ثقافة وفن

سيدة القصر المرتبكة.. الوقائع الغريبة في اختفاء آمال ماهر

في رسالة أشبه بخطابات التنحي، أعلنت المطربة المصرية آمال ماهر اعتزالها الغناء رسميًا والابتعاد عن الوسط الفني.

في خطابها ذاك لم توضح الأسباب الحقيقية وراء قرار المفاجئ، وحقيقة ما يجري في كواليس حياتها، وسط كم كبير من الشائعات والتساؤلات حولها في السنوات الأخيرة. وبعد مرحلة متخبطة عاشتها انتهت بإعلان الاعتزال وحسرة الجمهور على خسارتها لأسباب مجهولة.

آمال ماهر

ماذا يجري مع آمال ماهر؟

“نظرًا لظروف خاصة بي وخارجة عن إرادتي.. أعلن ابتعادي تمامًا عن الوسط الفني والنشاط الفني..”

أوحت آمال ماهر للجمهور بوجود مؤامرة كبيرة ضدها في الفترة الأخيرة، وأنها سبب اعتزالها الغناء، ففي بيانها أشارت بوضوح إلى أن ظروف خارجة عن إرادتها كانت السبب في ذلك.

ويظهر من البيان أنها ليست راغبة في الابتعاد، بل توجه نداء استغاثة كي تستمر، خاصة بحديثها عن ألبومها الذي لن تستطيع طرحه رغم حماسها له، وبعدم حسمها احتمالية عودتها مرة أخرى، كما جاء في بيانها: “سأعود مرة أخرى أم لا؟.. هذا سؤال يعلم إجابته عالم الغيب فقط، فكل ما أفكر به حاليًا هو ابتعادي فقط لا غير. وبالنسبة لصدور ألبومي الذي كنت قد أعلنت عنه فهو مؤجل لأجل غير مُسمى، كُنت في غاية الحماس لتقديمه لكم واجتهدت كثيرًا أكثر من أي وقت مضى ولكنها إرادة الله”.

قوبل بيان آمال ماهر بتعاطف كبير من الجمهور، وبتجاهل أكبر من الوسط الفني المصري، وكان غريبًا أن يسود ذلك الصمت في الوسط الموسيقي بعد قرار المطربة، على غير العادة تجاه قرارات الاعتزال الوهمية التي يعلنها الأقل أهمية من آمال ماهر.

يزيد ذلك من التكهنات حول وجود ظروف خارجة عن إرادة الوسط الفني بأكمله وليس آمال ماهر فقط، وربما حديثها السابق عن وجود حرب ضدها من مجهولين، كان حقيقة وليس استجداءً للتعاطف والظهور، خاصة أن قرار اعتزالها صاحبه حذف لمعظم أرشيفها الغنائي على “يوتيوب” ، ومعظم منصات الاستماع الإلكترونية، وسبقه هجمات إلكترونية على حساباتها بمواقع التواصل،  وهي أمور كشفت عنها آمال قبل بيان اعتزالها.

مسيرة محيرة لـ”خليفة أم كلثوم”

صاحبَ اعتزال آمال ماهر، فتور إعلامي وتجاهل لافت. ولا ندري هل سبب ذلك ابتعاد الفنانة عن الإعلام في السنوات الأخيرة، أم أن هذا التجاهل جزء من الظروف التي لمّحت لها آمال؟

لكن الأكيد أن اعتزال آمال ماهر حدثٌ محبط لجمهورها، بل ربما إشارة سلبية لزملائها في الوسط الفني، الذي يعاني أساسًا من قلة الأصوات النسائية المميزة والجماهيرية، فالمطربة التي استطاعت أخيرًا أن تزاحم أنغام وشيرين عبد الوهاب على لقب “مطربة مصر الأولى”، وتنافس على قمة الغناء في مصر؛ انسحبت من المنافسة فجأة، بعد مسيرة كانت مليئة بالتحولات المفاجئة والأحداث المحيرة أيضًا.

اقرأ أيضًا: محاكاة موسيقى الزمن الجميل

أنجزت آمال ماهر الصعب في مسيرتها، وعندما جاء وقت السهل وحصد ثمار مجهودها في التحول لمطربة كبيرة، اضطرت إلى الاعتزال. كانت هذه صدمة فنية بكل المقاييس.

 

ربما كانت الظروف التي صعدت خلالها آمال ماهر في عالم الغناء، سببًا في وصول مسيرتها إلى هذه النهاية المبكرة والدرامية، إذ بدأت حياتها الفنية كمطربة كبيرة منذ اللحظة الأولى لها أمام الميكروفون عندما قدمها الموسيقار الراحل عمار الشريعي كـ”خليفة أم كلثوم” أمام حسني مبارك وكبار رجال الدولة في حفل افتتاح متحف أم كلثوم عام 2001، ووصفها بـ”الصوت المعجز”.

ظهرت آمال ماهر وقتها كـ”سيدة غناء” فعلًا، استعرضت قدراتها الصوتية الهائلة في أغنية “الأمل” لأم كلثوم، وتقمصت طريقة كوكب الشرق بجدية، رغم عمرها الذي لم يتجاوز الـ14 عامًا. أبهرت الطفلة جميع الحاضرين.

انتقلت آمال ماهر بعد حفل المتحف إلى مرحلة “المغنية المفضلة لدى الرئيس”، وأصبحت الصوت الأساس في الحفلات الرسمية والوطنية، وبدا أنها ستلقى مصير زملائها الذين صعدوا بالطريقة نفسها مثل مطربات الأوبرا، ومحمد ثروت.

وبموازاة ذلك، ارتبطت آمال ارتباطًا وثيقًا بسيرة أم كلثوم لفترة طويلة، وحققت شهرتها وشعبيتها بإعادة غناء أغاني أم كلثوم، والتي كانت الرابط الوحيد بينها وبين الجمهور، إذ كانت بعيدة عن خارطة الأغنية العصرية، وقريبة من القصور والحفلات الرسمية.

لكن المفاجأة الذكية أنها تخلت عن كل ذلك، وقررت إعادة تقديم نفسها باعتبارها مطربة جديدة وشابة، وليست “الطفلة المعجزة” أو “خليفة أم كلثوم.

منذ إعادة اكتشافها لنفسها وتقديم ألبومها الأول “اسألني أنا” في 2006، إلى الفترة التي سبقت ألبومها الأخير “أصل الإحساس” في 2019؛ اقتربت آمال من الجمهور الشبابي بدرجة كبيرة. وهي أيضًا الفترة التي تشكل مسيرتها الحقيقية، بعيدًا عن بدايات القصور.

ولأول مرة تصبح حفلات آمال ماهر بدون أغاني أم كلثوم، ينسى الجمهور هذه المرحلة من مسيرتها. ولأول مرة يصبح لدى المطربة الشابة أغانٍ خاصة بها، وتحقق نجاح تجاريًا وجماهيريًا، مثل أغنية “في إيه بينك وبينها” في ألبومها الأول.

إعادة اكتشاف الذات.. مطربة شابة؟

لم يعبر ألبوم “اسألني أنا” عن هوية آمال ماهر الجديدة بالكامل، لكنه كان خطوة أولى وضرورية في مسيرتها، قررت بها استعادة عمرها الحقيقي، وتقديم أغاني مواكبة لجيلها. غير أن جمهورها القديم استقبلها باستغراب، وتلقت انتقادات بسبب “تنازلها عن هيبة” حفلات الصالونات والمسارح الرسمية، وأغاني أم كلثوم.

لذلك لم يلق الألبوم الصدى المناسب، قبل أن تعود آمال ماهر لتعزيز صورتها الجديدة في ألبوم أكثر نضوجًا ونجاحًا هو “أعرف منين“، إنتاج عام 2011، ويعد الألبوم الأكثر نجاحًا في مسيرتها.

في هذا الألبوم أكدت آمال ماهر شخصيتها الغنائية الجديدة والشابة، واختارت أسلوبًا جريئًا في تقديم الأغنية العاطفية، كما في أغاني “اتقي ربنا فيا” و”فيك حتة غرور” وغيرهما.

استطاعت آمال ماهر بهذا الألبوم منافسة المطربات الكبار على الساحة حينها، مثل إليسا التي كانت صاحبة وجود نجمي آنذاك بألبوم “أسعد واحدة“.

حينها بدأت آمال ماهر في حصد الألقاب مثل “مطربة مصر الأولى” و”صوت مصر”. ودخلت على خط المنافسة المحتدمة مع نجمتي الغناء في مصر أنغام وشيرين.

مثل هذا النجاح الكبير تحولًا كبيرًا في مسيرة آمال ماهر، صاحبه توسع لنشاطها الغنائي بتقديمها أغاني تترات المسلسلات والأعمال السينمائية، وأبرزها أغنية “يا عيني عليكي يا طيبة” من فيلم “خيانة مشروعة“.

 

جرأة آمال ماهر في بدء مشروعها واستعادة صوتها الخاص، لم تقتصر على الأغاني العاطفية فقط، بل امتدت أيضًا إلى طريقتها في تقديم أغاني تحمل همًا وهواجس وطنية.

وبدلًا من أغاني البروباجندا والتمجيد الرسمي، قدمت آمال أغاني ضد الفساد وسلبيات المجتمع، كما في تتر مسلسل “قضية رأي عام” ليسرا، وتتر مسلسل “الداعية”، وفي أغنية “احترامي للحرامي“. كما قدمت نمطًا مختلفًا من الأغنية الوطنية كما في أغنيتي “يا عيني عليكي يا طيبة” و”مصر شالت فوق طاقتها“.

وفي حين كان متوقعًا أن تنتقل آمال ماهر بعد ذلك إلى مكانة مختلفة وأكبر في عالم الغناء، انتظرت حتى 2014 لتقديم ألبومها الثالث “ولاد النهارده“، والذي لم يحقق نفس صدى ألبوم “أعرف منين” فنيًا وتجاريًا، وإن اعتبره البعض علامة على تطور صورتها كمطربة شابة، تقدم أغاني خفيفة وشعبية واستعراضات كما في فيديو كليب “سكة السلامة“.

اقرأ أيضًا: الموسيقى الشرقية تودع آخر الأساتذة.. عازف الكمان العالمي عبده داغر

لأول مرة تقدم آمال ماهر نفسها كمؤدية ناجحة. واستطاعت التغلب على عدة سلبيات في أدائها على المسرح وأمام الكاميرا، بالتخلص من الطابع الرسمي الذي لطالما كبلها، لتكتسب بذلك حضورًا شعبيًا أكثر حيوية ومرح.

تحولات سريعة.. وغامضة

لم تتمكن آمال ماهر من البقاء عند هذه الخطوة، بل تراجعت خطوات إلى الوراء بعد ألبوم “ولاد النهارده”، في تحوّلٍ غير متوقع أيضًا، بعد أن كان من الطبيعي أن تواصل الاستثمار في صورتها الجديدة، وتقترب أكثر من منافسيها. لكنها غابت لسنوات، واكتفت بتقديم أعمال مشتركة مع مطربين عرب كما في “لو كان بخاطري” مع راشد الماجد، و”اعترف” مع ماجد المهندس.

ابتعدت آمال عن الجمهور المصري وعن الإعلام والظهور وإحياء الحفلات وغيرها من الأنشطة الفنية، إلى أن طرحت ألبوم “أصل الإحساس” في 2019.

 

في ألبومها الأخير، عادت آمال ماهر بدعاية مكثفة، وبتكلفة إنتاجية عالية، تمثلت في عدد أغاني الألبوم التي وصلت إلى 16 أغنية، وفي تجهيزات الأغاني بتسجيل بعضها خارج مصر، والتعاون مع أبرز الشعراء والموسيقيين في سوق الغناء العربي.

لكن الدعاية الكثيفة أتت بنتائج عكسية، وصورت آمال وكأنها قررت الابتعاد عن الجمهور الذي راكمته، بالعودة إلى الرسميات وحفلات الصالونات الخاصة. أفقدها ذلك جمهورًا عريضًا.

ظهرت صورة “سيدة الغناء” في كل أشكال الدعاية التي استعرضت فخامة مصطنعة في الألبوم وفي شخصية آمال نفسها. حتى الحفل الوحيد الذي أحيته لأغاني الألبوم، اقتصر على دعوة زملائها الفنانين، ولم تحتفل به مع الجمهور الذي تستنجد به حاليًا.

أربعة ألبومات في 15 عامًا، عمر مسيرتها الفنية، وهو عدد وتأثير لا يتناسب مع حجم موهبتها وأهمية صوتها وقدراتها الحقيقية، بل مخيب للآمال التي كانت معلقة على صوتٍ استثنائي.

احتاجت آمال ماهر إلى المزيد من النشاط والجرأة والتطور، وفاتها تحديد هويتها الموسيقية وتجربة ألوان موسيقية جديدة بعيدًا عن الاعتماد على قوة وسحر صوتها فقط، وعلى الأغاني العاطفية التقليدية. لكنها توقفت ولم تُعط لمشروعها الصاعد الفرصة للاستمرار والانتشار، بسبب الاختفاء الطويل والانزواء والحسابات الخاطئة في إدارة صورتها الجماهيرية.

انتهى مصير آمال ماهر أخيرًا إلى نموذج يستحق التعاطف بسبب اعتزالها الإجباري واختفاء أرشيفها، والغموض الذي يحيط بمصيرها. لكن الجمهور الذي طلبت تعاطفه، هو حكَم في قضية لا يعلم عنها الكثير، إذ كان تأرجح ماهر بين الانزواء الغامض والعودة الصاخبة، معرقلًا لتأسيس روابط وثيقة بين المطربة وجمهورها.

في المحصلة، يبقى الأمل في أن تتمكن آمال ماهر من طرح ألبومها الجديد والتراجع عن الاعتزال، أو تنتهي قصة صوت فريد في تاريخ الأغنية المصرية.. قصة مبتورة لن تُرضي أحدًا.

محمد الأسواني

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى