سياسةمختارات

اقتصاد أخضر.. سندات مصرية لدعم مشروعات صديقة للبيئة

 

فرضت المشكلات البيئية في مصر ضرورة البحث الجاد عن حل لها في أجندة ورؤية مصر الاقتصادية 2030، باعتبارها واحدة من أكثر دول العالم معاناة من التلوث، ما جعل القاهرة تبادر في 30 سبتمبر/أيلول الماضي بإصدار ما يعرف بـ”السندات الخضراء” بقيمة 750 مليون دولار، لتصبح أول دولة في الشمال الإفريقي والشرق الأوسط تستخدم أداوت تمويل مستدامة كالسندات الخضراء، وهو ما يتماشى مع حوكمة الإدارة وخطة مصر للاهتمام بالبعد البيئي .

وتسهم السندات الخضراء في تحديد أوجه الإنفاق خلال الطرح، وبالتالي ستكون موجهة في الأساس إلى المشروعات الصديقة للبيئة في دولة معدل التلوث بها عالٍ نسبيًّا، ما يسهم بقدر كبير في تحسين البيئة، ويخفض فاتورة الصحة في الموازنة العامة للدولة المصرية، وتوجيه قيمتها إلى مشروعات تطوير ورفع معدلات الأداء.

وزارة المالية المصرية نجحت في أول طرح للسندات الخضراء السيادية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لأجَل 5 سنوات بسعر عائد 5.250%، ما يضع مصر على خريطة التمويل المستدام، طبقًا لما قاله الدكتور محمد معيط، وزير المالية المصري، مضيفًا أن الطرح الأول لتلك السندات شهد إقبالاً كبيرًا جدًّا من المستثمرين، فتجاوزت طلبات الشراء حجم الإصدار المعلن (٥٠٠ مليون دولار) بما يعادل 7.4 مرة، وتخطت “الحجم المقبول ٧٥٠ مليون دولار”، بما يعادل 5 مرات، لافتًا إلى أن هذا الإصدار جذب قاعدة جديدة من المستثمرين بأوروبا والولايات المتحدة وشرق آسيا والشرق الأوسط بنسب 47%، 41%، 6%، 6%، على التوالي، مع مديري الأصول، وصناديق التقاعد والتأمين والاستثمار، وكذلك البنوك التي تمثل 77%، 9%، 8%، والتي تصنف على أنها “مستثمرون ذوو جودة عالية”، لاحتفاظهم بالاستثمارات على المدى الطويل، ما يؤدى إلى الحد من التذبذب في الأسعار.

السندات الخضراء – تعبيرية

بداية السندات الخضراء

في عام 2007 نشر الفريق الحكومي الدولي حول تغير المناخ -إحدى وكالات الأمم المتحدة لدراسة البيانات العلمية عن تغير المناخ وآثاره السياسية والاقتصادية- تقريرًا يربط بين السلوكيات البشرية وارتفاع درجة حرارة الأرض، وزيادة تواتر الكوارث الطبيعية.

وحفَّز هذا الاستنتاج صناديق التقاعد السويدية على التفكير في كيفية استخدامهم المدخرات التي يحافظون عليها، من أجل التوصل إلى حل اقتصادي يدعم مواجهة الكوارث الطبيعية والبيئية، وما يترتب عليها من آثار اقتصادية. وبالتواصل مع المجموعات المالية والبنوك أراد المستثمرون ملاذًا آمنًا يضعون فيه أموالهم ويوقنون أنهم يحدثون به تأثيرًا اجتماعيًّا وتنمويًّا ما، وتطلب الأمر الكثير من النقاشات والمباحثات مع المستثمرين والبنوك لإقناعهم بفكرة التمويل المرتبط بالمشروعات التنموية .

وهنا لاحت ملامح النجاح في الأفق في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، عندما أصدر البنك الدولي السندات الخضراء، لتضع بذلك الخطة الرئيسة لسوق السندات الخضراء التي نراها اليوم، والتي حُددت بمقتضاها معايير المشاريع المؤهلة للدعم بالسندات الخضراء، واعتمد المركز العالمي لبحوث المناخ والبيئة كجهة ثانية لإبداء الرأي، وأضاف تقييم الأثر باعتباره جزءًا أصيلاً في هذه العملية، كما استحدث نموذجًا جديدًا للتعاون بين المستثمرين والبنوك ووكالات التنمية والعلماء.

يجدر بنا الوقوف عند تعريف “السندات الخضراء”، التي تمثل أداة دين وظيفية مثل أي سند آخر يقدم عائدًا ثابتًا، لكن بشرط استخدامها لتمويل أو إعادة تمويل جزئي أو كلي لمشاريع مستدامة، سواء أكانت تلك المشروعات جديدة أم قائمة بالفعل، بحيث يصدر السند عن مؤسسة مالية حكومية أو حتى شركات تمويل خاصة لفترة محددة لصالح أحد المستثمرين، مع إلزام  المصدِر حامل السند باستثمار العائدات في المشاريع الخضراء، مثل الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، والمشروعات التي تؤدى إلى خفض انبعاثات الكربون وما إلى ذلك.

كانت ثمرة التزامهم ومثابرتهم، الدفع نحو إيجاد حل في نهاية السنة المالية 2018 عندما بات هناك نحو 91 مشروعًا مستحقًّا للتمويل بالسندات وتعهدات بإجمالي 15.4 مليار دولار. من هذه التعهدات تخصص 8.5 مليار من إيرادات السندات الخضراء، لدعم المشاريع في 28 بلدًا، و6.8 مليار أخرى في طريقها للإنفاق.

محمد معيط وزير المالية

توجه عربي نحو السندات الخضراء

أشار التقرير الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه العديد من الدول النامية الراغبة في التحول نحو الاقتصاد الأخضر، يكمن في نقص القدرات المؤسسية المتعلقة برسم السياسات البيئية وتطبيقها، ما يتطلب مراجعة الأطر التشريعية والتنظيمية وتعديلها بما يشجع التحول المطلوب نحو أسواق رأس مال خضراء.

ضمن هذا الإطار بدأ العديد دول عديدة اتخاذ خطوات عملية، في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا على السواء، وكذلك على مستوى المنظمات الإقليمية والدولية، بما في ذلك المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية، وكذلك الدول العربية الأعضاء في هذا الاتحاد.

إعلان مراكش

في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 وقّعت مجموعة من منظمي أسواق المال والبورصات العربية والإفريقية، من بينها مصر وتونس والمغرب، (على ما سمي بإعلان مراكش لتشجيع التحول نحو أسواق رأس المال الخضراء)، وهو ما يهدف، طبقًا للهيئة العامة للرقابة المالية، إلى تيسير إصدار سندات وتشجيع تأسيس صناديق استثمار وطرح أسهم شركات ترتبط بمشروعات صديقة للبيئة، وتعمل على خفض انبعاث الكربون، وترشيد استخدام الطاقة، إضافة إلى توليد الطاقة المتجددة من الرياح والشمس وغيرها.

ونص الإعلان على أن تتعاون الهيئات المسؤولة عن الأسواق المالية في التوعية والترويج لإفريقيا، كمقصد للتمويل والاستثمار في هذه النوعية من المشروعات. كما بدأت مجموعة من الأسواق المالية العربية، (سوق أبوظبى للأوراق المالية) بدراسة إمكانية إصدار مثل هذه المؤشرات، وأدرك الجميع أهمية التحول نحو أسواق رأس المال الخضراء وما يعود من ورائها من فائدة على الأسواق وزيادة جاذبيتها للمستثمرين المحليين والدوليين.

إعلان أسواق رأس المال الأخضر بمراكش

كيف يمكن التحول نحو الاقتصاد الأخضر؟

هناك آليات عدة للتحول إلى الاقتصاد الأخضر، منها على سبيل المثال:

1-  خلق إطار تنظيمي تشريعي مناسب وملائم لدفع عجلة الاقتصاد الأخضر في مصر، وإزالة كل العوائق أمام الاستثمارات الخضراء، وتنظيم السلوكيات غير المستدامة بوضع معايير ملائمة وحظر بعض الأنشطة، بما يقلل من المخاطر ويزيد ثقة المستثمرين والأسواق بمعايير واضحة قابلة للتنفيذ.

2- إعطاء الأولوية للاستثمار والإنفاق الحكوميين في المجالات التي تحفز تخضير القطاعات الاقتصادية، عن طريق الدعم الذي يتسم بمراعاة الصالح العام، والحد من الإنفاق الحكومي في المجالات التي تستنفد الموارد الطبيعية.

3- يمكن استخدام الضرائب كأداة لتحفيز التحول للاقتصاد الأخضر، وقد صُمِّمت الضرائب البيئية لوضع ثمن للتلوث، وتحفيز خلق فرص العمل عن طريق خفض تكلفة العمل، في صورة ضرائب وإسهامات في الضمان الاجتماعي.

إن إستراتيجيات الاقتصاد الأخضر وأدوات التمويل الخاص بها، كالسندات الخضراء، يمكن أن تسهم في تحقيق النمو الأخضر وأن تعود بالنفع على البيئة من خلال تجديد رأس المال الطبيعي وتعزيزه، بالإضافة إلى التخفيف من حدة الفقر.

 

 

عزت بطران

خبير مالي ومحلل اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى