ثقافة وفنمختارات

اسمها “مجول”: أسطورة صومالية غنّت للثورة وماما إفريقيا!

 

حنجرة ذهبية، ينطلق منها صوت له دفء الأرض وطزاجة العشب. يدفعك صوتها إلى ذكريات الطفولة، وتُشعرك أنك تخطو وحيدًا في جزيرة غير مأهولة بالبشر. اعتبرها الصوماليون ثروة قومية، واتفقوا على أن ذلك الصوت لن يتكرر مرة أخرى. وساد اعتقاد غريب بأن الرئيس الصومالي الأسبق أمر بأن تُنزع حنجرتها بعد وفاتها، وطلب من الأطباء فعل المستحيل لزرعها لمطربة شابة، حتى لا تخسر بلاده مثل هذا الصوت النادر.

اسمها حليمة خليف عمر، ولدت عام 1948 بالقرب من مدينة بلادوين، عاصمة إقليم هيران في وسط الصومال. نشأت في منطقة يعيش غالب سكانها على الرعي، الذي فرض عليهم حياة الترحال. يجوبون هضبة مرتفعة ومترامية الأطراف في مطاردة لا تنتهي للماء والعشب. يصل بعضهم إلى المناطق الحدودية ويتبادلون البضائع والثقافة مع بعض القبائل الإثيوبية.

مجول

الكون يغني

وفي تلك البيئة الصعبة، كانت عليهم مغالبة العزلة والشقاء بالغناء. لديهم موروث ضخم من أشعار الرُعاة وأغاني حداء الإبل. يتعاملون مع الماشية بالغناء، هناك أغنية تحث الماشية على إسراع الخط وأخرى في أثناء حلب لبنها، وثالثة تدفعهم نحو المرعى أو عين الماء.

نشأت حليمة بين جماعة تعتبر الغناء لغة تواصل مع البشر والكائنات الأخرى، وأداة لتخفيف الألم وزرع الهمة في النفوس في أثناء العمل. تعلمت إيقاعات ذلك العالم منذ أن كانت طفلة رضيعة، من تهويدات الأطفال التي تنشدها الأم والجدة والشقيقات الأكبر سنًّا. هناك أغنية تستدرج الأطفال للنوم، وأخرى تساعد المرهقين على الاسترخاء، وثالثة في أثناء طحن الحبوب، ورابعة تمنح الطعام نكهة فريدة، وخامسة تجعل من الأعمال المنزلية متعة خالصة. تنطلق الأصوات المُنغمة داخل البيوت وفي المراعي، وفي الأمسيات والأعراس والجنازات، عند الرحيل وحين العودة. الأطفال أيضًا يغنون عندما يساعدون الكبار في العمل، وحين يلعبون. الغناء جزء لا يتجزأ من طقوس اللعب، لا يختلف سوى إيقاعه من لعبة لأخرى.

الدراويش أيضًا لا يتوقفون عن الإنشاد. ولدت حليمة في دولة أغلب سكانها من المسلمين، وتنتشر فيها الحركات الصوفية بنحو ملحوظ. يُنشد الدراويش المدائح النبوية طوال العام، ولكنهم يضيفون صوتًا جديدًا إلى تلك السيمفونية الحية؛ صوت الدفوف. إيقاع أقوى وأكثر انتظامًا، يتفجر خاصة عند الاحتفال بالمولد النبوي وطوال شهر رمضان. يدخل صوت جديد في مواسم الحصاد والأعياد، هو صوت الطبول الإفريقية القوية وبعض الآلات الوترية البسيطة. حينها، يتحول الغناء إلى حالة من النشوة التي تحرر الروح، وتجعل الجسد البشري –حرفيًّا- في امتزاج مع الكون.

كانت حليمة مطربة بالفطرة، مثل غيرها من أطفال القرية، لكن صوتها العذب وقدرتها على الأداء جعلا منها محور أمسيات السمر حول النار. ربما واصلت حليمة حياتها في القرية كغيرها من الفتيات، إن لم تنتقل للإقامة عند أحد أقاربها في مدينة “هرجيسا”؛ عاصمة ما كان يُعرف وقتها باسم الصومال البريطاني. كان ابن عمها، محمد حاشي، هو صاحب الدفعة الأولى التي وضعتها على طريق المجد.

دورة الحياة

(1)- الميلاد (محل الميلاد والجنسية): هي حليمة خليف عُمر، وشهرتها مجول، ولدت في الصومال عام 1948.

(2)- التكوين في الأسرة النووية (نقوش الطفولة): عاشت حياة ريفية بسيطة في أسرة كبيرة ولم تحصل إلا على قدر يسير من التعليم. منذ طفولتها الأولى، تربت وسط أصوات الغناء في المنزل والشوارع والحقول.

(3)- التكوين الفني: الأهازيج الشعبية التي تُعد طقسًا يوميًّا في أثناء الأعمال المنزلية والتي تعمد على الإيقاعات الإفريقية، إضافة إلى بعض الحفلات الموسيقية التقليدية التي كانت تقام في قريتها في أعياد الحصاد والأعراس، وخصوصًا المدائح النبوية التي تقدمها الفرق الصوفية في الاحتفالات الدينية.

(4)- نقطة تحوُّل درامية في المشوار: التحول الفارق في حياتها هو انتقالها للعيش في منزل أحد أقاربها (محمد حاشي) آمن بموهبتها وساعدها في الانضمام إلى فرقة موسيقية وهي في العاشرة من عمرها.

(5)- الطفرة في المُنجز الموسيقي: تعد أهم مطربات الصومال وشرق إفريقيا على الإطلاق، وأسهمت في تطوير المسرح الغنائي الصومالي وأسست فرقة تحمل اسمها، لها شهرة واسعة في السودان، ولقبها السودانيون بـ”كوكب شرق إفريقيا”.

(6)- الوفاة: توفيت عام 2004، وكانت جنازتها أضخم جنازة في الصومال على الإطلاق.

نحو المجد

لاحظ حاشي جمال صوتها، وساعدها في الالتحاق بفرقة موسيقية صغيرة وهي بعد في العاشرة من عمرها. لكن المجتمع محافظ أكثر من اللازم، ويرفض غناء النساء. كان الفقهاء فقد أصدروا فتاوى عديدة بتحريم الغناء مشاركة النساء في الحياة العامة، وحاولوا الضغط لتنفيذ تلك الفتاوى. من جهة أخرى، ظهرت نزعة تقدمية تدعم الفن وتحاول منح النساء حقهن في الحياة، بدأت مع حركات التحرر الوطني. وفي مواجهة الضغوط الدينية والاجتماعية، استخدمت المطربات الصوماليات النقاب في ذلك الحين حتى لا يتعرف عليهن أحد، ويتحولن إلى وصمة عار في جبين الأسرة أو القبيلة. سوف تسمع الصوت دون أن ترى الملامح، لكي تظل هوية المطربة مجهولة.

أدرك الجمهور أن صوتًا مُختلفًا يقتحم آذانهم وصدورهم، وأصبح ذلك الصوت سببًا في نجاح الفرقة الصغيرة وتعدد رحلاتها إلى مدن صومالية أخرى ومعهم حليمة. واكبت تلك الرحلات انتباه رجال السياسة لأهمية الغناء في تأجيج المشاعر الوطنية وحشد الجماهير. ستصل الرسالة بسهولة عبر صوت ساحر يستنهض همم الرجال للدفاع عن أرض الأجداد والسعي للتحرر. ساعد هذا فرقة حليمة على السفر إلى العاصمة الحالية مقديشو وغيرها من المدن الصومالية، وضاعف من خبرتها وشهرتها. وكانت الخطوة التالية هي التقدم لاختبارات إذاعة هرجسيا ذات التأثير القوي في منتصف القرن العشرين.

“لقد وقف شعر رأسي وتجمد باقي أعضاء اللجنة في مقاعدهم”، هذا ما قاله رئيس لجنة اختبار الأصوات الجديدة في وصفه لحالة الذهول التي انتابته عند الاستماع لصوت حليمة. وكان مدير إذاعة هرجيسا، عبدي أيوب، داعمًا قويًّا للحركة الموسيقية ومؤمنًا بأهمية مشاركة المرأة، لذلك لم يتردد في تعينها على الفور كمطربة بأجر كامل، وكلّف عددًا من الشعراء والملحنين كتابة الأغاني لها. كما أقام مسابقة عامة لاختيار اسم يليق بهذا الصوت المتفرد. وفاز في المسابقة شاعر اسمه “يوسف قبلي”، الذي كتب قصيدة يصف فيها مشاعره حين سمع صوت حليمة، واستخدم الكلمة الصومالية مجول (تنطق أحيانًا مغول) والتي تعني أوراق الشجر اليانعة.

ومنذ تلك اللحظة، تحولت حليمة إلى المطربة “مجول”، وظل صوتها يانعًا على مدى أكثر من 40 عامًا بعد ذلك. وقبل أن تبدأ مجول الغناء، كان المذيع يقدمها بقوله: “والآن مع العندليب الساحر وجوهرة الطرب الصومالي، مجول”. وانطلق صوتها عبر الأثير للمرة الأولى في مطلع الستينات. أثار ذلك الصوت الجديد حالة من النشوة الجماعية، وتلقت الإذاعة عددًا كبيرًا من خطابات الاستحسان والسؤال عن اسم تلك المطربة المجهولة.

لم يكن الصوت الساحر هو وسيلتها الوحيدة في الوصول إلى قلوب الناس، فقد كانت تمتلك قدرة هائلة على استيعاب الكلمات واللحن والتفاعل معهما بإحساس مرهف، ما يحوّل الأغنية إلى حالة من النشوة التي تتجاوز الجسد وتخترق الروح. امتلكت كذلك قدرة كبيرة على الارتجال وتطويع الألحان على نحو متفرد. ولقد أثارت ذاكرتها القوية دهشة الجميع، فقد كانت تتذكر مئات الأغاني وتعيد على جمهورها أغنيات مضت على تسجيلها عشرات السنين، كما أظهرت حفلاتها الأخيرة قدرة فائقة على توظيف صوتها على نحو مؤثر على مدى 5 عقود من الغناء.

أتاحت لها الإذاعة فرصة للوصول إلى شرائح المجتمع، ولم يمر وقت طويل حتى أصبح صوتها أقوى تعبير عن الحب لدى الشعب الصومالي. ولكن سرعان ما صار صوتها أداة للدفاع عن الوطن في أثناء الحرب الصومالية الإثيوبية، ولعبت أغنيها “يا حارس الوطن لا تنام” دورًا كبيرًا في رفع الروح المعنوية وحث الجنود على القتال. وبفضل هذا الدور، تضاعف اهتمام رجال السياسة بالأغنية كأداة فعالة في توجيه الشعب.

لكن مجول لم تلعب دور خادم النظام الحاكم، فقد تغير موقفها فور إدراكها لإحباط الناس من حكومات ما بعد الاستقلال، وحققت أغنيتها “زهرة سقطت عليها أمطار الربيع” نجاحًا ساحقًا لما تحمل من نقد مُبطن للنخبة السياسية الفاسدة، وصارت أول أغنية ذات طابع سياسي في تاريخ الصومال. كانت الفتاة -في الأغنية- تلوم حبيبها الذي خانها، وتعقد مقارنة بين حياة البذخ التي يعيشها وما تعانيه من بؤس وحرمان. واعتبرها الشعب هجومًا على رئيس الدولة في ذلك الحين، عبد الله عثمان.

شخصية المكان

(1)- مكان الميلاد: ولدت في إقليم هيران وسط
الصومال.

(2) – أثرُ المكان: السياقات الاجتماعية والثقافية المحيطة: كان النشاط الرئيس لقرية مجول هو الرعي، ما استتبعه من حياة الترحال التي تتيح للفرد التعرف على ثقافات مختلفة. أثر وجود فرق صوفية في المنطقة في نزعة مجول بعد ذلك في أداء الكثير من الأغنيات الدينية.

(3)- أمكنة مُفضلة في نفس مَجول، وأمكنة الترحال والمنفى، وأثر المنفى في مشوارها الغنائي: عقب التحاقها بأول فرقة موسيقية، انتقلت مجول للإقامة في مدينة هرجيسا (كانت عاصمة إقليم الصومال البريطاني حتى 1960). سافرت في جولات فنية عديدة في السودان وتأثرت بالفن السوداني. اختارت القاهرة كمنفى لها، وانطلقت منها في جولات فنية في بعض الدول العربية، ثم انتقلت للإقامة في العاصمة الهولندية أمستردام. منحها السفر فرصة الاطلاع على الموسيقى العربية والغربية، كما منحها شهرة واسعة.

أغنية السبات الأفريقي

وبعد أن تفردت مجول على قمة الساحة الغنائية وحصلت على لقب “نجمة شرق إفريقيا”، قررت تأسيس فرقة مسرحية تحمل اسمها، وأصبحت من أهم رائدات المسرح الغنائي. أنتجت أكثر من 10 مسرحيات غنائية ناجحة، وتحول بعض أغاني تلك المسرحيات إلى منشورات سياسية ضد النظام القمعي. ولكن تظل لحظة المجد الأهم في مسيرة مجول هي أداء أغنيتها الشهيرة “السبات الإفريقي” أمام زعماء دول القارة السمراء في اجتماع قمة الدول الإفريقية. تهاجم تلك الأغنية الاستعمار ومحاولات الهيمنة الغربية على مقدرات دول إفريقيا، كما تطالب أبطال إفريقيا بالنهوض من السبات واستكمال تحرير دولهم.

التأثير السوداني

اعتمدت الموسيقى الصومالية على الألحان التقليدية البسيطة إفريقية الطابع، والتي لا تحتاج إلا إلى بعض الطبول وآلات النفخ والآلات الوترية. ويمكن اعتبار الألحان، قبل أربعينات القرن الماضي، مجرد خلفية موسيقية للكلمات، إذ كانت للشِّعر اليد العليا. وأوضح مثل على ذلك هو أغاني “القرامي” التقليدية، فقد كان المطرب يغني قصائد طويلة بمصاحبة آلة العود فقط. واعتمدت تلك الألحان على السلم الخماسي (سلم موسيقي يتكون من 5 نغمات فقط مقارنة بالسلم السباعي) الذي ينتشر في منطقة النوبة والسودان وشرق إفريقيا.

لعب السلم الخماسي الدور الأبرز في التقارب بين الموسيقى السودانية والصومالية، واستقبل الصوماليون العديد من الفرق الموسيقية السودانية بداية من عام 1964. وكان لحفلات تلك الفرق تأثير كبير على الفنانين الصوماليين، الذين استعاروا آلات ونغمات عدة من الموسيقى السودانية المُطعمة بنكهة الموسيقى العربية.

حين سمع أعضاء الفرق السودانية صوت مجول، طلبوا منها الغناء معهم. وافقت على الفور في محاولة للاستفادة من التجربة السودانية، الأكثر تطورًا، في دعم مشروعها الفني. ساعدها ذلك في إدخال تعديلات كبيرة على طبيعة ألحانها، كما تعلمت الكثير من طريقة أداء المطربين السودانيين.

أقامت مجول عددًا من الحفلات في السودان، وغنّت بعض الأغاني باللغة العربية؛ أشهرها على الإطلاق قصيدة “أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقٍ” للشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري. وحققت تلك الحفلات نجاحًا منقطع النظير. لقد سحرت الجمهور السوداني بجمال صوتها، فأطلقوا عليها لقب “كوكب شرق إفريقيا”، تعبيرًا عن مدى جمال صوتها وثراء تجربتها على نحو يجعلها معادلاً إفريقيًّا لكوكب الشرق أم كلثوم.

ومن الطريف أن مجول تلقت رسالة مكتوبة بالدم من مُعجب سوداني عقب إحدى حفلاتها في مدينة الخرطوم، ولجأت للشاعر الصومالي الكبير محمد حضراوي ليترجم لها الرسالة. استلهم حضراوي من تلك الرسالة وكتب قصيدة شهيرة بعنوان “هل تُكتب رسائل الحب بالدم”، والتي غنتها مجول بعد ذلك. وكانت تلك الرسالة بداية لعلاقة فنية بين مجول وحضرواي، وشكّلا معًا ثنائيًّا فنيًّا وثوريًّا، على غرار الثنائي المصري الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، في مواجهة الديكتاتورية العسكرية.

وفي سعيها لتطوير مشروعها الفني، اتجهت مجول إلى القاهرة عام 1970 لتقابل أم كلثوم وتتعرف على الموسيقى العربية. صحيح أنها لم تتمكن من مقابلة كوكب الشرق، إلا أنها قابلت بعض المطربين والملحنين المصريين، من بينهم الموسيقار الكبير فريد الأطرش.

لقطات

(1) – الموقف من العالم: أثبتت تجربة مجول الطويلة أن الفن قادر على التغيير، ليس تعبيرًا عن الحب فقط، ولكنه محاولة لفهم العالم وتغييره.

(2)- أشهر الأغنيات: أغنية “السبات الإفريقي” هي أشهر أغنيات مجول، وغنتها أمام زعماء إفريقيا في القمة الإفريقية عام 1974، وأغنية “أصبح الصبح” للشاعر السوداني محمد الفيتوري.

(3)- طقوس خاصة جدًّا (أسلوب الأداء وطبيعة الصوت): امتلكت قدرة هائلة على استيعاب الكلمات واللحن والتفاعل معهما بإحساس مرهف، ما يحوّل الأغنية إلى حالة من النشوة التي تتجاوز الجسد وتخترق الروح. امتلكت كذلك قدرة كبيرة على الارتجال وتطويع الألحان على نحو متفرد.

التجربة الثورية

توازيًا مع تطورها الفني، تطورت مواقف مجول السياسية وفقًا للمتغيرات على الساحة الصومالية. ومن أشهر أغنياتها تلك التي انتقدت الإطاحة بالحكومة المدنية على يد الانقلاب العسكري بقيادة “سياد بري” عام 1969. واستمرت أغاني مجول في تحدي الحكومة العسكرية الجديدة لبعض الوقت، إلا أن النظام الجديد نجح في الهيمنة على الحركة الثقافية والفنية في البلاد، من خلال الاعتقالات والسيطرة على الإذاعة الوطنية والرقابة على الأعمال الفنية، وإنشاء العديد من الفرق الموسيقية والمسرحية التي كانت مهمتها الأولى الدفاع عن الدولة.

رفضت مجول مُجاراة الموجة الجديدة المؤيدة للطغمة العسكرية، ثم أدركت أنها في خطر عقب إلقاء القبض على حضراوي. اختارت المنفى هربًا من ذلك الواقع القاتم، وأعلنت أنها ستتجه إلى مصر في رحلة علاجية لكي تتمكن من الهرب، وحين وصلت إلى القاهرة أعلنت أنها تفضل المنفى على الخضوع للهيمنة الحكومية.

المنفى

قضت مجول سنوات المنفى في التنقل بين القاهرة والخرطوم وأبوظبي والعاصمة الهولندية أمستردام. اطلعت في تلك الفترة على أنماط مختلفة من الموسيقى الشرقية والغربية وحاولت تطوير أدواتها الفنية، مثل إدخال بعض النغمات الهندية إلى موسيقى أغانيها. أقامت كذلك عددًا من الحفلات للجاليات الصومالية والسودانية، إضافة إلى المشاركة في بعض المحافل الفنية الدولية.

والغريب أن الحكومة الصومالية سعت لإعادة مجول وأرسلت إليها عددًا من السفراء والمبعوثين لإقناعها بالعودة إلى مقديشو، إلا أنها كانت على قناعة بأنهم يستدرجونها إلى فخ، وكانت تتحرك في حذر شديد خوفًا من اختطافها على يد عناصر تابعة للحكومة. ربما كان سعي نظام مقديشو لإعادة مجول محاولة لاحتواء صوتها واستخدامه في خدمة النظام والحد من تأثيرها على الجاليات الصومالية في الخارج، وربما كان دليلاً على ما أشيع عن عشق رئيس الجمهورية، سياد بري، لصوتها رغم غضبه من أغانيها التحريضية ضده.

وفي عام 1987، استجابت مجول لدعوة الحكومة وعادت إلى الصومال بعد تراجع قبضة الدولة قليلاً. وعقب عودتها، أقامت حفلاً غنائيًّا في إستاد مقديشو، حضره أكثر من 160 ألف شخص، هم فقط من تمكنوا من الوصول إلى الإستاد. ويعد هذا الحفل هو الأكبر على الإطلاق في تاريخ الصومال، وربما إفريقيا. واحتفالاً بعودتها، أطلق عليها فنانو الصومال لقبًا جديدًا هو “أم الفن”، تعبيرًا عن مكانتها الشعبية والفنية الكبيرة وتقديرًا لدورها الأسطوري في حياة الشعب الصومالي.

وفي مارس/ آذار 2004، سافرت مجول إلى أمستردام لإجراء عملية جراحية ولكن وافتها المنية هناك. حظي جثمانها باستقبال شعبي وكانت جنازتها أضخم جنازة في تاريخ الصومال على الإطلاق. وعلى الرغم من الخلافات والنزاعات التي تمزق الصومال منذ عقود، يتفق الصوماليون كافة على شيء واحد: صوت مجول، الذي علمهم العشق والثورة.

 

 

نصر عبد الرحمن

روائي ومترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى