سياسةمختارات

اقتصاد الظل.. كيف تمسك عصا التقنين بـ”تجارة الأون لاين”؟

 

“إدماج الاقتصاد غير الرسمي في الرسمي”.. كثيرًا ما تتردد هذه الجملة على لسان رجال الاقتصاد ومسؤوليه، كمحاولة لخلق مظلة قانونية لعالم التجارة الرقمية، الذي تجري وقائعه، ترويجًا وربحًا، بعيدًا عن يد القوانين التي تقرها الدولة من إجراءات مالية وضريبية. ومؤخرًا تحدث وزير المالية المصري محمد معيط، عن إصدار قرار وزاري بإنشاء كيان للمعالجة الضريبية لأنشطة التجارة الإلكترونية في مصر، بهدف تنظيم هذا القطاع وتقديم الدعم له، اعتبارًا من العام المقبل.

إنها محاولة إمساك بهواء التجارة الإلكترونية، أو ما تمكن تسميته بـ”اقتصاد الظل”، المتمثل في عمليات بيع وشراء لمنتجات عبر منصات رقمية مختلفة على الفضاء الإلكتروني، سواء أكانت مواقع تواصل اجتماعي كـ”فيس بوك وإنستجرام”، أم من خلال تطبيقات مثل “سوق دوت كوم، وچوميا” وغيرهما. وقال محللون إن إخضاع هذه التجارة، البالغ حجمها في مصر نحو ملياري دولار، للرقابة، سيُدر أموالاً للخزينة العامة للدولة، وينظم عمليات البيع والشراء التي تتم من خلالها.

التجارة الإليكترونية – صورة تعبيرية

إجراءات الغلق، التي فرضتها مصر نهاية مارس/آذار الماضي، كحال الكثير من الدول منذ انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) لعبت دورًا في إنعاش التجارة الإلكترونية عبر ما يقرب من 9 أشهر، إذ وجد المستهلكون في التسوق “أونلاين” وسيلة آمنة للحصول على مبتغاهم دون الاضطرار إلى الخروج من منازلهم، والوجود ضمن تجمعات أو في وسائل مواصلات تعرضهم لمخاطر الإصابة بالفيروس.

وتشير الأرقام إلى نمو معدلات التجارة الإلكترونية في مصر إلى ما يقرب من 80%، تزامنًا مع تفشي كوفيد-19، ما دفع الكثيرين للمطالبة بضرورة إخضاع هذه الأنشطة التجارية لرقابة الدولة وإدماجها في منظومة الضرائب، بما يضمن إجراءات محاسبة واضحة لها.

أزمة كورونا لعبت دورًا في إنعاش التجارة الإليكترونية

ياسمين محسن، مؤسسة جروب “”Monish makeup، والتي تروّج من خلاله لمنتجات التجميل والعناية بالبشرة على موقع “فيس بوك”، ترى أن وجود مظلة قانونية تخضع لها معاملاتها التجارية سيعود بالنفع عليها، وسيكون له مقابل إيجابي: “بالتأكيد ستقدم لنا الدولة تسهيلات في مقابل الضرائب التي ستفرضها علينا”، هكذا قالت لـ”ذات مصر”، معتبرة أن هذه التسهيلات ستمكنها من توسيع نشاطها، ما سيضمن لها ربحًا أكبر.

لكن الأمر لم يلق ترحيبًا من أسماء سلامة، مؤسسة مجموعة”pretty”  على موقع “فيس بوك”، والتي تروّج للملابس الجاهزة والأحذية، مبررة ذلك بأن مستخدمي الفضاء الإلكتروني في التجارة والترويج للمنتجات، يعتمدون في الأساس على تقديمها بأسعار أقل من أماكن التسوق العادية، ما يُكسِبها أفضلية عن الأماكن الأخرى، لذا فإن فرض ضرائب على معاملاتها، بحسب قولها، “سيجبرها على رفع أسعار المنتجات، ما سيدفع البعض للجوء إلى التسوق العادي بحثًا عن أسعار أرخص”.

بيانات عن التجارة الإليكترونية في مصر

إنهاء نشاط صفحتها أمر لم تستبعده أسماء، رغم أنها تعد مصدر الرزق الوحيد لها، وتسهم بها في متطلبات الحياة، خصوصًا في ظل التقلبات الاقتصادية التي عانى منها كثيرون مع تفشي كورونا المستجد: “لدي تطلعات إلى توسيع نشاطي التجاريّ، ولكن إذا شعرت أن الأمر سيشكل عبئًا لن أتردد في غلق الصفحة”.

إخضاع التجارة الإلكترونية لمنظومة الضرائب سيكون له بالطبع تأثيرات إيجابية وأخرى سلبية، وفق ما قال رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، رشاد عبده، لـ”ذات مصر”، فهو يرى أن فرض الضرائب على التجارة عبر الإنترنت لا بد من أن يتضمن إجراءات واضحة وتصنيفًا للمعاملات والكيانات التي ستخضع للقانون، حتى لا تضطر مشروعات ناشئة وصغيرة إلى التراجع خوفًا من الخضوع لأرقام جزافية في تقديرات الضرائب.

وبحسب “عبده”، فالتجارة من خلال الإنترنت تخلق فرص عمل لكثير من الأشخاص ممن يلجؤون إلى العمل الحر، ما يستلزم تشجيع الدولة لتدشين مثل هذه المشروعات، خصوصًا الصفحات الصغيرة في الفضاء الإلكتروني، التي تروج لبعض المنتجات المصنوعة يدويًّا، أو حتى للمنتجات الجاهزة المحلية.

التجارة الإليكترونية – تعبيرية

أما عن المشروعات التي تستخدم الإنترنت في ترويج منتجاتها وتتمتع بإقبال كبير، أو من يعتمدون على استيراد منتجاتهم من الخارج لبيعها محليًّا داخل مصر، فيقول رشاد إنه لا مانع من إخضاعها لمنظومة ضرائب، لكن في إطار نسب مقبولة تحقق مردودًا إيجابيًّا للطرفين.

الآلية التي ستُحدَّد بها قيمة الضرائب على أنشطة مستخدمي التجارة الإلكترونية حيّرت ولاء سعد، صاحبة إحدى صفحات ترويج المنتجات البلاستيكية الشهيرة، فهي لا تعلم كيف ستُفرض ضريبة في وقت يمتد قيه ضعف الإقبال على الشراء لأشهر أحيانًا، في ظل ظروف معيشية صعبة على المواطنين: “نحن لا نتعامل من خلال نظام الفواتير مع العملاء، وصعب احتساب حجم المكسب خلال العام، وكثيرًا ما يتوقف البيع والشراء لأسباب كثيرة.. في نهاية الأمر لن يكون إخضاع عملنا لأي تقديرات ضريبية سهلاً”.

توقعات التجارة الإلكترونية خلال العام المقبل تذهب إلى زيادة النسبة لتتعدى 50% بسبب تداعيات فيروس كوفيد-19 واستمرار الأزمة لحين التوصل إلى علاج فعال أو لقاح، بحسب تقديرات تقول إن ما يقارب 8% من المصريين قبل انتشار الفيروس نفذوا عمليات تسوق إلكتروني، في حين زادت النسبة مع فرض الإجراءات الصحية بالحظر والإغلاق نهاية مارس/آذار الماضي.

 

 

هاجر حسني

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى