضية ثمّن قادة دول الخليج موقف ترامب المتشدد تجاه إيران، وحرصه على بيع الأسلحة لهم، وعدم الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان.

المواجهة الكبرى
الرئيس الصيني شي جين بينج

لكن في الصين سيواجه الرئيس القادم التحدي الأكبر في السياسة الخارجية، وفي خضم هذا التحدي سيكون التفاهم مع الحلفاء أمرًا لا غنى عنه.

ربما يكون الرئيس الصيني “على المحك” مع رئاسة بايدن أكثر من أي زعيم عالمي آخر. وبالنسبة إلى شي، سيقف الرئيس الأمريكي القادم بين الصين والطريق إلى تقلد مكانة القوة العظمى المهيمنة.

خلال فترة حكمه، دعم حلفاء أمريكا -لكن عن بعد- ترامب في مواجهة ممارسات الصين التجارية التعسفية، وسرقة الملكية الفكرية، ونقل التكنولوجيا القسري. لكن بعد ذلك تركهم ترامب يواجهون الرياح الباردة غير المؤكدة لحرب تجارية اقتصادية، ولم يكن لهم رأي يذكر في القضية برمتها.

يتفق بايدن مع شكاوى ترامب التجارية، ولكن لا يتفق مع أساليبه. فقد قال للجمهور في نيويورك العام الماضي إنه سيكون قاسيًا أيضًا مع الصين، من خلال بناء “جبهة موحدة من الأصدقاء والشركاء لتحدي سلوك الصين التعسفي”، بدلاً من اتخاذ إجراءات أحادية الجانب.

أدى رد شي على ضغط ترامب، إلى تصعيد التوترات الإقليمية من خلال سياسة خارجية قوية أصبحت حازمة على نحو متزايد. فقد سيطرت الصين بنحوٍ فعّال على هونج كونج، وكثفت التدريبات العسكرية بالقرب من تايوان، وعملت على عسكرة الجزر في بحر الصين الجنوبي، وصعّدت من المواجهة مع اليابان بشأن الجزر في الشرق.

إذا كان بايدن سيخضع للاختبار من قوة عظمى، كما فعل السوفييت في عهد كينيدي عام 1962 في أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، فلن يأتي هذا الاختبار هذه المرة  من موسكو، بل من بكين. وكلما زاد عدد الحلفاء لدى أمريكا، قل احتمال حدوث مثل هذه المواجهة.

* تعريف بالكاتب: نك ربورتسون: محرر شؤون الدبلوماسية الدولية لقناة "سي .إن. إن" الأمريكية.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة وعرض

تامر الهلالي

مترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram