زوايا

استنساخ الماموث.. متى نعيد إحياء أجدادنا البشر؟

قد تبدو بعض الأفكار العلمية في بدايتها طفولية وخيالية، لكنها سرعان ما تتحول إلى حقيقة ملموسة، فكلنا يتذكر كيف تضاعف اهتمام الناس بالديناصورات منذ بداية العرض الأول لسلسة ‏أفلام ‏‏”جوراسيك بارك“، والتي بدأها المخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرج، وما تلاها من أفلام.

وتضاعف اهتمام العلماء ‏والباحثين بدراسات الاستنساخ، بعد رواج أفلام الخيال العلمي التي تناولت فكرة استنساخ الحيوانات المنقرضة، وسعوا لاستغلال هيام الناس بهذا العالم الغريب لجمع التبرعات، ولإرسال بعثات ‏للبحث والتنقيب عن الكائنات المنقرضة في جميع أنحاء العالم‎.‎

ومع بزوغ عصر الاستنساخ، حلم العلماء بإنشاء حديقة لحيوانات ما ‏قبل التاريخ، وما زال الأمل يراودهم لاستنساخ الكائنات المنقرضة، ويتجدد ‏الأمل يومًا بعد يوم مع التقدم العلمي المتسارع في مجالات الاستنساخ والجينوم (كامل المحتوى الوراثي للكائن الحي) والتحرير الجيني، ونجاح التجارب العملية الحديثة التي تضع حلولًا جديدة للعقبات ‏التقنية التي حالت في السابق دون تحقيق هذا الأمل.

ما حدث مؤخرًا، أن علماء نجحوا في فك تسلسل جينوم حيوان الماموث المنقرض، وكان الماموث حيوانا ثدييا ضخما، ويعتبر جد الفيل الذي نعرفه حاليًا.. كان جسد الماموث مغطى بشعر كثيف، وقد عاش خلال العصر ‏الجليدي قبل آلاف السنين.

والمقصود بهذا الأمر، التعرف على الشفرة الوراثية لكامل المحتوى الوراثي للحيوان، وهي عبارة عن حروف مكتوبة بلغة الوراثة، ومحفوظة داخل الحمض النووي (DNA)، ما جدد الأمل لدى العلماء أن ينجحوا في إيقاظ الماموث وإعادته إلى الحياة مرة أخري.‏

الماموث

التاريخ الجينومي للماموث

قبل نحو 700 ألف سنة، وفي سيبيريا، ظهر لأول مرة الماموث الصوفي الذي يماثل في حجمه الفيلة الحديثة، لكن جسمه كان يغطيه وبر بني طويل وكثيف، مع خرطوم ضخم. وانتشرت عشائره لتصل إلى المناطق الشمالية من أوراسيا وأمريكا الشمالية.

وفي مايو 2007، اكتشفت جثة أنثى ماموث عمرها شهر واحد، وذلك في طبقة من الجليد بروسيا، حيث دفنت لنحو 10 آلاف سنة.. وآنذاك، رفض العلماء الروس فكرة استنساخ الحيوان.

ثم في عام 2013، قطع العلماء مساحة جليدية واسعة في سهول سيبيريا، للوصول إلى أرض جزيرة مالي لياخوفسكي في أقصى الشمال، التي كان شائعًا عنها احتواؤها لآثار ماموث في ترتبها المتجمدة.

حينذاك عثر العلماء على نابين عملاقين ظاهرين فوق سطح الأرض. وعندما حفروا حولهما، وجدوا جثة ماموث شبه كاملة، بثلاثة أرجل وأجزاء من الرأس والجذع، كما وجدوا سائلًا أحمر داكن، قد يكون من دم الماموث، الذي عثر عليه العلماء في حالة شبه طازجة.

تعطي بقايا الماموث الصوفية الروسية بصيص أمل في استنساخه

بعدها أخذ باحثون من إحدى جامعات سيبيريا الروسية، الجثة، إلى مدينة ياكوتسك بروسيا، واستخدم الفريق العلمي، الكربونَ لتحديد عمر الحيوان، فوجدوا أنه عاش قبل نحو 40 ألف سنة.

وكشفت التحليلات الكيميائية للدماء، أن خلايا الدم قد تكسرت، لكن مع تكثيف البحوث توصل العلماء لكميات كافية من الحمض النووي غير التالف، لكنهم مع ذلك لم يعثروا على نسخة كاملة من جينوم الحيوان العملاق، غير أن الأنسجة كشفت عن بعض السلاسل الجينية الطويلة جدًا التي يمكن تجميعها لإعادة الجينيوم الكامل.

بعد ذلك قارن ‏الباحثون ‏الحمض النووي لاثنين من حيوانات الماموث الصوفي، عثر على ‏جثتيهما متجمدتين تحت الجليد، واحد منهما ‏عاش في شمال شرق سيبيريا قبل ‏‏44800 سنة، والآخر في جزيرة‎ رانجل، بالمحيط القطبي الشمالي، ‎منذ 4300 سنة.

أظهرت نتائج الدراسة التي نشرتها دورية‎ “كارنت بيولوجي”، حدوث اثنين من التقلصات الهائلة ‏في أعداد هذه الحيوانات، واحد منهما منذ نحو 300 ألف سنة، والأخر منذ نحو ‏‏12 ألف سنة، في نهاية العصر الجليدي الأخير. و‏يؤكد الباحثون أن الفحص الدقيق للبيانات يمكن أن يساعد في فهم الكيفية التي انقرضت بها ‏هذه المخلوقات، وكيف انفصل الماموث عن فصيلة الفيلة الحديثة. ‏

وفي بحث منشور بدورية نيتشر، منتصف الشهر الماضي، أفاد الباحثون تمكنهم من الحصول على البيانات الخاصة بالجينوم الكامل لحيوان الماموث، وهي مُستخلَصة من ثلاث عينات لهذا الحيوان، وتعود إلى حقبتين فرعيتين، هما: الحقبة البلاستوسينية المبكرة، والبلاستوسينية الوسيطة. ويزيد عُمر اثنتين من هذه العينات الثلاث على مليون سنة.

وقد اكتشف الباحثون سلالتين مختلفتين من الماموث، في منطقة شرق سيبيريا، خلال العصر البلاستوسيني المبكر، ونتج عن إحدى هاتين السلالتين حيوان الماموث الصوفي، فيما تمثّل الأخرى سلالة لم تُكتشف من قبل، وكانت سلفًا لحيوانات الماموث الأولى التي استوطنت قارة أمريكا الشمالية.

وجد الباحثون أيضًا أن الماموث الكولومبي، الذي عاش في أمريكا الشمالية، اكتشب جينات أسلافه عبر عملية تهجين حدثت بين سلالتين، بنسب امتزاج شبه متساوية.. كان ذلك في العصر البلاستوسيني الوسيط.

هذه النتائج التي توصل لها العلماء، توضح قدرة علم الجينوم، على إفهامنا ظواهر نشوع الأنواع الجديدة، وعملية التطور على مدار آلاف السنين، فكما قال الباحثون: “من خلال حيوان واحد فقط، يمكننا الوصول لمعلومات عن ىباقي الفصيلة بأكملها”.

مستقبل الاستنساخ في عصر الجينوم

كل عمليات الاستنساخ الناجحة، منذ عملية استنساخ النعجة دوللي عام 1996، وحتى الآن، حدثت من خلال نزع خلية من حيوان بالغ، ووضعها داخل بويضة خالية، ثم استخدام مواد كيميائية وطاقة كهربائية لتحفيزها على التكاثر.

اعتقد العلماء عدم إمكانية استخدام خلايا مجمدة، لأن الجليد يتلف الحمض النووي. لكن علماء يابانيين، نجحوا في إجراء عملية استنساخ فئران ظلت مجمدة لـ16 عامًا، حيث توصلوا إلى أن الجليد لا يضر بالخلايا، إذ استطاعوا إجراء علمية استنساخ باستخدام خلايا المخ المأخذوة من فأرة حفظت جثتها في درجة 20 تحت الصفر.. وكانت هذه البداية التي فتحت باب أبحاث موسعة لاستنساخ كائنات منقرضة من بقايا متجمدة.

طرق بديلة لإحياء الماموث الصوفي

بعد التقدم العلمي الحديث في مجال الجينوم، صرف الباحثون النظر عن فكرة الاستنساخ المباشر لصعوبة الحصول على كميات كافية من جزيئات الحمض النووي تكون صالحة للاستخدام، وبدؤوا التفكير في سبل أخرى.

يفكر العلماء في استنساخ الماموث بطرق بديلة عبر رحم أنثى فيل
يفكر العلماء في استنساخ الماموث بطرق بديلة عبر رحم أنثى فيل

وجود بقايا الأنسجة الرخوة المجمدة والحمض النووي للماموث، ولّد فكرة إمكانية إعادة إنشاء الأنواع بالوسائل العلمية. واقترحت طرق عدة لتحقيق ذلك، مثل استخدام بويضات من أنثى فيل حالي لاستكمال عملية استنساخ الماموث.

يتطابق جينوم الماموث مع جينوم الفيل بنسبة 99%، لذا يسعى علماء إلى هندسة كائن هجين بين الفيل والماموث، سيتصف بسمات الماموث في المظهر الخارجي. وبعد أجيال عدة من هذا الكائن الهجين، سينتج ماموث نقي تقريبًا.

هل نحتاج فعلًا لإعادة الماموث للحياة؟

طالما حلم الكثيرون بإمكانية استخدام الحمض النووي القديم لإعادة الحيوانات المنقرضة إلى الحياة، إلا أن معظم العلماء يشكون في إمكانية تحقيق ذلك، لأن التغيرات التي تحدث في الجينوم بعد الموت، تشكل تحديًا كبيرًا أمام هذا الإنجاز، لكن هذه البحوث قد تقدم المادة الخام لاستنساخ الماموث، وإعادته مرة أخرى إلى الحياة هو وغيره من الحيوانات الثديية المجمدة المنقرضة بالفعل.

تبرز هنا أسئلة هامة، مثل: هل من السهل استنساخ مثل هذه الحيوانات المنقرضة؟ أو هل يمكن استنساخ إنسان النياندرتاليون الذي عاش قبل نحو 30 ألف سنة؟

إجماع العلماء أن الإنجازات الحديثة ليست إلا خطوة للأمام في طريق طويلة ومكلفة لاستنساخ حيوان منقرض بشكل كامل بناءً على معلومات الجينوم الخاص به. فرغم امتلاك العلماء جزءًا كبيرًا من جينوم الماموث، فإن به أخطاءً في الرموز.

يشبه علماء الأمر بـ”محاولة صناعة سيارة بـ80% فقط من الأجزاء المكونة، مع العلم أن بعض هذه الأجزاء غير صالحة للعمل أصلًا”، لكن، قبل مساعي إعادة إحياء الماموث بالهندسة الجينية، هل استنساخ الكائنات المنقرضة التي أتمت دورتها الطبيعية في الحياة، فكرة جيدة أصلًا؟

“من الممكن من الوجهة التقنية عما قريب إعادة بعث الماموث، إلا أنه موضوع لا يتعين علينا الإقدام عليه لأن الإنسان الحديث غير مسؤول عن انقراض الماموث، لذا فإنه غير مدين للطبيعة”، عالم الوراثة بجامعة شيكاغو، فينسنت لينش.

إجابة عن هذا السؤال، يرى باري فولير، أستاذ الأحياء بجامعة يونفيرستي كوليدج لندن، أن الأفضل من إهدار الجهود في استنساخ كائنات منقرضة، التركيز على حفظ الحيوانات الموجودة الآن بالفعل.

قطاع واسع من العلماء يتفقون مع هذه النظرة، ويفضلون توجيه الجهود للحفاظ على الكائنات الحالية المهددة بالانقراض، من أن تنقرض، معتبرين إعادة إحياء حيوانات منقرضة بالأمر غير الأخلاقي، والذي قد تكون له كلفة كبيرة على النظام البيئي.

آخرون يرون أنه إذا كان ممكنًا استنساخ حيوانات انقرضت، فالأولى استنساخ الحيوانات التي انقرضت حديثًا، على يد الإنسان، أو بسببه، مثل حيوان كواجا، شبيه الحمار الوحشي، الذي انقرض في ثمانينيات القرن الـ19. إنهم يعتبرون ذلك بمثابة رد اعتبار لهذه الحيوانات.

إنه عالم من الخيال بات تحققه وشيكًا، بإصرار علماء على المضي قدمًا في هذه الطريق الوعرة، والمثيرة للجدل.. والمستقبل وحده سيفصح عن النتائج.

د. طارق قابيل

أكاديمي، وكاتب ومترجم علمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى