"اشغلوا الجيش"

دبلوماسية تركيا.. أردوغان يفضلها عسكرية

مُنيت السياسة الخارجية التركية في العامين الماضيين، بمشكلات بنيوية خطيرة على نحوٍ أدى إلى تآكل قدراتها في إدارة الأزمات وحلها.

ففي مطلع شهر سبتمبر/أيلول الحالي، كانت وسائل الإعلام التركية تقرع طبول الحرب على خلفية تصاعد التوترات التركية مع اليونان، بشأن الخلافات حول الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.

التصعيد لا يزال مستمرًّا بين تركيا واليونان

وضجّت وسائل الإعلام الموالية للحكومة على وجه الخصوص بالتعليقات حول تفوق القوة العسكرية لتركيا على نظيرتها اليونانية، وكيف ستنتصر تركيا بسهولة في الحرب المحتملة مع جارتها. والآن، يشيد المعلقون ذاتهم، الموالون للحكومة، والجنرالات المتقاعدون، بفضائل الدبلوماسية والحوار، ويتهمون في ذات الوقت أولئك الذين فشلوا في تغيير إيقاع الحديث عن الحرب بإثارة التوترات، وتشجيع حالة الحرب بين البلدين.

أصبح مثل هذه التحولات المفاجئة في قضايا رئيسة تتعلق بالمصلحة الوطنية متكررًا على نحو مقلق في تركيا منذ أن استحوذ رجب طيب أردوغان على صلاحيات تنفيذية موسعة لمنصب الرئيس عام 2018، ما يدل على أن سياسة أنقرة الخارجية قد وقعت في فخ المدى القصير وأصبحت، على نحو متزايد، لا يمكن التنبؤ بها.

ميكروفونات متعددة

إضافة إلى ذلك، يشعر كل شخص في أنقرة تقريبًا بأن له حق الخوض في مسائل السياسة الخارجية، فالمتحدث باسم الرئيس ومدير الاتصالات في الرئاسة التركية ووزراء الدفاع والاقتصاد والطاقة، وحتى الداخلية، مستعدون جميعًا للإدلاء بتصريحات بسهولة، وبات التحريض ضد خصوم تركيا أمرًا شائعًا للغاية في أنقرة اليوم.

ويبدو أن صخب السياسة الخارجية أصبح طريقة سهلة لأعضاء حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، لتلميع صورهم وتعزيز حياتهم السياسية، لأنها عادة ما تكون خالية من المخاطر، وذات عوائد شعبوية عالية.

وفي وسط هذه التحولات المتكررة والرسائل المتضادة، دخلت السياسة الخارجية في أنقرة اليوم حالة من التناقض والارتباك. ففي العامين الماضيين، ادعى أردوغان أن له الفضل في أي تحركات جريئة في السياسة الخارجية التركية، بما في ذلك العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا، في أكتوبر/تشرين الأول 2019، واتفاق ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا في الشهر التالي، والجهود المبذولة لترسيخ الوجود التركي في إفريقيا وشرق المتوسط.

الرئيس التركي، رجب أردوغان

ولكن لا نجد أحدًا يدّعي تحمل المسؤولية أمام الشعب التركي، عندما يتعلق الأمر بالأحداث التي لا يُسلط عليها الضوء كثيرًا، مثل ردة فعل واشنطن على شراء أنقرة أنظمة دفاع جوي روسية، أو رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شديدة اللهجة إلى أردوغان بشأن سوريا، أو مقتل 36 جنديًا تركيًا في غارة في محافظة إدلب، أو عسكرة اليونان لجزر بحر إيجه قرب شواطئ تركيا.

وباختصار، أصبحت قضايا الشؤون الخارجية أداة لتلميع صورة أردوغان، ما أدى إلى اعتماد سياسة خارجية شخصية للغاية.

في 17 سبتمبر/أيلول الحالي، على سبيل المثال، وصف المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، قرار أنقرة بتعليق أنشطة التنقيب عن الغاز في المياه المتنازع عليها في البحر الأبيض المتوسط، ​​كمبادرة شخصية من أردوغان تجاه اليونان، قائلاً:

“لقد أعطى رئيسنا فرصة للدبلوماسية مرة أخرى، ونأمل أن يستغل الجانب اليوناني هذه الفرصة لدفع المحادثات قُدمًا”.

سياسة استقطابية

وتتجلى إحدى التداعيات الخطيرة لنهج أردوغان في السياسة الخارجية، والتي أصبحت تعكس أسلوبه المزاجي والاستقطابي في السياسة الداخلية، في تآكل صنع القرار المؤسسي والأداء في قضايا السياسة الخارجية.

لقد تضررت القدرة المؤسسية لوزارة الخارجية بقدر كبير، وتعرضت للتسييس على نحو مفرط، بما في ذلك عمليات المحاباة في التعيينات والترقيات الوظيفية.

ومنذ عام 2018 اتسعت الفجوة بين أحلام أنقرة أو رغباتها، وبين الواقع القائم على الأرض أو السياسة الواقعية أيضًا.

فقد تابعت أنقرة أحلام سياسة “إفساد اللعب” على الآخرين، بدلاً من اعتماد سياسة خارجية تقوم على قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

لم تكن النزعة الدفاعية المحافظة للسياسة الخارجية التركية في ما مضى أفضل مثال على ما يمكن أن تفعله تركيا، ولكن سياستها الخارجية الهجومية والجذرية الحالية تخلو من اعتماد إستراتيجية كبرى أو طموحات مطابقة لقدراتها، ما يجعلها سياسة محفوفة بالمخاطر للغاية.

وبسبب فشلها في تطوير إطار عمل واقعي وعقلاني وإستراتيجي، عانت تركيا من العزلة على نحو متزايد، وتحاول التعويض عن عزلتها الخطيرة بالنشاط العسكري الجذري.

حتى عام 2010 استخدمت أنقرة الأنشطة العسكرية بقدر محدود لإدارة بيئة معقدة ومتعددة التهديدات، وكانت أولويتها الرئيسة هي الصراع الداخلي المستمر منذ أربعة عقود مع “حزب العمال الكردستاني” المحظور.

استُخدِمت الدبلوماسية وسياسة الردع لتجميد حالة التنافس في شرق المتوسط ​​وفي الصراع القبرصي، ومنذ صيف 2018 بدأ هذا النهج يتغير عندما حاز أردوغان سلطات موسعة بموجب النظام الرئاسي التنفيذي الجديد.

الخارجية التركية
توتر مع أوروبا

إن تبنّي تركيا للأساليب الاستعراضية نابع من التحولات العميقة في بيئتها الخارجية ودينامياتها المحلية. فعلى الصعيد الخارجي، تناثرت تصورات أنقرة للتهديدات شرقًا وجنوبًا بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة في شرق المتوسط ​​والعراق وشمال إفريقيا وسوريا، بالإضافة إلى التنافس الإستراتيجي مع مصر وروسيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وقوى إقليمية أخرى.

على وجه الخصوص، انزعجت أنقرة من سلبية حلف الناتو تجاه ما يجري في محيطها الجنوبي، خلال الأزمة السورية التي أسهمت في إحداث فراغ أمني هناك.

ومن خلال الاعتماد على وحدات حماية الشعب الكردية، (الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني)، من أجل مجابهة “تنظيم الدولة الإسلامية”، تجاهلت القوى الغربية، أو رفضت، مخاوف تركيا المعروفة تجاه الأكراد.

أيضًا يسود شعور متنامٍ وراسخ بين النخبة الحاكمة التركية، بأن الكتلة الأمنية الغربية فشلت في دعم أنقرة بقدر كافٍ في أثناء وبعد محاولة الانقلاب التي وقعت في يوليو/تموز 2016.

الخارجية التركية وصوت المدافع

ساعد عدد من العوامل الداخلية أيضًا في عسكرة السياسة الخارجية التركية، فأولاً أصبحت السياسة الخارجية حجر زاوية في الأجندة السياسية لأنقرة منذ دخول النظام الرئاسي حيز التنفيذ، إذ تتمتع العمليات العسكرية في الخارج بدعم شعبي قوي وتساعد في الإبقاء على شعبية أردوغان، الذي ساعد تبنّيه خطابًا أكثر قومية في الداخل على تعزيز تحالفه القائم بالفعل مع حزب “الحركة القومية” المتطرف.

ثانيًا، يحظى الانتشار العسكري في الخارج بشعبية لدى القوات المسلحة ذاتها، لكونه يعزز الروح المعنوية والاستفادة من خلال الأجور الإضافية وفرص الترقي الوظيفية، ويوفر خبرة كبيرة في عمليات القوات المشتركة.

أما العامل المحلي الثالث لنهج تركيا العسكري المتزايد، فهو دورها في تنسيق العلاقات بين القيادة العسكرية والقيادة المدنية. وكلتا القيادتين تتفق على الحاجة إلى تعزيز القدرات العسكرية والصناعة الدفاعية التركية.

غلبة العسكرة على السياسة التركية الخارجية

وينصبّ أكبر اهتمام الجيش التركي على الأبعاد الفنية لهذا الاتفاق، كجزء من عملية التحول وإعادة الهيكلة المسماة برؤية 2033.

في الوقت ذاته، يحرص السياسيون على توظيف هذه القدرة والطاقة الجديدة في السياسة الداخلية والخارجية، كما يأملون أن يؤدي استمرار انشغال الجيش في الخارج إلى تسهيل عملية السيطرة المدنية على الجيش، فيركز الجنرالات على الشؤون الخارجية بدلاً من هموم الداخل.

أخيرًا، يسمح الازدهار في صناعات الدفاع التركية لأنقرة باتباع إستراتيجية أكثر استقلالية، وباستعراض أنظمتها الدفاعية بغرض التسويق الدولي.

ويمكن تلخيص المشكلات الرئيسة في السياسة الخارجية التركية اليوم على النحو التالي:

  • الافتقار إلى إستراتيجية كبرى، والوقوع في فخ الأمد القصير.
  • أصبحت السياسة الخارجية على نحو متزايد أداة للسياسة المحلية في الداخل، تشكلت من خلال نهج شعبوي يعطي الأولوية للاستهلاك المحلي، وبالتالي يجعل السياسة الخارجية تابعة للأجندة السياسية المحلية للحكومة.
  • تُردد السياسة الخارجية، على نحو مبالغ فيه، صدى نهج أردوغان الاستقطابي والشعبوي في الداخل.
  • أصبح مجال الشؤون الخارجية التركية متشابكًا مع التخطيط الوظيفي السياسي، فصار من السهل الآن تعيين الكوادر السياسية لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم سفراء، أو في مناصب خارجية أخرى.
  • تخلو عملية صنع القرار غالبًا من المشاورات الشاملة والشفافية، ما يؤدي إلى حالة من عدم التأكد والتعسف وعدم القدرة على التنبؤ في عملية صنع قرارات السياسة الخارجية.
  • تخوض جميع الشخصيات البارزة في أنقرة غمار الحديث عن قضايا السياسة الخارجية بجرأة، ما يؤدي غالبًا إلى تشويش الرسائل. وبالنسبة إلى الجهات الأجنبية الفاعلة، لا سيما تلك الموجودة في الغرب، قد يؤدي ذلك إلى وقوع ارتباك بشأن تحديد محاورهم من الجانب التركي، كما يفاقم تصورات أزمة الحكم والإدارة المُعمّقة في أنقرة.

كيف سيكون التفاعل مع أزمة شرق المتوسط في تركيا الأسبوع المقبل؟ هل سيبقى مؤيدًا لحالة الحوار أم يتجه نحو إثارة الحروب؟ تزداد صعوبة الإجابة عن مثل هذه الأسئلة، لأن 7 أيام أصبحت مدة طويلة جدًّا في السياسة الخارجية التركية الآن.

مؤلف المقال: Metin Gurcan
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram