سياسةمختارات

اصطدام ودعم وحياد.. أوراق إسلاميي الجزائر لمصارعة السلطة

 

عامٌ مضى على تولي الرئيس عبد المجيد تبون زمام السلطة في الجزائر، بعد الإطاحة بنظام عبد العزيز بوتفليقة، خيّم خلاله جدل كبير حول علاقة الإسلاميين بالسلطة الجديدة، وما إذا كان نظام تبون يدعم وجودهم على الساحة السياسية أم يستعد لإقصائهم.

السمة الأبرز لهذه العلاقة ظهرت في التباين الجلي في مواقف الإسلاميين إزاء سياسات النظام الجزائري الجديد، فتارة يدعم الإسلاميون مطالب الحراك الشعبي المُعارِض لـ”تبون”، وأخرى يُقدمون كامل الدعم والتأييد لقراراته ومحاولاته الإصلاحية، وثالثة ينقسمون على أنفسهم في موافقهم من قرارات مؤسسة الرئاسة، وهو ما بدا واضحًا للعيان في مواقفهم تجاه الدستور الجزائري منذ لحظة الإعلان عن تشكيل لجنة لتعديله.

مشهد من مظاهرات الجزائر ضد نظام بوتفليقة

مجاملة السلطة منذ اللحظة الأولى

قبل قرابة عام، ومع بدء التجهيز للانتخابات الرئاسية في الجزائر، كانت حركة مجتمع السلم، حمس، وهي أكبر الحركات الاسلامية والممثل الأبرز للإخوان المسلمين في الجزائر، أعلنت نيتها عدم المشاركة في الانتخابات بمرشح رئاسي أو دعم لأحد المرشحين، وقد اتخذت ذلك الموقف اعتراضًا على شروط تنظيم الانتخابات واعتبارها غير شفافة، وكذلك رفضًا لاستمرار رموز النظام السابق في السلطة، وكانت تلك الاعتراضات ذاتها التي قدمها الحراك الرافض للعملية الانتخابية في ذلك الحين، وبناءً عليه قاطعت الحركة الانتخابات.

وبمجرد ظهور نتائج الانتخابات التي أجريت في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، والتي فاز فيها “تبون” في الجولة الأولى، قدمت الحركة الدعم والتأييد له في محاولته الإصلاحية، واتجهت إلى التحالف مع السلطة الجديدة في محاولة جادة لخلق مكان لها في النظام السياسي الجديد.

وعليه أصدرت الحركة بيانًا دعت فيه الحراك للحوار مع السلطة وإمهالها الفرصة ودعمها في مساعيها ومحاولاتها الإصلاحية، وعدم التعجل في إصدار الأحكام، وبذلك تكون قد انقلبت على مطالب الحراك الذي كانت تؤيده وتدعمه في البداية، وهو ما اعتبره الحراك خيانة واضحة.

كذلك سارت “حركة البناء الوطني” على الدرب نفسه، حين أعلن المرشح الخاسر في الانتخابات الرئاسية، عبد القادر بن قرينا، استعداده للمشاركة في الحكومة حال توافر بعض الشروط، وتحوله إلى داعم لمسار السلطة السياسية وانخراط حركته في العمل السياسي الموالي للرئيس تبون.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

لجنة تعديل الدستور: بداية اصطدام الإسلاميين بالسلطة

كان “تبون” قد تعهّد فور فوزه في الانتخابات الرئاسية بمراجعة الدستور الجزائري وطرح المشروع للاستفتاء الشعبي لإصلاح ما أفسده نظام بوتفليقة، وعليه كلف لجنة من الخبراء تولت بدورها صياغة مسودة دستور جديد في 8 يناير/كانون الثاني من العام الحالي.

هذا ما أجج مواقف متباينة مال أكثرها للتحفظ من جانب قوى سياسية ومدنية وإسلامية، ففي الوقت الذي انتظرت فيه القوى السياسية إعلان تبون عن اللحظة التي سيبدأ فيها الحوار السياسي مع القوى الشعبية لصياغة خطى المرحلة المقبلة، والتوافق حولها من أجل صياغة دستور جديد، يمنح الفرصة لتغيير شامل وجذري للنظام السياسي، كانت المفاجأة للجميع باتخاذ موقفًا مغايرًا وتشكيله اللجنة من تلقاء نفسه.

ذلك القرار اعتبرته القوى السياسية، وعلى رأسهم الإسلاميون، خطوة سابقة لأوانها، وكان من المفترض الدخول في حوار جاد تقدم خلاله كل المقترحات ذات الصلة بتغيير النظام، في خطوة وصفتها المعارضة بـ”وضع العربة أمام الحصان”.

لم يكن ذلك السبب الوحيد، الذي رفض من أجله الإسلاميون قرار تبون، بل كان المبرر الرئيس هو عدم توازن تركيبة اللجنة وعدم تمثيل التيار الإسلامي واستبعاده من اللجنة، في مقابل سيطرة التيار العلماني عليها، وهو ما أثّر في مخرجات اللجنة، بحسب رأيهم.

وعبّر عن هذا عبد الله جاب الله، رئيس جبهة العدالة والتنمية الإسلامية، والذي كان رافضًا للأمر منذ البداية لتضمن اللجنة أشخاصًا متشبعين بالثقافة الغربية وبالأخص الفرنسية، وهو ما رأى فيه “نيلاً من هوية الدولة الجزائرية ودينها”.

تباين المواقف من الدستور

ما إن خرجت مسودة الوثيقة الدستورية إلى النور، انقسمت الأحزاب الإسلامية في مواقفها من الاستفتاء الدستوري الجديد، بين رافض وداعم ومحايد، بيد أن تلك المواقف ظلت في إطار المسارات التي انتهجتها منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

فبينما تبنت أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر “حركة مجتمع السلم” موقفًا رافضًا، معلنة قرارها بالتصويت بـ”لا” على الدستور الجديد، وهو ما كان متوقعًا نظرًا إلى الانتقادات الشديدة التي وجهتها الحركة سابقًا لمضمون الوثيقة النهائية ومسودة الإثراء، قررت حركة البناء الوطني، المنشقة عن حركة حمس، دعم الدستور خلال الاستفتاء المقبل، على نحو يجسد الانقسام داخل صفوف التيار الإسلامي، خصوصًا بعد التباين في مواقف الطرفين خلال الفترة الماضية حول رؤية كليهما لمسألة “دسترة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية”.

كذلك تبنت “جبهة الجزائر الجديدة الإسلامية” وجهة النظر المؤيدة للاستفتاء، وأعلنت قياداتها نيتهم للتصويت بـ”نعم” في الاستحقاق الدستوري القادم، في حين اتجهت “جبهة العدالة والتنمية الإسلامية” للإعلان عن مقاطعتها للاستفتاء ورفضها المشاركة في عملية النقاش والإثراء، وأعد رئيسها عبد الله جاب الله في البداية وفور إعلان تبون تشكيل لجنة لتعديل الدستور، وثيقة يقدم فيها أفكار وتصورات للدستور، مُشترطًا حينها على السلطة مراجعة تركيبة اللجنة المخولة بالإشراف على عملية التعديل الدستوري، على اعتبار أن خلفيات اللجنة الأيديولوجية هي بالأساس منافية لثوابت الدولة، وهو ما لم تأخذه السلطة في اعتبارها، لذا فضلت الجبهة قرار المقاطعة.

صورة لأحد الاقتراعات في الجزائر

على أي أساس اتخذ الإسلاميون مواقفهم؟

اختلفت الدوافع التي بنت الحركات الإسلامية على أساسها مواقفها المتباينة، غير أن المشترك رغم تباين المواقف هو المصلحة:

1- الظهور بمظهر المدافع عن الأيديولوجيا والعقيدة

خرج الإسلاميون لإيضاح الأسباب وراء رفض الوثيقة الدستورية التي كان غالبها من منطلق أيديولوجي، بالنظر إلى الوثيقة على اعتبارها تمس العقيدة من باب الحريات الدينية. فالتعديلات تنص على جعل اللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية، وهي مادة غير قابلة للتغيير في أي دساتير مقبلة، وهو ما اعتبره الإسلاميون عدم مساواة بين الأمازيغية والعربية.

علاوة على هذا، رفضهم لتلك المواد التي تنص على تكفل الدولة بإبعاد المدارس والمساجد عن أي توجهات سياسية أو أيديولوجية، وهو ما اعتُبِر أنه “تحييد لدور المدرسة والمسجد كمدخل للعلمانية”، فضلاً عن خلو تلك التعديلات من نص واضح يعبر عن كون الدين الإسلامي مصدرًا رئيسًا للتشريع.

في واقع الأمر، بدا ذلك القرار عملاً سياسيًّا أكثر مما هو موقف ذو منطلق أيديولوجي وديني، فربما ذلك الموقف الرافض هو بالأساس حيلة يستخدمها الإخوان كي يحققوا مكاسب باسم المعارضة، فمن ناحية يستعرضون ثقلهم السياسي أمام السلطة من خلال إبراز حجم كتلتهم التصويتية، حتى وإن رجحت كفة الدستور، ومن ناحية أخرى لاستعادة ثقة المعارضة وكسب أصواتهم حال تمرير الدستور وخوض البلاد انتخابات برلمانية جديدة.

ما يبرر ذلك، أن الإخوان لم يتخذوا موقف المقاطعة رغم التوتر الحاصل بين السلطة السياسية في الجزائر وقيادة أكبر أحزابها في سبتمبر/أيلول الماضي، نتيجة تعيين القيادي في حركة حمس، الهاشمي جعبوب، في منصب وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، دون استشارة الحزب.

مظاهرات في الجزائر

2- مناورة للحصول على امتيازات سياسية

في المقابل، تحاول الأطراف المؤيدة لمسودة الدستور أن تمارس مناورات بغرض الحصول على امتيازات سياسية، في مقابل تمرير مسودة الدستور في البرلمان والاستفتاء الشعبي، لذا سعت تلك الأحزاب لــ“مغازلة الدستور الجديد”، واعتبرته “جبهة الجزائر الجديدة” الإسلامية تكريسًا لـ“المرجعية النوفمبرية” للدولة الجزائرية ودسترة الحراك الشعبي، واعتبرت أن جعل الأمازيغية لغة وطنية رسمية يأتي في إطار من الثوابت الوطنية والحريات الجماعية والفردية وحقوق الإنسان، والأمر ذاته ينطبق على منح الجيش الوطني فرصة المشاركة في مهام حفظ الأمن والسلم الدوليين، بل ذهبت حركة البناء الوطني في تفاؤلها إلى درجة أن رئيسها وعد بالاستقالة من منصبه بالحزب إذا رفض الشعب الدستور الجديد.

3- المنطقة الرمادية: كي لا تخسر السلطة ولا أبناء تيارهم

فضلت جبهة العدالة والتنمية أن تقف في المنطقة الرمادية، فلا تنحاز إلى جوار المعارضة، وفي الوقت ذاته لا تجامل السلطة على حساب موقفها، وهي ربما أرادت بذلك أن تؤمِّن نفسها في كل الأحوال ومن كل السيناريوهات التي قد تُسفر عنها نتائج الاستفتاء.

بهذا الموقف لن تخسر المعارضة إذا ما رجحت كفتهم ولم يُمرَّر الدستور، وإذًا سيكون بإمكانها أن تمد يد التحالف من جديد إلى الحركات الإسلامية المُصوِّتة بــ”لا”. أما في حال تمرير الدستور وانتصار تبون في معركته مع الإسلاميين، فقد يُثمن الخطوة ويدعو الجميع للتكاتف نحو إكمال المسيرة الديمقراطية وترك الخلافات جانبًا، والاستعداد للانتخابات البرلمانية المقبلة.

وبهذه الطريقة لم تترك الجبهة مسافة طويلة بينها وبين خصومها في التيار الإخواني، حال رفض الدستور في الاستفتاء، ولا بينها وبين السلطة حال تمرير الدستور.

ماذا بعد الاستفتاء الدستوري؟

خلال أقل من عام على وصول تبون إلى سدة الحكم في الجزائر، استحوذ الدستور على تفكير القوى السياسية، ومثّل القضية الأبرز على طاولة اجتماعات الأحزاب والحركات، وبالأخص الإسلامية، خاصة في ظل رغبة الإسلاميين في إثبات وجودهم على الساحة السياسية الجزائرية.

ما برر هذا هو مباركة الإسلاميين وصول تبون إلى السلطة، ودعوتهم للحوار بين القوى المعارضة والسلطة السياسية، ورغبتهم منذ البداية في أن يكون لهم تمثيل في لجنة تشكيل الدستور التي عيّنها الرئيس، ولعل ما يقلق الإسلاميون حقًّا هو مرحلة ما بعد الاستفتاء.

الإسلاميون في الجزائر

ففي حال أفرزت الانتخابات التشريعية أغلبية برلمانية، يصبح من الواجب على الرئيس أن يعين رئيسًا للحكومة من تلك الأغلبية، كما بإمكان البرلمان عند موافقة ثلثي أعضائه أن يبعث بالجيش الجزائري إلى مهام خارج البلاد، الأمر الذي يعزز مخاوف الإسلاميين بأنه لن توجد قيمة لتمثيلهم في البرلمان حال وجود أغلبية تتحكم في قضايا مصيرية، في الداخل أو الخارج على السواء.

عدم تمرير الدستور، سيعني نجاح الإسلاميين في التعبير عن موقفهم، وهو ما سيمنحهم ثقلاً وزخمًا سياسيًّا، وعليه قد تعمل السلطة على خطب ود الإسلاميين والرجوع إليهم في القرارات الحاسمة لكسب تأييدهم ودعمهم.

لكن حال تمرير الدستور، من الممكن أن يسعى الإسلاميون للضغط على الحكومة من أجل الحصول على ضمانات حول حصصهم في البرلمان والحكومة القادمين، كما قد يحاول الإسلاميون الرافضون للاستفتاء، حال تمريره، مباركة النتيجة والمشاركة في الانتخابات البرلمانية كي لا يخسروا وجودهم على الساحة السياسية.

بالمثل، كما فعل الإسلاميون في الانتخابات الرئاسية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين أعلنت حركة مجتمع السلم، حمس، عدم مشاركتها في السباق بمرشح أو دعم أي من المتنافسين، وسرعان ما تحول موقفها بمجرد فوز تبون، وباركت الفوز، وعملت على التوسط في الحوار بين السلطة والمعارضة.

ختامًا، ستُحدد نتائج الاستفتاء الدستوري في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2020 حجم الإسلاميين الحقيقي، على اعتبار أن غالبهم يتبنى موقفًا رافضًا للاستفتاء، ما سيترتب عليه -حال تمرير الدستور المعدّل- تحديد مصير الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية المقبلة والحكومة الجديدة.

 

سهير الشربيني

باحثة مصرية في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى