سياسة

اشتباكات السودان وإثيوبيا.. صمت رسمي وأصابع خفية

أثار انتشار أخبار اندلاع اشتباكات بالأسلحة الثقيلة بين الجيشين السوداني والإثيوبي، في المنطقة الحدودية بين البلدين، شكوكًا حول حقيقة وقوعها، في ظل التزام الجانبين الصمت حيال هذه الأنباء التي تناولتها وسائل إعلام عربية ودولية.

وخلال الأشهر الماضية، وقعت أعمال عنف في المنطقة الحدودية المشتركة بعد محاولة الجيش السوداني السيطرة على منطقة تابعة له، كانت خاضعة للسلطات الإثيوبية.

تقصت “ذات مصر” حقيقة وقوع هذه الاشتباكات بالتواصل مع مصادر سودانية وإثيوبية، ورصد الانعكاسات المحتملة لتجدد التوتر بين الجانبين على خلفية قضيدة سد النهضة، خاصة بعد الإعلان، قبل أيام، عن بدء أديس أبابا عملية الملء الثاني للسد.

اشتباكات السودان وإثيوبيا.. روايات متضاربة

مساء أمس الأربعاء، ظهرت أخبار عن وقوع اشتباكات بالأسلحة الثقيلة بين الجيشين السوداني والإثيوبي، في المنطقة الحدودية. في البداية التزم الطرفان الصمت. بعد بضع ساعات خرج أول تعليق سوداني عبر تعميم عسكري أُرسل في مجموعة تواصل على واتساب لصحفيين، يؤكد “هدوء الأحوال وعدم حدوث أي اشتباكات، وأن القوات المسلحة المنتشرة داخل الحدود السودانية، تؤدي عملها بصورة روتينية، دون التعرض لأية أعمال عدائية”.

اشتباكات السودان وإثيوبيا
تؤكد المصادر أن اشتباكات السودان وإثيوبيا بدأتها مليشيا إثيوبية غير نظامية

لكن مصدرًا سودانيًا مُقربًا من الحكومة السودانية، أكد في اتصال هاتفي مع “ذات مصر” وقوع اشتباكات بدأها الجانب الإثيوبي عبر “ميليشيات عسكرية” تابعة له، وليس من خلال جنود الجيش.

وحدد المصدر السوداني المُقيم في العاصمة الخرطوم، موعد ومكان وقوع الاشتباكات: “بدأت الثلاثاء في منطقة دلوكة”، قائلًا إن القوات المسلحة السودانية تصدت للهجوم الإثيوبي، قبل أن يعزز الجيش الإثيوبي تواجده على الحدود، دون وقوع اشتباكات بين الجيشين.

اقرأ أيضًا: حرب جيران.. السودان يستكمل استعادة أراضيه من إثيوبيا

ورجح المصدر أن المليشيات التي اشتبكت مع الجيش السوداني، تابعة لقومية الأمهرا المنتشرة في منطقة الفشقة الحدودية، وتعرف هذه المليشيات بـ”الشفتة”.

وسبق لهذه الميليشيات، التي يستأجرها مزارعون إثيوبيون للدفاع عن أراضيهم محل النزاع مع الجانب السوداني؛ التسبب في اندلاع أحداث عنف واسعة، عقب قتلها 16 سودانيًا في عدد من القرى والمناطق الحدودية عام 2015، بالإضافة إلى قتلها امرأة سودانية رميًا بالرصاص وذبح طفلها الرضيع، وذلك بعد اختطافها في منطقة باسنده بولاية القضارف.

من جانبه، قال عبدالفتاح عرمان، الصحفي والباحث السوداني المُقيم في الخرطوم، في اتصال هاتفي مع “ذات مصر” إن تجدد الاشتباكات يأتي على خلفية انسحاب الوسطاء عن محاولة إشراك الجانبين في مفاوضات لنزع فتيل الأزمة على الحدود بين السودان وإثيوبيا.

واستبعد عرمان أن تقود الاشتباكات إلى حرب شاملة، خاصة مع تواجد القوات السودانية داخل حدودها، في منطقة الفشقة، وبسطها السيطرة على الأراضي السودانية المحتلة إثيوبيًا دون التوغل في الحدود الإثيوبية.

تداعيات الاشتباكات على أزمة سد النهضة

وقبل تداول أخبار الاشتباكات المسلحة بين الجانبين السوداني والإثيوبي بثلاثة أيام على الأقل، كانت عناصر من القوات المسلحة المصرية وصلت إلى السودان للمشاركة في تدريب “حماة النيل”، بقوات برية وبحرية وجوية. جاء ذلك في ظل توتر علاقات القاهرة والخرطوم مع أديس أبابا، على خلفية إصرار إثيوبيا على بدء المرحلة الثانية من ملء سد النهضة دون اتفاق مع دول المصب.

“هذا التصعيد الإثيوبي قد يكون حيلة من أديس أبابا لشغل الرأي العام عن عملية ملء خزان السد”، حسب عرمان، الذي أشار إلى أن أطرافًا بالحكومة السودانية تعتقد أن عسكريين سودانيين يرغبون في تصعيد الأوضاع على الحدود مع إثيوبيا، لدفع الحكومة إلى الاصطفاف مع الجانب المصري، خاصة مع “العلاقات الممتازة”، بتعبير عرمان، والتي تجمع بين مجلس الوزراء السوداني ورئيسه الدكتور عبد الله حمدوك، مع نظيره الإثيوبي الذي كان وسيطًا فيي تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين عقب الإطاحة بنظام البشير.

سد النهضة
لا يرجح تطور “المناوشات” إلى استهداف عسكري لسد النهضة

في المقابل، يُرجع الباحث والصحفي الإثيوبي عبدالمعين عبدالسلام، تسريب أخبار الاشتباكات، و”تهويلها”؛ إلى “محاولة بعض الأطراف إشعال فتيل الأزمة بين أديس أبابا والخرطوم”، قائلًا إنه “ليس من مصلحة إثيوبيا التصعيد في ظل الضغوطات الداخلية والخارجية”.

وأضاف عبدالسلام في اتصال هاتفي مع “ذات مصر” أن التوتر قائم في منطقة الفشقة الكبرى المحاذية للشريط الحدودي مع إثيوبيا منذ استعادة القوات السودانية بعض أراضيها الواقعة بالمنطقة، والتي كان يستخدمها بعض المزارعين الإثيوبيين.

ويرى عبدالسلام أن الاشتباكات في المنطقة الحدودية بين الجانبين ستظل مستمرة، طالما أن الصراع في إقليم تيجراي بين القوات الحكومية والمتمردين قائم، مع عدم السيطرة على الصراعات الإثنية جنوبًا وشرقًا وغربًا، فضلًا عن الفشل في الوصول لحل في أزمة سد النهضة: “هذه أمور تغذي النزاع الحدودي، وتستثمر في إشعال الأحداث بطرق غير مباشرة”.

يتفق عبدالسلام مع عرمان في أن المليشيات الأمهرية (الشفتة) تقف وراء تفجير الأوضاع بالاشتباك مع القوات السودانية، غير أنه يُرجع ذلك إلى “عجز السلطات الإثيوبية عن السيطرة عليها”، جنبًا إلى جنب مع “محاولة أطراف غير مباشر تغذية النزاع، بدفع هذه المليشيات للمواجهة مع القوات السودانية بين الحين والآخر”، بحسب عبدالسلام.

وتضم هذه الميليشيات عناصر من قوميتي “ولغاييت” و”أمهرا“. وتتمتع بخبرة قتالية ومعرفة واسعة بالدروب والمناطق الجبلية في منطقة الفشقة. كما أنها تمتلك أسلحة ثقيلة ومتطورة. وتعرف هذه المليشيات بمناوءتها للحكومة الإثيوبية.

وعلى كل، يتفق الباحثان السوداني والإثيوبي، عبدالفتاح عرمان وعبدالمعين عبدالسلام، على استبعاد تطور ما أسماها بـ”المناوشات” إلى حرب بين البلدين، قد تنتقل للداخل الإثيوبي أو تتسبب في استهداف عسكري لسد النهضة. وأكدا أن هذه “المناوشات” لا تتعد كونها وسيلة ضغط، وأن مساعي حل أزمة السد لن تتجاوز المسار السياسي.

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى