وجهات نظر

اعتناق الإسلام في فرنسا ..بوابات التصوف والإسلام الحركي

منتصر حمادة - رئيسية

تسلط هذه المقالة الضوء على بعض الأسئلة المسكوت عنها بخصوص ظاهرة معتنقي الإسلام في الساحة الأوربية، وهي أسئلة نعتقد أنها يمكن أن تساعد مسلمي أوربا في سياق التفاعل مع ظاهرة التشدد الإسلامي أو الغلو الديني، والذي إن كان أقلية في نهاية المطاف، لكن تثير بعض القلاقل بين الفينة والأخرى، وهي قلاقل مجانية للجميع.

ومعلوم أن اعتناق الإسلام في الساحة الأوربية متعدد الأسباب، ولكن الملاحظ في بعض الأعمال البحثية النادرة التي تطرقت للظاهرة، أنها لم تتوقف ملياً عند طبيعة أنماط التديّن التي يعتنقها هؤلاء، لأن الدين هنا واحد، أي الإسلام، ولكن أنماط اعتناقه، أي أنماط التديّن، تبقى مختلفة، من قبيل التديّن الصوفي، التديّن السلفي، وأنماط أخرى من التديّن.

يمكن حصر بعض هذه الأسباب، على سبيل المثال، في النقاط التالية: تأثير المرور من المرجعية العدمية، التأثر بمعاملة مسلمين هناك، من الذين يعملون بقاعدة “الدين المعاملة”، قراءة نصوص إسلامية مباشرة، دون المرور على الوسائط الفكرية والإعلامية وغيرها، من قبيل قراءة الآيات القرآنية أو تأمل التجربة النبوية أو بعض النصوص التراثية، وخاصة الصوفية، وهذا ما عايناه في عدة محطات خلال العقدين الأخيرين، على هامش تفاعل الرأي العام مع بعض الأحداث السياسية والدينية التي تميزت بحضور الخطاب الإسلامي فيها، ضمن أسباب أخرى.

ما يهمنا هنا أكثر في هذه المقالة إذاً، طبيعة التديّن الإسلامي الذي يعتنقه هذا المتديّن، لأنه من شأن قراءة هذه الفوارق بين مداخل اعتناق الإسلامي، أن تكون بوابة لقراءة أداء معتنقي الإسلام، أو تأثير هذا الأداء على واقع الجاليات المسلمة.

نزعم أن هناك ثلاث مقامات مرتبطة باعتناق الإسلام في الساحة الأوربية، ونوجزها في ما يلي:

أ ــ هناك مقام خاص بالنخبة، سواء كانت سياسية أو بحثية أو إعلامية أو فنية أو رياضية أو غيرها، على قلته مقارنة مع باقي المقامات، ويمكن ذكر مجموعة من الأسماء، منها المغني البريطاني كات ستيفانس/ يوسف إسلام، السفير الألماني السابق مراد هوفمان، المطرب الفرنسي عبد المالك، الناشط الجمعوي الإسباني منصور إسكوديرو، الباحث الفرنسي إريك جوفروا، أحد رموز الاشتغال على سؤال التصوف، وأسماء نخبوية أخرى.

ب ــ هناك ثانياً مقام خاص بما قد نصطلح عليه العامة، أي حالة مواطن أوربي اعتنق الإسلام، دون أن يكون محسوباً على النخبة، وإنما من العامة، اعتنق الإسلام لأنه تزوج بامرأة مسلمة، أو لأن الأمر يهم امرأة تأثرت إيجاباً بمعاملة مسلمين، أي إنها اعتنقت الإسلام عبر تديّن العامة أو قل تديّن البسطاء، وهو تديّن لا علاقة له مثلاً بالتديّن الحركي ( أي التدين السلفي أو الإخواني أو غيره).

ج ــ وهناك ثالثاً، مقام خاص بحالات أوربية اعتنت الإسلام تأثراً بخطاب ديني، قد يكون محسوباً على الحركات الإسلامية، موازاة مع الذين يعتنقون الإسلام عبر بوابة التصوف، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الذين يعتنقون الإسلام عبر البوابة الإسلامية الحركية، يبقى متواضعاً بشكل عام، لأن نسبة الإسلاميين أساساً قلة مقارنة مع نسبة الجالية المسلمة، فمثلاً، في الساحة الفرنسية، الأرقام شبه الرسمية، تتحدث عن عدد سلفيين وإخوان يناهز 110 ألفاً، بينما عدد الجالية المسلمة يتراوح بين 6 و7 ملايين، ولكن هذا الاستثناء لا يلغي واقعاً لا يرتفع، مفاده أن هناك فئة من معتنقي الإسلام، مروا عبر التجربة الإسلامية الحركية، ويتعلق الأمر بثلاث اتجاهات: اتجاه سلفي، واتجاه إخواني وثالث جهادي، وإن كان الاتجاه السلفي هو الأكثر هنا حضوراً قي هذه الخانة، مقارنة مع الاتجاه الإخواني الذي يبقى نادراً.

مؤكد أنه حتى في سياق اعتناق الإسلام عبر البوابة الإسلامية الحركية، بصرف النظر عن كونه أقلية، يمكن أن تُصنف نماذجه إما في خانة النخبة أو العامة،  لولا أننا تعمدنا إضافة هذه الفئة الثالثة، من باب التصنيف الإجرائي الذي يساعدنا على قراءة بعض الفوارق بين اعتناق الإسلام هناك.

في سياق قراءة مآلات اعتناق الإسلام في الفئات الاجتماعية أعلاه، أي النخبة والعامة، وفئة معتنقي الإسلام عبر بوابة خطاب ديني، إما صوفي أو إسلامي حركي، نتوقف بداية، من خلال إطلالة نظرية عند النموذج الأول الذي يهم النخبة والعامة، قبل التوقف بتفصيل أكثر، من خلال نماذج ميدانية، عند المقام الذي يهم معتنقي الإسلام عبر البوابة الإسلامية الحركية ومعها البوابة الصوفية، والتي نجدها موزعة بدورها العامة والنخبة على حد سواء.

في المقام الذي يهم النخبة والعامة، السائد عموماً في الساحة الفرنسية، ومعها الساحة الأوربية، يمكن الجزم بأنه لا يمكن توقع مشاكل ميدانية كبيرة مع أهل المقامين، وبيان ذلك كالتالي:

ــ لا تخرج أقصى القلاقل التي يمكن أن تصدر عن أهل المقام الأول، أي المقام النخبوي، عن الاشتغال النظري في قضايا تهم الخطاب الإسلامي (الفقه، التصوف، فلسفة الدين، تجديد الخطاب الديني، .. إلخ)، وهذه قضايا نظرية تهم النخبة المسلمة في العالم بأسره، وقائمة منذ قرون، وتخضع نتائجها لقاعدة “البقاء للأصلح”، رغم كثرة الصراعات السائدة في المنطقة والعالم الإسلامي، ومرد ذلك أن هؤلاء يشتغلون في المجال النظري، البعيد في الغالب عن إثارة القلاقل الميدانية التي تحظى بمتابعة إعلامية مثلاً، بينما الاشتغال النظري، يبقى حبيس دوائر العلم والمعرفة والمنابر الفكرية، وهذه عوالم بعيدة عن انشغالات الرأي العام.

ــ لا تخرج أقصى القلاقل التي يمكن أن تصدر عن أهل المقام الثاني، أي مقام العامة، عن أنها حالات فردية، ولا تثير الكثير من الإثارة الإعلامية والبحثية والأمنية وغيرها، بل غالباً ما يتم حصر أسبابها وتداعياتها في الشق العائلي، مادامت بعيدة عن أي ارتباطات بمشاريع دينية إيديولوجية، سواء كانت دعوية أو سياسية أو جهادية، وبالتالي، تبقى هذه القلاقل حالات عابرة، ومن ذلك التباين الواضح في تعامل وسائل الإعلام والرأي العام مع حالة مسلم أو معتنق الإسلام، تورط في فعل إجرامي لا علاقة له بخطاب ديني حركي ما، وبالتالي يكون تعاملاً مشابهاً للتعامل مع باقي حالات الإجرام الصادرة عن مرجعيات أخرى، مسيحية أو يهودية أو غيرها، لأن الجريمة لا ملة لها؛ وبين تعامل وسائل الإعلام نفسها، والرأي العام نفسه، في حال تورط مسلم أو معتنق الإسلام في اعتداء ما، باسم “المرجعية الإسلامية”، من قبيل المرجعية “الجهادية” مثلاً، تأثراً بأدبيات محمد المقدسي أو أبو بكر ناجي وباقي الرموز الإسلامية الجهادية في المنطقة.

بقي أمامنا مدخل اعتناق الإسلام عبر بوابة خطاب ديني، سواء تأثراً بخطاب صوفي أو تأثراً بخطاب حركة إسلامية، ولهذا ارتأينا التوقف عند حالتين، تهم الأولى النموذج الإخواني وتهم الثانية النموذج الصوفي.

في البوابة الأولى، نذكر حالة أوميرو مارونغي ــ بيريا، وهو باحث في المركز متعدد التخصصات للدراسات حول الإسلام في العالم المعاصر بجامعة لوفان ببلجيكا، متخصص في قضايا الجالية المسلمة في فرنسا بالدرجة الأولى، بما في ذلك الاشتغال على قيادات المجال الإسلامي في فرنسا، اعتنق الإسلام بداية عبر البوابة الإخوانية، قبل الابتعاد عن المشروع لاحقاً، حتى إننا نقرأ في سيرته الذاتية، أنه كان عضواً سابقاً في جماعة “الإخوان المسلمين”، وبالتحديد بين 1993 و2004، وصدرت له مجموعة أعمال، نذكر منها: “من أجل إنهاء الأفكار المغلوطة حول الإسلام والمسلمين” (2017)، و”إعادة فتح أبواب الإسلام” (2020)، والكتاب أشبه بنداء نظري يدعو من خلاله المؤلف إلى تجديد الخطاب الإسلامي، والاشتغال على قراءة عميقة للنصوص الإسلامية، أخذاً بعين الاعتبار مجموعة تحديات معاصرة يواجهها المسلمون جميعاً.

رغم اعتناقه الإسلام عبر البوابة الإخوانية، لكنه ظلّ وفياً للنزعة النقدية في الساحة الفرنسية، ومن تطبيقات تلك النزعة، أنه قبل أسابيع من انعقاد الدورة 35 من المعرض الذي يُنظمه “اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا” بين 30 مارس و3 أبريل 2018، نشر مارونغي ــ بيريا، مقالة نقدية في موقع “أمة. كوم” المقرب من المرجعية الإسلامية الحركية في الساحة الفرنسية، على هامش تفاعله مع المتابعة القضائية التي طالت طارق رمضان، منتقداً ما اصطلح عليه حينها بـ”الاستراتيجية الانتحارية لأتباع طارق رمضان” ويقصد شعارات مضامين الحملات التضامنية مع طارق رمضان، وهذا عينُ ما جرى في تلك النسخة من المعرض، حيث كانت مواقفه هذه سبباً ضمن الأسباب التي حالت دون توجيه الدعوة إليه من أجل المشاركة في النسخ الموالية من المعرض.

من المحددات أو الأسباب التي ساعدت أوميرو مارونغي ــ بيريا على التحرر من السياج الإيديولوجي اللصيق بالمرجعية الإسلامية الحركية، وهي المحددات نفسها التي أصبح يُرددها بعد التحرر منه، الانتصار للأبعاد الروحانية في الممارسة الإسلامية، دون أن يُفيد ذلك أنه أصبح صوفياً، أو محسوباً على طريقة صوفية ما، باعتبار تركيز أهل العملي الصوفي على هذا الأفق، بما يُحيلنا على النمط الثاني من اعتناق الإسلام في الساحة الفرنسية، كما سلف الذكر أعلاه في لائحة المقارنات، والحديث عن اعتناق الإسلام عبر بوابة الخطاب الصوفي، من خلال التوقف عند النموذج الثاني.

يتعلق الإسم بإريك جوفروا، وهو مدير قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة ستراسبورغ بفرنسا، اعتنق الإسلام وعمره 27عاماً، بعد بحث طويل في علم مقارنة الأديان، وسلك بعدها طريق التصوف، وأصبح مختصاً فيه ومحاضراً عالمياً، ولذلك نعاين مشاركته في العديد من المؤتمرات والندوات التي تتطرق للتصوف في الساحة العربية والأوربية، وقد بلور أعماله البحثية حول العمل الصوفي، أثناء إقامته في مصر وسوريا طيلة ثلاث سنوات، ومنها الإقامة  في المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق.

صدرت له مجموعة من الأعمال، نذكر منها “الإسلام سيكون روحانياً أو لن يكون” (2010)، “طريقة صوفية في العالم: الشاذلية” (2011)، “حديقة الحقيقة: آفاق التصوف، التقليد الروحاني في الإسلام” (2017)، “الصوفية: تاريخ، أسس وممارسات الإسلام الروحاني” (2019)، ضمن أعمال أخرى.

هذا عن حالة إريك جوفروا، ضمن حالات فرنسية أخرى، اعتنقت الإسلام عبر البوابة الصوفية، ولا نسمع قط أي قلاقل أو مشاكل تصدر عن هذه الأسماء، سواء كانت محسوبة على النخبة أو العامة، بما في ذلك النخبة المنخرطة في العمل السياسي، ضمن أسماء أخرى، وهذا غيض من فيض مآلات اعتناق الإسلام في الساحة الأوربية، مع وقفة نموذجية هنا مع الساحة الفرنسية، ونزعم أن المقارنات بين هذه النماذج وغيرها، حافلة بمفاتيح تهم الظاهرة وتبعاتها على أداء الجالية المسلمة، وتفاعل المجتمعات الأوربية مع الجالية في آن.

اقرأ أيضا لمنتصر حمادة: ملامح الجهادية النسائية في فرنسا

منتصر حمادة

كاتب وباحث مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى