استقلال وصداقة متزنة..

لماذا لا يزال "فريندز" يجذبنا؟

“قطاع كبير من جمهور المراهقين والشباب، ممن أرادوا رؤية ذواتهم على شاشة التليفزيون، وهذا ما لم يحدث من قبل، كان لديهم خوف من تقديم قصص عن (المهن الأولى) أو (العلاقات العاطفية الجادة) أو (شركاء السكن)… تلك الخبرات الجماعية المشتركة لم تقدم في هذه الفترة”.

وارين ليتلفيلد – مسؤول تنفيذي بقنوات “NBC” من كتاب “جيل فريندز: نظرة من الداخل على المسلسل الذي عرف حقبة تليفزيونية“، للكاتب سول أوسترليتز.

ديفيد كرين مؤلف مسلسل "فريندز"

المتسكعون في المدينة

تعرَّف ديفيد كرين إلى صديقته مارتا كوفمان كطلاب بجامعة “برانديز”، وكتبا معًا مجموعة من المسرحيات في نيويورك، وقدما عام 1990 المسلسل الكوميدي “Dream on” الذي أذيع على سلسلة  قنوات HBO، وهو عن محرر يعمل ويعيش بنيويورك.

عاش ديفيد ومارتا شبابهما في نيويورك، يتسكعان مع الأصدقاء في أوقات الفراغ كعائلة واحدة، وقد كانت أعمالهما الأولى عن المدينة، وقد فكرا لماذا لا يقدمان مسلسلاً عن علاقتهما بتلك المدينة!

التوصيف الأول الذي قدمه الكاتبان لشركة Warner Bros، وقنوات الـNBC كان باسم “مقهى الأرق”، مكوَّن من 7 صفحات شملت تفاصيل الشخصيات والحبكة الرئيسة، مع نبذة عن المغامرات المتصورة لشخصيات العمل، على أن يكون موقع الأحداث الرئيس هو المقهى.

مارتا كوفمان مؤلفة مسلسل "فريندز"

واقترح عليهم وارين ليتلفيلد أن يعيش الأصدقاء قريبين بعضهم من بعض، بحيث لا يفصل بين شققهم أي شيء غير الممرات.

وبعد كتابة السيناريو وفقًا للمفاوضات بين المنتجين وكُتّاب العمل، جاء الاستقرار على الممثلين المؤدين للأدوار الرئيسة (جينيفر أنيستون في دور رايتشل جرين، كورتني كوكس في دور مونيكا جيلر، ماثيو بيري في دور تشاندلر بينج، ليزا كودرو في دور فيبي بوفيه، مات لا بلانك في دور جوي تريبياني).

وبدأ تصويره تحت عنوان Friends like us (أصدقاء مثلنا)، واختصر إلى Friends (فريندز)، بوجود مخرج مسلسلات السيت كوم المشهور جيمس بوروز عام 1994.

أبطال مسلسل فريندز

صدمة العرض الأول

كانت الانطباعات الأولى عن المسلسل غير مُبشّرة، فلم يجده نقاده أو متابعوه كوميديًّا أو مسليًا، كان العنوان مربكًا للكثيرين، ولقطة الرقص في النافورة التي أتت كـ”تتر” للمسلسل لم تلقَ إعجاب الجمهور، وأولهم رئيس قناة NBC باستثناء أولماير الذي رأى أنها تحمل رسالة مفادها “نحن الشباب، نحن المواكبون للموضة، نحن نرقص بالنافورة وأنتم لا يمكنكم الرقص معنا، كما طلب من صناع العمل وضع لقطات من المسلسل في تتر البداية”.

لكن بعد موسم واحد من الانتقادات، تقبّل الجمهور المسلسل المختلف عن المسلسلات المعاصرة له، التجارية منها خاصة، والتي ركز غالبها على تيمة الرومانسية وقصص الحب.

ومع إضافة أغنية خاصة للمسلسل غنتها فرقة The rembrandts، ووصلت إلى قائمة أفضل 20 أغنية لعام 1995، بدأ المسلسل يكتسب قاعدة جماهيرية كبيرة، خاصة من جمهور المراهقين والشباب، كما عملت تيمة “الصداقة” على جذب اهتمام المتزوجين أيضًا ممن يفتقدون تلك الأجواء لانشغالهم بأعباء الحياة.

وأسهمت تلك الشهرة في جعل العديد من ممثلي الصف الأول بهوليوود يظهرون بالمسلسل كبراد بيت، وشون بين، وتشارلي تشين، وروبن وليامز، وبروس ويليس.

واستمر نجاح المسلسل 10 أعوام لتشهد حلقته الختامية حضور 52 مليون متفرج، وهو رابع رقم قياسي مسجل لتعداد مشاهدي حلقة أخيرة لمسلسل حتى ذلك الوقت.

وبذلك النجاح رسّخ المسلسل نفسه كعلامة من علامات الثقافة الشعبية لتلك المرحلة الزمنية، في أمريكا أو في دول أخرى حول العالم، لتُرفع حلقاته مترجمةً بمختلف لغات العالم على مواقع المشاهدة المجانية، وتتبارى القنوات لشراء حلقات من مواسمه المختلفة لعرضها.

ورغم إنتاجه بين عامي 1994 و2004، فقد حرصت “نتفليكس” على شراء حقوق عرضه، ليكتسب قاعدة جماهيرية جديدة من المراهقين والشباب في السنتين الأخيرتين.

ومع فرض قرار الحجر الصحي بمعظم دول العالم على خلفية انتشار فيروس كورونا، صارت مشاهدة المسلسل إحدى وسائل التسلية والترفيه الرئيسة، وملجأً للتخلص من التوتر الناجم عن نتائج الحجر الاقتصادية والاجتماعية.

مشهد من مسلسل "فريندز"

تكيف مع شركاء مختلفين

“فريندز” مسلسل يعتمد على كوميديا الموقف، يدور حول 6 أصدقاء في مرحلة عمرية بين منتصف العشرينات أو قبلها بعامين، وهم يأتون من بيئات مختلفة، يعيش 4 منهم معًا، “مونيكا جيللر” و”رايتشل جرين” بشقة، و”جوي تريبياني” و”تشاندلر بينج” بشقة أخرى مقابلة لهم، ويعيش كل من “روس جيللر” و”فيبي بوفيه” بشقتين مستقلتين لكلٍّ منهما، وكلهم يعيشون في حي مانهاتن بمدينة نيويورك، يقضون أوقات فراغهم إما بشقة أحدهم وإمما بمقهى سينترال بارك، ويخوضون العديد من المغامرات طوال أحداث المسلسل التي يتشاركونها ماديًّا أو وجدانيًّا. 

وربما كان أول عامل جذب نجده في مسلسل “فريندز” يتمثل في الاستقلال الكامل عن السلطة الأبوية، سواء أكان استقلالاً ماديًّا أم معنويًّا تتمتع به شخصيات المسلسل الرئيسة باختلاف مستوياتهم المادية، سواء المجموعة التي تتكسب جيدًا من عملها، وهم مونيكا جيلر (طباخة)، وروس جيلر (عالم أحياء قديمة)، وتشاندلر بينج (محلل بيانات بإحدى شركات)، والمجموعة المتعثرة ماديًّا، وهم جوي تريبياني (ممثل مغمور يبحث عن فرصة تمثيل جيدة) ورايتشل جرين (نادلة بمقهى “سينترال بارك”)، وفيبي بوفيه (مدلكة ومطربة بالمقاهي والحانات).

ذلك الاستقلال الكامل هو حلم يداعب معظم الشباب ويصير تحقيقه يومًا بعد يوم صعبًا للغاية، إما لمصاعب اجتماعية أو اقتصادية، وإما لقيود اجتماعية ودينية، وهو العائق الذي يستهدف الإناث بنسبة أكبر عن الذكور، لذا فإن المسلسل نجح بقدر كبير في تقديم الاستقلال بصورة منطقية، دون أن يصوره كاستحقاق يأتي بعد معاناة، كما لا يقدمه كرفاهية، بل هو تحدٍّ ومسؤولية، وهو ما صورته بداية رحلة “رايتشل جرين” التي تهرب يوم زواجها من أمام المذبح وتذهب إلى صديقة طفولتها “مونيكا جيلر” لتدعمها في قرار استقلالها وما تمر به من صعوبات ومغامرات وتغيرات في شخصيتها.

وهي تلك المساحة التي يحتاج إليها كل مشاهد يحلم بتحقيق تلك الخطوة لتعطيه الأمل في إمكان الحصول على الاستقلال.

لا يتوقف المسلسل عند تلك النقطة، بل إنه يتعرض لفكرة “شريك السكن”، التي تعد ضرورة من ضرورات الاستقلال، خاصة وأنه لا يمكن لأي شاب أن يوفر وحده تكاليف المسكن، بل قد يمتد الأمر إلى شريكين وثلاثة وأربعة.

وهنا دائمًا ما تظهر معضلة التكيّف بين أفراد يأتون من خلفيات دينية، أو اجتماعية، أو علمية، أو ثقافية مختلفة. ويكون التحدي هو كيفية التأقلم مع وجود تلك الاختلافات، وهو ما نجح المسلسل في تقديمه على مدار 10 مواسم، خاصة في المواسم الأولى له.

فهناك التعارض الذي يصل إلى الشجار والصدام بالنسبة لعلاقة “رايتشل” و”مونيكا”، حيث الأولى مهملة، والثانية مهووسة بالنظام والنظافة، أو في علاقة “جوي” و”تشاندلر”، التي مرت في البداية بعدم قبول من “تشاندلر” لـ”جوي” لأنه كان يراه ممثلاً وسيمًا تافهًا كل ما يهمه هو شكله وكيف يحافظ عليه والطعام والبيرة والنساء الجميلات.

لكن تلك الخلافات تبدأ في الذوبان مع فهم واستيعاب كل شريك لطبيعة شريك سكنه، والوصول إلى صيغة تفاهمية تعتمد على بعض التنازلات، مع وجود ميزة يحتاج إليها كل شريك من شريك سكنه، فـ”جوي” لديه خبرة واسعة مع السيدات، عكس “تشاندلر” الذي دائمًا ما يتعثر في علاقاته بسبب عدم قدرته على التعامل مع النساء، ما يجعل “جوي” مصدر نصائح فعّالاً.

وإذا كانت “رايتشل” مهملة، فإن “مونيكا” تحتاج إليها لهوسها بالموضة وثقتها بنفسها، كما أنه لا غنى لكلٍّ منهما عن الآخر كداعم نفسي ومستمع جيد طوال اليوم.

يجعل المسلسل تجربة شريك السكن خفيفة على المشاهد، خاصة ذلك الذي ينتمي إلى المجتمعات المحافظة، والذي تكون تجربة الاستقلال بالنسبة إليه مربكة إلى أبعد حد، فهو لم يعتد السكن بعيدًا عن العائلة كما هي الحال لدى العديد من عائلات العاصمة، فالكثيرون لا توجد لديهم تجارب مسبقة للسفر خارجيًّا أو داخليًّا أو المكوث بعيدًا عن الأسرة لفترة طويلة. 

مسلسل فريندز

مفهوم آخر للصداقة

يوظف المسلسل التيمة الرئيسة له وهي “الصداقة” في خلق جو صحي وهادئ سرعان ما ينتقل إلى المتفرج الذي قد لا يتوافر له هذا الجو في الواقع دائمًا، ولا تخلو حلقة من وجود الأصدقاء الستة، وفي حالة غياب أحدهم ينقل السيناريو والحوار مع ردود فعل بقية الأصدقاء شعور الفقد للمشاهد، كما أن التواصل بين الأصدقاء في المسلسل يصل إلى أدق التفاصيل الحياتية والشخصية، بحكم العشرة اليومية، مثل معرفة علامات ببعض مناطق الجسد، والعادات السيئة والجيدة، والروتين اليومي، والعيوب والميزات، ويمثل هذا النوع من التواصل نقيضًا لنمط الصداقات المختلطة في مجتمعنا.

فإذا كان هناك انتشار لنمط علاقات الصداقة المختلطة خلال السنوات العشر الأخيرة مع وجود وسائل للتواصل الاجتماعي، التي تتميز برقابة أقل ومساحة أكبر للانفتاح على الجنس الآخر، فإن هذا النمط بالتأكيد لا يوجد في العديد من الدوائر الاجتماعية المحافظة بسبب القيود الدينية أو لصرامة الكود الأخلاقي الحاكم لتلك الدوائر.

لذلك فإن تداول المعلومات الحميمية بين الأصدقاء في “فريندز” يجعل هذا النمط من الصداقة نقيضًا صارخًا لنمط الصداقة بمجتمعاتنا، ما يجعله نموذجًا جذابًا كذلك للشباب، خاصة في ظل هيمنة ثقافة تعتبر تداول مثل المعلومات الحميمية عيبًا وخرقًا للتقاليد الاجتماعية الراسخة، ضمن ثقافة سائدة تضع حدودًا للتعامل بين الرجل والمرأة، بل ومؤخرًا يجري التنمر على الذكور من أصحاب العلاقات الوثيقة بالفتيات، وقد صاروا فريسة لتلميحات جنسية تستهدف هوياتهم الجنسية.

البعد الثاني الذي يركز عليه السيناريو هو العقبات التي تمر بها علاقات الصداقة، وكيفية التعامل مع الخلافات، وينتصر المسلسل لرابط الصداقة مهما كان حجم الخلاف، لكن دائمًا هناك تقويم للمخطئ في حق صديقه، فنجد “جوي” مثلاً يحبس “تشاندلر” في صندوق خشبي طوال عشاء جماعي كعقاب يجعله يفكر في قيمة صداقتهما بعد أن خانه “تشاندلر” مع “كاثي”، لكن بعد أن تعلم “تشاندلر” الدرس يخرجه ليلحق بـ”كاثي” ويطلب منه أن يُبقي على علاقته بها بعد أن كان يعتبرها خيانة.

يقدم المسلسل عيوبًا للشخصيات الرئيسة فيجعلك تُجزم بأنه لا يمكنهم أن يكونوا دائرة أصدقاء، فـ”مونيكا” لديها نزعة سلطوية تفرضها في بعض الأحيان على المجموعة، و”فيبي” مهووسة بالأشياء الغريبة وعدم التحكم في انفعالاتها، و”جوي” مهووس بالنساء ما يجعله مصدر إزعاج لأي مجموعة أصدقاء مختلطة، و”تشاندلر” صاحب تعليقات ساخرة تصل أحيانًا إلى التجريح، و”روس” مهووس بتفاصيل عمله كعالم بمجال الأحياء القديمة المتحجرة ورغبته الدائمة في الحديث عن ذلك المجال الذي لا يهم أي فرد من أصدقائه بنحو جوهري.

ومع ذلك، في إطار المجموعة، يجري تحجيم تلك العيوب والسيطرة عليها من المجموعة ككل كي يبقوا معًا، فالأصدقاء قادرون على تقبل عيوب بعضهم ما دامت لا تشكل تهديدًا لتلك الرابطة، وذلك ما يكسر فكرة الصديق المثالي الذي يجب أن تتوافر به مجموعة من الصفات المثالية، ولديه مجموعة من الاهتمامات المتشابهة، ليكون ضمان الصداقة الوحيد هو وجود شخص يمكن الارتكان إليه في لحظات الضعف، وقادر على تقديم كامل الدعم والنصيحة في أوقات الشدة والاحتياج، وتقديم النقد حين يستلزم الأمر ذلك. 

مونيكا وفيبي ورايتشل

علاقات بالجملة

دخلت “رايتشل” في 8 علاقات، وكان نصيب “مونيكا” 11 علاقة، ولـ”جوي” 6 علاقات، و”روس” 8 علاقات، حتى “تشاندلر”، الذي يعاني مشكلات في التعامل العاطفي مع السيدات، له 5 علاقات، ولـ”فيبي” 8 علاقات، وتلك هي العلاقات العاطفية الجادة، التي يضاف إليها عدد لا بأس به من العلاقات العابرة العاطفية والجنسية التي لم يتطرق المسلسل إلى هوية أصحابها.. تعددية في العلاقات وسلاسة صاحبت الانتقال من علاقة لأخرى، باستثناء بعض العلاقات مثل علاقة “مونيكا” و”ريتشارد”، وعلاقة “تشاندلر” بـ”كاثي”، وعلاقة “جوي” بـ”رايتشل”.

يضعنا المسلسل أمام مفهوم أكثر نضجًا وصحة، تقوم فيه العلاقات على مبدأ التجربة، ومن خلال تلك التجربة يكتسب الفرد الخبرات التي تجعل منه شخصًا أكثر نضجًا، ولديه قدرة أفضل على إدارة العلاقة التالية وتحديد إن كانت تستحق أن تكون علاقة عابرة أو ممتدة.

ذلك النمط يصعب وجوده في ظل تنشئة محافظة، يُنتج أفرادها مفاهيم أفلاطونية عن الحب لا تقوم على تجربة، ويصير منفذ التجربة الشرعي الوحيد، خاصة للفتيات، هو الزواج، وهو خيار -إن صار وسيلة للهرب من سلطة أسرية وأبوية وممرا آمنا لممارسة الجنس- قد تكون له أضرار نفسية وخيمة لاحقًا.

روس ورايتشل

الأب هو الأب

إذا كانت المؤسسات القانونية بالولايات المتحدة تجرم العنف الأسري، وتعطي الحق لكل من تجاوز 18 عامًا في تقرير مصيره، فهذا لا يمنع وجود محاولات من الأهالي ذوي الخلفيات الدينية المحافظة للتضييق، ولو معنويًّا، على أبنائهم إن لم يستجيبوا لرؤاهم، وهو ما نجده في علاقة “مونيكا” بوالديها.

فالأب والأم يفضلان “روس” لكونه البكري والذكر، ولا تفضل الأم (جودي جيلر) ابنتها، لأنها لن تتزوج وتنجب، لكن يمكن لها أن تغفر لـ”روس” علاقاته غير الناضجة وطلاقه المتكرر.

فالأب هو الأب، في الشرق أو الغرب، هو ذلك الشخص الذي يغار على ابنته من أي ذكر يقترب منها، ونجد ذلك في العلاقة المتوترة التي تقدَّم في إطار كوميدي بين “روس” و”ليونارد جرين”، والد “رايتشل” حاد المزاج، وتزداد وتيرة العداوة مع حمل “رايتشل” في طفل من علاقة مع “روس” دون زواج.

وعكس تلك النماذج، فالكراسيّ تتبدل في حالة “تشاندلر”، الذي يخجل من والدته الكاتبة المشهورة والمعروفة بمغامراتها وعلاقاتها المتعددة، وجرأتها مع مذيعي البرامج التي تستضيفها، كما يخجل من أبيه المتحول جنسيًّا، الذي يعمل كعامل جنس ومطرب بملهى ليلي في لاس فيجاس، فيكون في غاية الضيق من وجودهم لأداء واجبهم كوالدين مع قرب مراسم زواجه.

مونيكا وتشاندلر

علاقات جادة

يضعنا المسلسل أمام نموذجين من العلاقات يجعلان المشاهد بنحو واعٍ أو غير واعٍ يقيم مقارنات بينهما، العلاقة الأولى هي علاقة “روس” و”رايتشل”، والثانية هي علاقة “مونيكا” و”تشاندلر”.

العلاقة الأولى رغم تجذرها، لكون أصل المشاعر التي يكنها “روس” لـ”رايتشل” تعود لزمن سابق على بدء المسلسل، فإنها تمر بالعديد من الأزمات والتقلبات، وهي علاقة تتسم بعدم النضج، فنجدها في البداية تقف عند إعجاب صامت من “روس”، قبل أن يستطيع أخيرًا التعبير عن مشاعره لـ”رايتشل”، التي تتقبلها، وبسبب سوء فهم من “روس” لفكرة الاستراحة في العلاقة يخونها، ما يُحدث شرخًا يظل قائمًا في علاقتهما مع العودة والانفصال بعد ذلك.

حتى الطفلة التي تنجبها “رايتشل” من “روس” تأتي من علاقة قاما بها وهما منفصلان، لكن العلاقة تنتهي نهاية سعيدة برفض “رايتشل” السفر إلى باريس وتمسكها بالوجود مع “روس”.

ذلك هو المنحنى المضاد تمامًا لعلاقة “تشاندلر” و”مونيكا”، التي تبدأ من مبادرة يعرضها “تشاندلر” على “مونيكا” في حالة وصولها إلى سن الثلاثين دون زواج بأن يتزوجا، وهي المبادرة التي تسخر منها “مونيكا” ومن فكرة أن يجمعهما مكان واحد كمرتبطين، قبل أن تحدث بينهما علاقة جنسية في صباح زفاف “روس” الثاني (الفاشل).

حتى معرفة بقية الأصدقاء لعلاقتهما تأتي بالتدريج، ففي البداية يعرف “جوي”، ثم “رايتشل” و”فيبي”، وأخيرًا الأخ “روس”، ويأتي الارتباط الرسمي من زواج بعد فترة تساعد فيها “مونيكا” “تشاندلر” من التخلص من مخاوفه من المسؤوليات، حتى تصل علاقتهما إلى تبني طفلين بعد معرفتهما أنه لا أمل في أن ينجبا طفلاً، فيقرران بعد ذلك الاستقرار بمنزل في الريف بعيدًا عن ضوضاء المدينة لينشئوا الأطفال تنشئة صحية. 

ورغم مقارنة الجمهور بين كلتا العلاقتين، فإن صناع العمل لا يفضلون علاقة على الأخرى، فلكل علاقة سلبياتها وإيجابياتها، جانبها المظلم وجانبها الحميمي المرح، فمن ناحية لا توجد علاقة أكثر استقرارًا واستمرارية بالمسلسل من علاقة “مونيكا” و”تشاندلر”، لأنها علاقة يسودها العقل والنضج.

وعلى الجانب الآخر فمن الذي لا يحلم بعلاقة مثل علاقة “روس” و”رايتشل”؟ فهي تحمل زخْمًا أكبر، ومليئة بالمغامرات ومحاولات كل طرف إقناع الآخر بأنه كان أفضل خيار له، علاقة تمتزج فيها الغيرة بالإحساس بالذات والعناد، وهو ما يروق للشباب عمومًا.

ستجد نظيرك في “فريندز”

يبني كل من مارتا كوفمان وديفين كرين عامل جذب آخر يتمثل في وجود صفة المبالغة بالشخصيات، ما يعطيها الطابع الكوميدي، فلكل شخصية سمة مميزة، ويجب أن تكون الصفة المبالغ فيها صفة عامة، فيتميز “روس” مثلاً بعدد مرات طلاقه الكثيرة نسبيًّا، والتي تدل على عدم نضجه في العلاقات، و”رايشتل” محبة للأناقة والموضة، و”جوي” عاشق للطعام والنساء، و”فيبي” ذوقها غريب في كل شيء، خصوصًا ميولها النباتية وحبها للبيئة، و”تشاندلر” لا يكف عن إلقاء النكات والسخرية أيًّا كان الموقف، و”مونيكا” مهووسة بالنظام والنظافة.

وجود تلك الصفات بنحو زائد وإلقاء الضوء عليها يجعل المتابع قادرًا على إيجاد رابط عاطفي مع إحدى تلك الشخصيات، نابع عن تشابه معها بالصفات، أو أن تكون شخصيته وسماته مزيجًا بين صفات مميزة لأكثر من شخصية، فيتوحد أكثر مع تلك الشخصية أو الشخصيات المشابهة له، ما يزيد ارتباطه بالمسلسل. 

مشهد من المسلسل

اللغة المحكية والبصرية

يوجد الكثير من الفنيات التي ميزت المسلسل وخلقت تلك العلاقة الحميمية بينه وبين متابعيه، بدءًا من اللغة، سنجد أن غالب الجمل الحوارية معتمد على الفكاهة الممتزجة بالمحتوى الجنسي عبر مزيج من الإيحاءات المتوارية والنكات البذيئة مباشرةً، مع التخلي عن أي تكلف أو مبالغة في التعبير عن المشاعر، ما أعطى الحوار سلاسة وقبولاً لدى الجمهور المستهدف، جمهور الفئة العمرية ما بين العشرين والثلاثين وهو جمهور يعج بالطاقة، فالفرد في هذه المرحلة العمرية في أوج نشاطه الجسدي والهرموني، والعديد من الأطباء والخبراء النفسيين يحذر من كبت تلك الطاقة وتأثير ذلك الكبت سلبيًّا على المستوى العضوي والنفسي.

لذا فمن الطبيعي أن تروق تلك اللغة لذلك الجمهور، خاصة لو كان من خلفية محافظة، لأن المسلسل سيكون فرصة للاستمتاع عن طريق المشاهدة بوجود نظير مقارب عمريًّا يقوم بما يعجز هو عن القيام به إن كان بالقول الحامل لإيحاءات جنسية مباشرة أو بالفعل الجسدي. 

يعتمد المسلسل أيضًا، في المستوى البصري، على تثبيت أماكن التصوير التي تنتقل من شقق الأصدقاء الستة إلى مواقع عملهم أو مقهى (سينترال بيرك) والشارع المجاور له، ويخلق ذلك حالة من الألفة والتعود لدى المتلقي، فيمكنه الترميز مع كل تفصيلة بتلك الأماكن، التي يتعامل معها كبيت افتراضي له.

حتى عندما تنتقل الشخصيات إلى مواقع مختلفة في الحلقات الأخيرة لكل موسم (والتي غالبًا لا تزيد على 3 حلقات) يكون صناع العمل حريصين للغاية على توزيع الشخصيات على كل منطقة بلوكيشن التصوير، وخلق قصة ومغامرة لكل شخصية مع المنطقة التي يرتبط بها (الغرفة بالنسبة إلى روس ورايتشيل في لاس فيجاس) ويكون إيقاع تلك الحلقات أسرع من ناحية تتابع الأحداث.

جمهور "فريندز"

الجمهور لاعب رئيس

جعلتنا الكورونا وإجراءاتها الاحترازية نشعر بأهمية الجمهور ووجوده بالإستادات المختلفة، فرأينا كيف صار “الكامب نو”، قلعة نادي برشلونة الحصينة، إستادًا هادئًا كإستاد نادٍ يلعب بالدرجة الثانية في الدوري الإسباني، وكيف صارت المباريات من دون جمهور بلا أي روح، حتى التنس، رغم كونه لعبة فردية، تأثر بعدم وجود الجمهور.

كذلك لا يمكن تخيل مسلسل “فريندز” دون صوت الجمهور الضاحك، فذلك العنصر في علاقة الجمهور بالـ”سِت كوم” لا يمكن تعويضه، فهو عنصر رئيس في عملية الإضحاك، رغم أنه يعد مأخذًا يستعمله البعض في التهكم والسخرية من المسلسل.

وفي المحصلة تبقى علاقة متابعي ومحبي “فريندز” لغزًا يصعب الوصول إلى كل أسراره، فالمسلسل أحد ظواهر الثقافة الشعبية الأهم والأبرز خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، والتي كلما ظن البعض أن ظواهر وأعمالاً تجارية أخرى ستنافسه في التأثير وتحل محله، يظل مهيمنًا.

لقد خلق “فريندز” مساحة لتفريغ الهموم والتخلص -ولو لمدة قصيرة- من مشاق الحياة وضغوطها، تبدأ مع أول لحن لأغنية تتر البداية ستجدني حين تحتاجني، وتنتهي مع المشهد الختامي الذي يأتي بعد تتر النهاية، وقد لا تنتهي عند تلك النقطة، فتمتد بك الرحلة لمشاهدة موسم أو موسمين كاملين في جلسة واحدة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

يوسف الحريري

كاتب مصري

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram