دراسات وتحليلات

اقتصاد إسرائيل في كَبَد.. خسائر تفوق التوقعات تحددها صواريخ المقاومة

لم يكد اقتصاد إسرائيل يخطو خطواته الأولى خارج ركود الجائحة، بعدما تراجع ناتجه المحلي الإجمالي بسببها نبسبة 2.6%، حتى اصطدم بصواريخ المقاومة، لتعيده ثانيةً إلى إغلاق يتزايد تدريجيًا، ويُبقي سكانه –هذه المرة- داخل ملاجئ بحسب توقيت تُحدِّده المقاومة، لا داخل البيوت بحسب توقيت تحدده سلطاته.

إن التخوفات الإسرائيلية من الخسائر الاقتصادية الناتجة عن “الرشقات الصاروخية” للمقاومة ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى لحظة انتهاء المواجهة السابقة في 2014.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

فمنذ ذلك الحين، يسعى الاقتصاديون الإسرائيليون إلى توقع تكلفة المواجهة التالية، غير أن توقعاتهم –بالقطع- كانت أقل من الخسائر الراهنة، التي يتكبدها اقتصاد الاحتلال، ذلك لأن معطيات المعادلة العسكرية قد تغيرت.

خسائر 2014 تُمهِّد الطريق للخسائر الجديدة

تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الاقتصاد قد خسر نحو 20 مليون دولار يوميًا خلال عدوان 2014، أمّا النفقات العسكرية فقد وصلت إلى 45 مليون دولار أخرى يوميًا، وذلك خلال الفترة من 7 يوليو إلى 26 أغسطس من عام 2014، حيث أطلقت فصائل المقاومة ما يقرب من 4000 صاروخ خلال هذه الفترة، طبقا لبيانات مكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانية OCHA.

قياسًا على النتائج السابقة، قام “مايكل ج. أرمسترونج”، أستاذ مشارك في جامعة بروك، بإعداد دراسة حول “فعالية الهجمات الصاروخية والدفاعات في إسرائيل“، والتي صدرت في نهاية عام 2018، وانتهت الدراسة إلى أن فصائل المقاومة في غزة تملك نحو 20 ألف صاروخ وقذيفة، وحال أنهم سيطلقون العنان لتلك الترسانة في أي وقت فإن الضرر الناتج سيكون كبيرًا للغاية.

وتفترض الدراسة أنه في حالة عدم الرد الإسرائيلي، فإن الهجمات الصاروخية يمكنها أن تستمر لمدة خمسة أشهر، وسيكون 80% منها إمّا غير متكافئة أو ستسقط في حقول مفتوحة، أمّا الـ20% المتبقية منها فسوف تتجه إلى المراكز السكانية في جنوب الأراضي المحتلة، وسوف تتمكن القبة الحديدية من اعتراض أكثر من 80% منها.

وعليه، فإن الدراسة استنتجت أن الهجمات الصاروخية –بالمعطيات السابق الإشارة إليها- سوف تؤدي إلى مقتل 20 مدنيًا وإصابة 470 آخرين، بينما ستُلحِق أضرارًا بالممتلكات والناتج الاقتصادي والذخيرة، مما قد يُكلِّف إسرائيل نحو 6.3 مليار دولار، أو 2٪ من ناتجها المحلي الإجمالي.

لكن المعطيات العسكرية السابقة قد تغيرت هذه المرة، ليس فقط في نوعية وقوة تصويب الصواريخ، بل أيضا في بنك الأهداف الذي ضربته صواريخ المقاومة. وعليه، وقد تبدو نتائج الدراسة، السابق الإشارة إليها، أقل من المتوقع حاليًا.. وفيما يلي نستعرض هذا التطور العسكري في قدرات المقاومة، بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية المباشرة.

القصف الإسرائيلي على غزة
القصف الإسرائيلي على غزة

خسائر إسرائيل والتكلفة العسكرية المباشرة

شهدت الرشقات الصاروخية للمقاومة هذا العام تطورًا كميًا ونوعيًا غير مسبوق.. ووفقاً لـ “مايكل ج. أرمسترونج” -الأستاذ المشارك في جامعة بروك- أطلقت فصائل المقاومة في غزة 470 صاروخًا خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى (في 10 مايو 2021)، وقد بلغ متوسطها 408 صاروخًا في اليوم، في حين بلغ  الحد الأقصى للصواريخ لليوم الواحد 316 صاروخًا في عام 2012 وبلغ 192 صاروخًا في عام 2014.

عملية إطلاق النار من جانب المقاومة صارت أكثر تنسيقًا، وبدلًا من شن العديد من الهجمات الصغيرة المنتشرة على مدار اليوم، أطلقوا العنان لطلقات أكبر تصل إلى 137 صاروخًا في غضون خمس دقائق.. لكن يظل هذا الإطلاق أبطأ بكثير من وحدات مدفعية جيش الاحتلال.

أمّا التطور الأبرز فهو تحسن دقة تصويب الطلقات، فقد نجحت 50% من الصواريخ التي وصلت فوق الأراضي المحتلة في تهديد مناطق مأهولة بالسكان، بينما بلغت هذه النسبة 22% في عام 2012 و 18% في عام 2014.. وهذا يعني مستوى غير مسبوق من تحقيق الأهداف.

وخلال الأيام الأربعة الأولى من هذا الصراع، قتل إسرائيلي واحد مقابل كل 206 صواريخ وصل إلى الأراضي المحتلة، بينما بلغ هذا المعدل واحدا لكل 204 في عام 2008، وواحدا لكل 270 صاروخا عام 2012، وواحدا لكل 1429 صاروخا عام 2014.

في مقابل هذا التطور غير المسبوق، فإن كل صاروخ يخرج من القبة الحديدية للعدو الإسرائيلي للاشتباك مع صاروخ مقاوم تقدر تكلفته بنحو 50 ألف دولار –وذلك وفقا لـBusiness insider– بينما تُقدَّر تكلفة صاروخ المقاومة بين 300 إلى 800 دولار.

ووفقاً للتصريحات الرسمية لجيش الاحتلال، فقد نجحت القبة في الاشتباك مع 90% من الرشقات الصاروخية للمقاومة، والتي بلغ عددها –حتى 17 مايو 2021- نحو 3150 صاروخًا.

وعليه، فإن تكلفة مواجهة القبة الحديدية لرشقات المقاومة الصاروخية تصل تقريبا إلى 140 مليون دولار، في حين تشير بيانات إلى أن تكلفة العميلة العسكرية على غزة كلّفت جيش الاحتلال 500 مليون دولار خلال الأربعة أيام الأولى.

ونظام القبة الحديدية، الذي يتم تشغيله آليًا بشكل كبير، يتكون من عدد من وحدات الإطلاق، كل منها مُحمّلة بما يصل إلى 20 صاروخًا اعتراضيًا من طراز Tamir، بالإضافة إلى الرادارات المرتبطة بها، لتحديد وتتبع التهديدات الواردة.

وبالنظر إلى حجم الدمار المشتغل في جنوب الأراضي المحتلة وتل أبيب، فإن سمعة هذه القبة الحديدية قد تضررت عالميًا، وهو ما سيؤثر على صفقات التصدير التي كانت متوقعة لهذه التكنولوجيا التسليحية.

خسائر قطاع الطاقة

يُعوِّل اقتصاد الاحتلال على تنمية قطاع الطاقة ليكون مركزًا إقليميًا محوريًا لنقل الطاقة، غير أن الرشقات الصاروخية أصابته هذه المرة بضربات قوية، ما أدى إلى توقف منشآت وخطوط هامة عن العمل، بل وأحاطته بتهديد مستمر لمدى متوسط.

بدأت أول خسائر قطاع الطاقة بضرب خط نقل أنابيب النفط عسقلان –إيلات (المنافس لقناة السويس) ليستمر اشتعاله على مدى أكثر من يوم وليلة، مما أدى إلى تصاعد مخاوف الاحتلال من أن يحدث تسرب نفطي.

وتبلغ طاقة هذا الخط -الذي يبلغ طوله 254 كيلو مترًا- نحو 600 ألف برميل يوميًا. بينما تُقدَّر طاقة خزانات النفط الواقعة في ميناء عسقلان على البحر المتوسط بنحو 23 مليون برميل.

وتُعد مدينة عسقلان من أكثر المدن التي استهدفتها الرشقات الصاروخية للمقاومة وأحدثت بها دمارًا واسعًا، وتُنتج هذه المدينة وحدها 30% من الكهرباء في الأراضي المحتلة، طبقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وقد اتسعت الخسائر لتشمل الإعلان عن توقف عمل مصفاة حقل “تمار” للغاز الطبيعي، وهو أهم حقل للغاز في المنطقة الاقتصادية للاحتلال على البحر المتوسط، والذي تم اكتشافه عام 2013، وتبلغ حجم الاحتياطيات المؤكدة فيه نحو 305 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي و14 مليون برميل من المكثفات.

إن هذه الأضرار الجسيمة لا تؤثر فقط على حجم صادرات قطاع الطاقة في المدى القصير الراهن، لكنها أيضًا تُمثل تهديدًا قائمًا للاستثمارات الأجنبية داخله على المدى المتوسط، حيث إنه سيظل هدفًا سانحًا أمام صواريخ المقاومة المداهمة، كما أنه سيحتاج إلى تكاليف باهظة للصيانة وإعادة التشغيل والحماية.

ميناء أشدود
ميناء أشدود

الخسائر اللوجيستية

أصابت رشقات المقاومة الصاروخية أهم المواني اللوجيسيتية لاقتصاد الاحتلال في مدينة أسدود، وهو البوابة الاقتصادية للاحتلال، ويمثل 60% من تجارته عبر البحار.

ويقع ميناء أسدود على بعد 40 كيلومترًا جنوب غرب تل أبيب، وهو أقرب ميناء لأهم المراكز التجارية وشبكات النقل في الأراضي المحتلة.

ووفقًا لبيانات ميناء أسدود عن السجل التشغيلي، فقد نجح في تفريغ نحو 1.5 مليون حاوية (TEU) في عام 2020، وهو رقم قياسي تاريخي على الإطلاق للمواني الإسرائيلية، كما بلغت قيمة الشحنة 108 مليارات شيكل (27.1 مليار يورو).

تؤثر هذه الضربات أيضا على قطاعات اقتصادية أخرى، أهمها قطاع الصناعة، بالإضافة إلى تهديدها لعدد كبير من المستوطنين، حيث تعد مدينة أسدود خامس أكبر مدينة في الأراضي المحتلة، ويبلغ عدد سكانها نحو 207 آلاف نسمة، وهي أحد أهم المراكز الصناعية في إسرائيل وموطن لأكبر مواني إسرائيل.

وتعد الصناعة الرئيسية في أسدود هي مصفاة النفط، وهي واحدة من اثنتين في جميع أنحاء الأراضي المحتلة، وتشمل الصناعات الأخرى: الأدوية والبناء وزيت فول الصويا، كما أنها موطن لمصنع إسرائيل لمعدات الرادار وأنظمة الحرب الإلكترونية.

كل هذا الزخم الاقتصادي عطّلته صواريخ المقاومة، وفرضت عليه تهديدات متوسطة المدى في المستقبل.

تعثر قطاع الخدمات وتراجع التصنيف الائتماني

يعتمد اقتصاد الاحتلال على قطاع الخدمات، والذي يشكل نحو 69.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتعمل غالبية القوى العاملة (82.3٪) في قطاع الخدمات، وهو القطاع الأكثر حساسية لأي زعزعة في الاستقرار الأمني.

ويُعد قطاع السياحة أكثر قطاع خدمي متضرر، فقد أدى المحتوى المنشور بخصوص الدمار الذي لحق بتل أبيب وشواطئها إلى تصاعد الخوف من الذهاب إليها، وإلى توقف عمل المنشآت السياحية بها، فضلا عن أن مطار بن جوريون –أكبر مطار في الأراضي المحتلة- قد تم إغلاقه لمدة زادت على 5 أيام، كما أخطرت الولايات المتحدة الأمريكية رعاياها بضرورة الرحيل.

ولا تزال السياحة مهمة جداً لاقتصاد الاحتلال، ففي عام 2019، حققت رقما قياسيا بلغ 4.55 مليون سائح وافد، بزيادة بلغت 0.9% على أساس سنوي، مما أدى إلى تحقيق عائدات تُقدَّر بنحو 6.3 مليار دولار أمريكي.

وكان الاحتلال يأمل في عودة هذا الرقم القياسي عقب إعادة فتح الاقتصاد –بعد تراجع مخاطر كورونا- إلا أن الرشقات الصاروخية للمقاومة الآن جعلت ذلك عسيرًا.

على جانب آخر، يعد اقتصاد الاحتلال واحدًا من أقوى التصنيفات الائتمانة على مستوى العالم، وهو ما يعتمد عليه الاحتلال في جمع التمويل الأجنبي لميزانيته عبر سندات الخزانة.

غير أن تصاعد المواجهات العسكرية والتهديدات الأمنية والاقتصادية التي تسببت بها رشقات المقاومة الصاروخية أدت إلى تحذير وكالة التصنيف الائتماني العالمية “فيتش” لاقتصاد الاحتلال بأنها سوف تُحوِّل نظرتها له من “نظرة مستقرة” إلى “نظرة سلبية”، وربما تتجه إلى تخفيض التصنيف نفسه إلى أقل من A+.

رشقات المقاومة الفلسطينية
رشقات حماس على إسرائيل

خسائر بيئة الأعمال

أدت رشقات المقاومة الفلسطينية إلى اشتعال الحرائق على مدار الساعة في تل أبيب ومدن الغلاف المحيطة بقطاع غزة والمدن الجنوبية المحتلة، مما نتج عنه الإضرار الجسيم بعشرات المركبات والمحال التجارية، ولكن تمثل الخطر الأكبر في طلب سلطات الاحتلال من السكان “البقاء في الملاجئ حتى إشعار آخر”.

وشهدت المدن المختلطة –وعلى رأسها مدينة اللد- أعمال عنف غير مسبوقة بين فلسطينيي الداخل والعصابات الإسرائيلية المتطرفة وقوات الشرطة التي تحمي المتطرفين، وهو ما عده البعض مقدمة لـ“حرب أهلية”.

وإذا أضفنا إلى ذلك، عدم الاستقرار الحكومي الذي تشهده إسرائيل منذ أربع سنوات، فإن كل هذه التطورات من شأنها أن تضر بشكل مباشر ببيئة ممارسة الأعمال، وبالتالي تراجع ثقة المستثمرين –في المدى القصير على الأقل، وسيكون من العسير على أي مستثمر –محلي أو أجنبي- البدء في مشروع جديد في خضم هذا التصاعد من الاشتباكات.

علاوة على ذلك، فإن الميزانية العمومية وقطاع الخدمات المالية سوف يواجه أكبر مطالب تعويضية منذ عام 2008، ليس فقط لمنشآت الأعمال التالفة وممتلكات القطاع الخاص والعام، بل أيضًا لسكان المستوطنات، والذي يكلف الواحد منها الحكومة الإسرائيلية قرضًا يبلغ 15 ألف دولار.

السيناريوهات المتوقعة

ورغم قوة اقتصاد الاحتلال، وقدرته على تعويض الخسائر الراهنة، خاصةً في ظل قدرته على جذب تدفقات النقد الأجنبي من شركائه الاقتصاديين، فإن رشقات المقاومة الفلسطينية نجحت في إحداث خسائر اقتصادية هي الأكبر من نوعها منذ الانتفاضة الثانية عام 2000.

وإزاء ذلك فإن السيناريوهات المتوقعة تتمثل فيما يلي:

  • السيناريو الأول:

هو استمرار تصاعد إطلاق النار ومد أمده، بما يتيح لفصائل المقاومة ضرب أهداف استراتيجية أكبر، وبالتالي استمرار تصاعد خسائر الاحتلال الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، مع ارتفاع تكلفة تعويضها لاحقًا.

  • السيناريو الثاني:

يتمثل في التوصل إلى وقف إطلاق النار، وبالتالي فإن خسائر قطاع الطاقة والقطاع اللوجيستي ستتوقف، ليبدأ الاحتلال في تعويضها، بينما ستظل حركة المقاطعة العالمية والاشتباكات الداخلية في المدن المختلطة تمثل مخاطر عالية قائمة أمامه.

وختاما، لم تنجح المقاومة -هذه المرة- في إحداث تأثير كبير وملحوظ على المستويين السياسي والعسكري فقط، ولكنها أشعلت –مرة أخرى- ما يمكن أنه نُسميه “المقاومة الاقتصادية”، نتيجة الخسائر الاقتصادية الهائلة التي أصابت الاحتلال، والتي قد تستمر حتى بعد انتهاء الحرب.

اقرأ أيضًا: التصعيد على غزة بعيون إسرائيلية: لعبة نتنياهو من أجل البقاء

ريم سليم

باحثة اقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى