وجهات نظر

اغتيال الكاتب اللبناني “لقمان سليم”.. قتل بالكلمات وبالتواطؤ النضالي أيضا

 

 يستهل الشاعر صلاح عبدالصبور مسرحيته “مأساة الحلاج” بمشهد تقوم فيه مجموعة من أهل بغداد باتهام أنفسهم بقتل المتصوف الشهير، لا بأيديهم، ولكن بالكلمات كما يقول “عبدالصبور” على لسانهم: “أعطوا كلا منا دينارا من ذهب قان/ براقا لم تلمسه كف من قبل/ قالوا: صيحوا.. زنديق كافر، صحنا: زنديق كافر/ قالوا: صيحوا فليُقتل.. إنا نحمل دمه في رقبتنا”..

نفس المشهد يمكن استعادته بحذافيره مع كل استهداف لكاتب أو مثقف عربي بالاغتيال، قبل الأيدي بالكلمات، أي بوسائل التشهير الديني والعقائدي وأسلحة العنف الأيديولوجي والفاشي، وعبر ترويج الدعايات السوداء والفتاوى التكفيرية، وهو السيناريو الذي جرى استخدامه بفظاعة قبل اغتيال الكاتب اللبناني لقمان سليم، يوم ٤ فبراير الماضي بأربع رصاصات في الرأس.

لكن ثمة فارق واحد، هو أن فاجعة اغتيال “الحلاج” أطلقت سلسلة من ردات الفعل بامتداد العالم العربي والإسلامي لقرون بعدها، بينما مر اغتيال الكاتب “لقمان سليم” -حتى هذه اللحظة وسط صمت ثقافي عربي فاجع- في مصر على الأخص لم تتخذ مؤسسة ثقافية واحدة بادرة تحرك مضاد ولو ببيان استنكار، بما في ذلك اتحاد الكتاب المصري، وقد لا يكون غريبا ألا يصدر “اتحاد الكتاب العرب” بدوره – في ظل رئاسة رئيس اتحاد الكتاب المصري له – أي بادرة استنكار لعملية الاغتيال تلك!!. ويحار المرء في ظل هذا الواقع المرير، لبنانيا وعربيا، إن كان القتل بالكلمات – كما وصفه “عبدالصبور” – هو الأثقل على الضمير أم القتل بالصمت، خصوصا أن أصابع الاتهام تشير إلى فاعل واحد في الحالتين: حالة القتل بالكلمات التي يمارسها أصحابها على سبيل الجهاد الديني أو النضال المقدس، وحالة القتل بالصمت الذي يكاد يشبه “تواطؤا نضاليا” أيضا من جانب الصامتين على اغتيال الكاتب.. تواطؤ مريب في ظل شبهات وقرائن عديدة توجه كلها الاتهام بصراحة إلى منظمة “حزب الله” أو بعض أنصارها.

الاغتيال بالكلمات

حادث اغتيال الكاتب “لقمان سليم”، والذي أتى في أعقاب اغتيال المصور اللبناني “جوزيف بجاني” بأقل من شهرين بمسدس كاتم للصوت، بات يلاحق اللبنانيين بهاجس أن يكونوا بصدد سلسلة جديدة من اغتيالات كاتمة للأفواه، قتل يعمم الرعب من قوة غاشمة قادرة على القتل متى شاءت، وبمنأى عن الملاحقة القانونية ودون إبداء أسباب أو مبررات، لكن قناة “حزب الله” الفضائية تجاهلت ذلك كله وهي تعلن خبر اغتيال الكاتب – وهو شيعي المذهب – المعروف بنقده اللاذع لطائفية “حزب الله” وفرض سلاحه وحروبه الإقليمية وسياساته المنحازة لإيران على كل لبنان، أعلنت القناة الخبر بشكل عابر، متجاهلة عن عمد ألقاب “لقمان” الثقافية – وهو الكاتب والمخرج والمترجم والناشر – مانحة إياه لقب المواطن!. ليس هذا فحسب ما أهملته قناة “حزب الله”، لكنها تجاهلت ما كان يستدعي منها – ومن الحزب الذي تنطق باسمه – اعتذارا مطولا جدا عنه، وهو ضلوع دعايات الحزب الفاشية والتكفيرية والتخوينية في التحريض على اغتيال الكاتب، فقد اتُّهم “لقمان” طويلا من جانب الحزب وأنصاره بأنه من “شيعة السفارات”، أي الذين يتلقون تمويلا أجنبيا، وهي التهمة/ المبرر الوحيد من وجهة نظر العقل الطائفي، الذي يجعل كاتبا حرا يعارض ميوله وتوجهاته، وهي كذلك التهمة/ المبرر التكفيري التي تحلل استباحة جميع أفعال العنف والإرهاب تجاه مثقف عنيد مثل “لقمان” في ظرف دقيق.

منذ انتفاضة أكتوبر ٢٠١٩ لم تعد البيئة الشيعية بلبنان مؤيدة لفكرة المقاومة على طريقة “حزب الله”، بدأت الأسئلة القلقة، التي سبق لقمان سليم إليها منذ عقدين، تطرح نفسها بقوة على لسان كتاب ومثقفين وناشطين: هل بوسعنا أن نحارب العالم كله ونعادي الجوار العربي وننعزل عن بقية مكونات الوطن اللبناني؟ ما علاقتنا كلبنانيين بنزاعات إقليمية ودولية في سوريا والعراق واليمن تهدد بتدخلنا فيها أمننا وندفع في مقابلها ضريبة من أرواح أبنائنا؟ إلى أين نتجه؟ ومن يستطيع أن يحل أزماتنا المعيشية اليومية المتفاقمة؟

لم يجد الحزب وأنصاره وسيلة لمقاومة الأسئلة الكاشفة غير اللجوء لقاموس التشهير المقاوم المعهود: طعن تآمري وتحريض وتخوين وتخويف واتهامات بالعمالة.. تحدث “لقمان” بنفسه خلال ٢٠١٩ عن تجمع للعشرات من أنصار الحزب أمام منزله في حارة حريك (الضاحية الجنوبية لبيروت) تزامنا مع اعتداء نفذه مؤيدون للحزب استهدف خيمة لنشطاء الانتفاضة في بيروت.

وفي 13 ديسمبر 2019 وجد على سور بيت عائلته شعارات تهديدية، قال تعليقا عليها في بيان أصدره: “قصيرة من طويلة، واستدراكا على أي محاولة تعرض لفظية أو يدوية لاحقة لي أو لزوجتي أو لمنزلي أو لدارة العائلة أو لأي من أفراد العائلة، أو القاطنين في الدارة، فإنني أحمّل قوى الأمر الواقع (حزب الله) ممثلة بشخص (أمينه العام) حسن نصرالله المسؤولية التامة عمّا جرى وعما قد يجري، اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد”.

اتهم “حزب الله” عبر وسائل إعلامه لقمان سليم مرارا بتلقي تمويلات خارجية والتعاون مع جهات أجنبية، وفي غمار صدمة اللبنانيين باغتياله أصدر الحزب بيانا مقتضبا جاء فيه: “يدين حزب الله قتل الناشط السياسي لقمان سليم، ويطالب الأجهزة القضائية والأمنية المختصة بالعمل سريعا على كشف المرتكبين ومعاقبتهم، ومكافحة الجرائم المتنقلة في أكثر من منطقة في لبنان..”!.. وكأن الحزب حاول دفع الشبهات التي يثيرها اغتيال “لقمان” في منطقة يسيطر عليها وتراقبها كاميراته رقابة مكثفة، لكنه حاول ذلك دون إبداء أقل استعداد لمعاونة جهات الأمن في كشف الجناة، وحاول الأمين العام “حسن نصرالله” -في خطاب ألقاه بعد الاغتيال بنحو أسبوعين- أن يقدم تراجعا باهتا عن تحريض رخيص استمر لسنوات ضد الكاتب فقال: “نحن لم نقل عمن قُتل هنا أو هناك أنه عميل لإسرائيل، وإسرائيل لا تقتل عملاءها فقط، بل تقتل شعبها من اليهود لتخدم مشروعها”!.. لكن تغريدة على موقع تويتر أثارت جدلا من “جواد نصرالله”، نجل الأمين العام، سبقت لتصرح بما تخفيه التكتيكات المموهة وقالت: “خسارة البعض هي في الحقيقة ربح ولطف غير محسوب #بلا_أسف”!!، وسرعان ما حذفها بالطبع”!.

سيرة مثقف عضوي

ولد “لقمان” سنة ١٩٦٢ لعائلة عربية شيعية، والده “محسن سليم” برلماني وحقوقي من أصلب المناضلين في سبيل حقوق الإنسان والدفاع عن الشرعية والدستور.. أول مشروعات لقمان الثقافية الضخمة كان “دار الجديد للنشر”، التي أسسها سنة ١٩٩٠، وتهتم بنشر الأدب العربي، نشرت العديد من مقالات وترجمات “لقمان” في الصحف والكتب الإنجليزية والفرنسية والعربية، مع عدد كبير من الكتابات المثيرة للجدل كترجمات كتب “محمد خاتمي”، الرئيس الإصلاحي الإيراني السابق، وآثار العلّامة الراحل “عبد الله العلايلي”،  وكتاب “في الشعر الجاهلي” لعميد الأدب العربي “طه حسين” وديوان “الحسين بن منصور الحلاج”، وكتبا ودواوين لكبار أدباء وشعراء العرب والعالم.

“أمم” للنشر والتوثيق كان ثاني مشروعاته الثقافية، وقد أسسه سنة ٢٠٠٤، وهو مشروع أرشفة هائل لذاكرة الحرب اللبنانية، قدم من خلاله أكثر من عرض سينمائي ومعرض سمعي بصري حول الحرب وصورها وملصقاتها السياسية، وانبثق من هذا النشاط “ديوان الذاكرة اللبنانية” و”مكتبة أمم” كقاعدة بيانات عن الحرب تتناول وجهات نظر التنظيمات والميليشيات المختلفة المشاركة في المقتلة اللبنانية، وأخرج “لقمان” خلال ذلك أفلاما وثائقية عديدة مرتبطة بأحداث لبنان بمشاركته زوجته المخرجة الألمانية “مونيكا يورجمان” وهي: “مقاتل” ٢٠٠٤، و”مجزرة صبرا وشاتيلا” وSur Place 2009، و”تدمر” ٢٠١٦.

وكان مشروعه الثالث المهم قد بدأ في عام 2008، حيث أسس مع آخرين “جمعية المحور اللبناني في سبيل مواطنية جامعة.. هيا بنا”، من أهدافها: الدفاع عن قيم المواطنية والتسامح والتعدد والديمقراطية وحقوق الإنسان ونشرها بكل الوسائل الممكنة.

القتل بالصمت

مساء ٣ فبراير الماضي أعلنت شقيقة “لقمان” وشريكته الثقافية، “رشا”، فقدان الاتصال به قبل أن يعثر على جثته في بلدة “العدوسية”، التي تعد معقلا لـ”حزب الله”، لتؤكد في تصريح لاحق: “إنني لا أتهم أحدا في اغتيال أخي، لكن المسؤولين عن الجريمة معروفون، هم قاموا بتوجيه أصابع الاتهام لأنفسهم، من المعروف من هو المتحكم في هذه المنطقة”، مؤكدة تقاعس الأمن بقولها: “هذا قدر وليس قضاء، قدر سيخنقنا جميعا”.

بعد أيام من الاغتيال قالت زوجة “لقمان” في مقابلة صحفية: “من الواضح جدا من هم أعداؤه، إنه حزب الله بشكل أساسي، لكن بالنسبة لي لا يكفي القول إننا نعرف أعداءه وهذا كل شيء، أريد أن أعرف لماذا؟، أريد أن أعرف من؟، وأريد إجراء تحقيق دولي”.

المحزن حقيقة ألا يجد الاغتيال الفاجع وصرخات أسرة الكاتب وأصدقائه، التي تشبه طلقات الألم، صدى في ضمير مؤسسات الكتابة ومنظمات المثقفين العرب، وألا تجدي صيحات الوجع من جمهوره ومحبيه في كسر صمت الجنائز الشبيه بالتواطؤ، وهو تواطؤ على القتل، لكنه ليس نضاليا كما يوهم البعض ضمائرهم، فالرصاص الذي استهدف حرية وجسارة كاتب هو عنوان على الغدر الجبان ولو أسمى نفسه “رصاص مقاومة”، والقاتل الهمجي لن يكتفي إلا بأن يصوب سلاحه على رؤوس الجميع ليكون الصمت إجباريا.

عصام الزهيري

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى