ثقافةمختارات

الأدب الشفاهي الأفريقي وسؤالُ الهُوية: ذاكرة شعبية ترقص.. وحلقات نار تضيء الغابة!

 

تضاعف اهتمام الباحثين الأوروبيين بالمُنتج الثقافي والأدبي الأفريقي عقب السيطرة عسكريًا وسياسيًا على أغلب بلدان القارة السمراء في مطلع القرن التاسع عشر. وتجلى هذا الاهتمام في جمع التراث الشفاهي من أشعار وملاحم وأساطير وحكايات شعبية. وبداية من منتصف القرن التاسع عشر، اتجه عدد كبير من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الأوروبيين، وخاصة من فرنسا، إلى أفريقيا لجمع وتدوين هذا التراث الأدبي.

وعلى الرغم من الاتهامات المتكررة بأن الدافع وراء الاهتمام بالفلكلور الأفريقي كان لرغبة سياسية في التعرف على شعوب القارة لدعم السيطرة عليها، إلا أن تلك الجهود أسهمت بالفعل في الحفاظ على جزء كبير من التراث الشفاهي الأفريقي، وقدمت مادة مُعتبرة للدارسين لاحقًا.

ولقد اتفق أغلب الباحثين الأوائل على أن أدب القارة السمراء هو ما أنتجه مبدعو دول جنوب الصحراء الكبرى فقط، وقرروا استبعاد دول شمال القارة لأنها تمتلك موروثًا إبداعيًا مكتوبًا. ولقد تراجعت صلابة هذا التعريف مع انتشار تدوين الإبداع على نطاق واسع في أفريقيا منذ منتصف القرن العشرين. واعتبر بعض الباحثين، من بينهم الروائي الكيني الكبير “نيجوجي واثينيجو”، أن الأدب الأفريقي هو كل ما أنتجه مبدعون ينتمون إلى القارة السمراء؛ شمالًا وجنوبًا، لافتًا إلى أن التقسيم الجغرافي بين الشمال والجنوب كان تعسفيًا ويستند بالأساس إلى النظرة الأوروبية الاستعمارية للقارة.

وعلينا أن نتقدم خطوة إضافية في الوقت الراهن، ونضع في اعتبارنا شعراء وأدباء المهجر. فلقد انطلقت حركة هجرة واسعة لمثقفي أفريقيا صوب دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، سواء للالتحاق بالأكاديميات الغربية أو هربًا من الاضطهاد السياسي أو الواقع الاقتصادي المتردي. ولدينا الآن، بحسب إحصائيات متعددة، أكثر من أربعة آلاف شاعر وأديب أفريقي يقيمون على نحو دائم خارج بلادهم.

وبالتالي، علينا إعادة صياغة تعريف الأدب الأفريقي وربطه بالإنسان أكثر من الجغرافيا، ليصبح: كل ما ينتجه مبدعون أفارقة ويناقشون من خلاله قضايا وهموم القارة، وهم يتخذون من التراث الثقافي والمعرفي للتكوينات الاجتماعية الأفريقية المختلفة إطارًا مرجعيًا.

رافدُ الأدب الشفاهي

لا يمكن مُقاربة الإبداع الأفريقي الحديث بمُختلف أنواعه، دون إلقاء الضوء على واحد من أهم روافده؛ الأدب الشفاهي، الذي يُعتبر أحد أهم مفاتيح التعرف على التراث الثقافي والحضاري للقارة السمراء. لقد ظل الأدب الشفاهي وسيلة المتعة ونقل الخبرة والمعرفة في القارة الأفريقية على مدار قرون طويلة، وحتى منتصف القرن العشرين، خاصة لدى قبائل الصحراء الكبرى ووسط وجنوب القارة.

استنادًا إلى عالم الأنثروبولوجيا اللغوية “ديل هايمز”، وعالمي الاجتماع “إرفينج جوفمان” و”ريتشارد بومان” وغيرهما، يمكن تعريف الأدب الشفاهي على أنه فن قولي ينتقل من مرسل (المؤدي/ الراوي) إلى مُستقبِل (الجمهور)، على نحو مباشر وتفاعلي. وهذه التفاعلية هي التي تلعب الدور الأبرز في نقل الرسالة. علينا أن نتخيل الفارق الشاسع بين قراءة مسرحية ومشاهدتها على خشبة المسرح، أو المقارنة بين قراءة قصة والاستماع إلى “مؤدٍ” يسرد أحداثها بطريقة فنية.

وعلى الرغم من اختلاف تعريفات الأدب الأفريقي، تظل النزعة الشفاهية هي أكبر مُحدداته على الإطلاق. لقد استمر التناقل الشفاهي كوسيلة وحيدة للتواصل الإبداعي والمعرفي منذ بداية التاريخ حتى مطلع القرن العشرين. ويرجع ترسخ هذه النزعة الشفاهية في مجتمعات جنوبي الصحراء الكبرى إلى طبيعتها القبلية وانعزاليتها الثقافية لفترات طويلة من الزمن.

ولا يقتصر دور التعبير الشفاهي على عملية التواصل بين المبدع والمتلقي، بل امتد ليؤثر في شكل ومضمون النص الإبداعي ذاته. يمنح التواصل المباشر، عادة، سلطة أقوى للمتلقي ومساحة أكبر لممارسة النقد المباشر، على عكس التواصل الكتابي الذي يعزل المبدع عن المتلقي. من المفيد أن نستحضر مشاهد رواة سيرة “أبو زيد الهلالي” في قرى مصر، عندما كان الراوي يُحدد مسار القصة وطريقة السرد اعتمادًا على نوعية المتلقي. كان يضطر لاستبعاد المقاطع التي قد تغضب الجمهور، ويضيف حالة مشهدية على المقاطع التي تثير حماسه. هذا ما كان يحدث على نحو ما أثناء التواصل الشفاهي في قلب وجنوب أفريقيا. هناك تفاعل وتأثير تبادلي بين المبدع والمتلقي، بل إن المتلقي كان يلعب دورًا في إكمال النص الإبداعي. وكان المبدع يحاول الاشتباك مع جمهوره على أكثر من نحو.

اللغة أم الأداء؟!

تعد النزعة الغنائية من أهم سمات الأدب الشفاهي، إذ يعتمد المبدعون على إيقاع قوي وصاخب، يتوافق مع دقات الطبول، ويكثرون من استخدام شطرات شعرية أو عبارات قصيرة مسجوعة في القصص والملاحم. وأظن أن هذا هو الأسلوب الأمثل لإشباع حاجة جمهور مسكون بإيقاع الطبيعة الحاد والصاخب؛ جمهور يعتبر الرقص لغة وطقسًا دينيًا، وأسلوب حياة.

ويستعير الأدب الشفاهي مفرداته من الطبيعة ويعكس المشهد الجغرافي الأفريقي، كما يستخدم الظواهر الطبيعية في رسم الصور البلاغية. لدينا الأشجار والأبقار وقمم الجبال والفيضانات الجارفة والشلالات الهادرة والشمس الحارقة والقمر الذي يهرب من فم أفعى الظلمات. وعادة ما تتسم الأساطير والملاحم والأشعار الأفريقية بلغة بسيطة، لكنها مراوغة. يرجع ذلك إلى طبيعة اللغة ذاتها، لأن أغلب لغات القبائل تضم كلمات متعددة المعاني. على سبيل المثال، كثيرًا ما تجد كلمة واحدة بمعنى فتاة/ نجمة/ أرض/ يذبح/ زرع. تصل هذه الخاصية بالمجاز إلى حدوده القصوى، وتفتح المجال أمام الكثير من الألعاب اللغوية الطريفة.

يصف عدد من الباحثين مشاهد التواصل الأدبي في أفريقيا بأنها مبارزات لغوية بين المبدع وجمهوره، ويستمتع الجمهور بقدرة الراوي على التلاعب باللغة. إلا أن دور اللغة يتراجع أمام طريقة الأداء في الأدب الشفاهي. تخيّل صوت جدتك عندما يتلوّن وهي تحكي لك حكاية خرافية. هذا الأداء الصوتي هو صاحب التأثير الأكبر، بل إنه ما يمنح القصة معناها والكلمات قيمتها الدلالية. أضف إلى هذا قيمة الأداء الحركي، الذي يخلق من الكلمات مشاهد حية تتحرك في المخيلة وترسخ في الذاكرة.

والطريف أن التاريخ يحفظ لنا أسماء رواة كبار، كانوا يجوبون قبائل أفريقيا ويشاركون في فعالياتها على الرغم من اختلاف اللغة. يحاول بعض الباحثين تفسير الأمر بالتشابه في الجذور اللغوية لتلك القبائل، إلا أنني أعتقد أن تجربة روحية هائلة بهذا الحجم قادرة ببساطة على تجاوز الحاجز اللغوي، خصوصًا إذا كانت مدعومة بأداء حركي مُعبّر.

يرى الباحث الأنثروبولوجي “لي هارينج” أن دراسة “أداء” الراوي أصبحت مركزية لدى الجيل الجديد من دارسي الفلكلور. وبدلًا من دراسة الحكايات الشعبية كنصوص جامدة على الأوراق، أصبح الباحث أكثر حرصًا على وضع تصور كلي للحالة التي يُنتجها الراوي والنص عند التفاعل مع الجمهور، أو ما صار يُعرف باسم “لحظات التفاعل الاجتماعي”. وبالتي يمكن أن تستنج أن اللغة تفقد سطوتها أمام قوة الأداء الصوتي والجسدي في الأدب الشفاهي.

الجمهور يمتحن الراوي!

ظلت رواية القصص والأساطير والأشعار الأفريقية حكرًا على عائلات بعينها لعشرات القرون. وعادة ما يبدأ الراوي حديثه بسرد نسبه تفصيلًا، لكي يوضح مدى جدارته بأداء هذه المهمة الجليلة. يجب أن يثبت أن ورث متن الحكاية من والده وجده وأسلافه عبر سلسلة ذهبية لا تنقطع. بعدها يؤكد أن ما سيتلوه على جمهوره هو كلام الأوليين دون أدنى تحريف، ثم يطلب مغفرة الآلهة عن أي سهو أو خطأ. يلجأ الراوي لمثل هذا القسم الغليظ لأن تلك القصص والأساطير هي الوحدات المكونة للعقائد الدينية، ولكي يؤكد على قدسية مهمته. وبالطبع يضع هذا القسم الجمهور في حالة من الخشوع والترقب.

لقد ورث الراوي أحد أدوار “الشامان”؛ الكاهن الطبيب، الذي كان مسؤولًا عن الحياة الروحية والمادية للقبيلة منذ قديم الأزل. كان الشامان هو الذي يُفسر عناصر الطبيعة ويسرد قصص الآلهة، ويعالج أجساد المرضى وأرواحهم. بمرور الزمن وتضاعف أعداد القبائل، فقد الشامان مركزيته وتوزعت مهامه على عدة أشخاص، كان من بينهم الرواة الأوائل. وتُعتبر الذاكرة القوية والصوت الدرامي والقدرة على التعبير الحركي هي أهم أدوات الراوي، وهي الأدوات الكفيلة بتحقيق الإشباع الذهني والروحي للمتلقي. ولقد مزج الرواة إلقاء القصائد أثناء العروض بسرد القصص والأداء الحركي والعزف على الطبول والآلات الوترية البسيطة، لتحقيق تأثير نادرًا لا يتحقق عبر وسيلة فنية أخرى.

ومن المثير للدهشة أن تستمر مثل هذه الطقوس التفاعلية في عدد كبير من مناطق القارة حتى الآن، على الرغم من الهيمنة الثقافية الغربية وغزو ما يُعرف بالمدنية الحديثة، لم تنجح تلك الهيمنة في محو التراث الأفريقي، إلا أن التفاعل الثقافي قد أدى إلى نوع من التطور في خطاب الراوي. لقد انقسم الرواة إلى نوعين بداية من القرن العشرين، حرص الأول على متابعة نهج الأجداد، بينما تخلص الثاني من الموروث الديني وانفتح على الخيال الإبداعي واستخدمه في مواكبة التطورات الاجتماعية والتاريخية.

المبدعون الشعبيون يبثون روح النضال

ظهر هذا بوضوح في منتصف القرن العشرين، حين ساهم الرواة في حركات التحرير الوطني بقوة. لقد اعتمد القادة والزعماء السياسيون على المبدعين الشعبيين في بث روح المقاومة والنضال ضد الاحتلال الأجنبي. ولعب الرواة في ذلك الحين دور الإذاعات الموجهة، وكانوا ينتقلون بين القبائل بهدف الشحن المعنوي وإقناع الشباب بالانضمام إلى حركات المقاومة، ما يذكرنا بدور شاعر الثورة العرابية، عبد الله النديم. كان تأثير الرواة كبيرًا في دعم الحراك الوطني عبر دول وسط وجنوب شرق القارة، لأنهم اعتمدوا على القوالب والأساليب التقليدية في التعبير عن الأفكار الجديدة.

في الوقت الراهن، تحولت فعاليات التلقي الجماعي إلى شكل فلكوري طريف في المدن الكبرى، عادة ما تقام في سياق احتفاليات ثقافية أو للدعاية السياحية. وكان الدافع الأول لتلك الاحتفاليات هو سعي عدة مبادرات دولية ومحلية لإحياء التراث الشفاهي الأفريقي. وشملت تلك الجهود كذلك التواصل مع الرواة وتسجيل فعاليات أداء واقعية، وتدريب عدد من الشباب القيام بدور الراوي.

توثيق الموروث الشفاهي

ومن حسن الطالع أن عددًا كبيرًا من مبدعي القارة السمراء انتبهوا لأهمية هذا الموروث النادر، وحرصوا على الاشتراك في عمليات جمعه وتوثيقه، كما استلهموا روحه وعناصره في قصائدهم. واختار مئات المبدعين الشباب، في غانا ونيجيريا على وجه التحديد، الشكل الشفاهي في التواصل الإبداعي، وأقاموا فعاليات ناجحة لإلقاء الشعر والقصة على غرار فعاليات الماضي.

وعلى عكس ذلك الحضور ثقافي الطابع في المدن، حافظ الرواة على مكانتهم ودورهم العضوي القديم في القرى والمناطق النائية. لا تزال طقوس التفاعل الجماعي تقام موسميًا، خصوصًا في أعياد الحصاد. ومن الطريف أن هؤلاء الرواة ابتكروا أهدافًا جديدة لفعاليات التفاعل تلك، من بينها حفلات للشفاء الجماعي من الأمراض الجسدية والنفسية، على غرار “الزار” في مصر.

لحظة الأداء والجمهور.. والمرأة طبعًا!

كان رد فعل الجمهور واندماجه في العرض، وتفاعله مع الراوي ومساهمته في الرقص والغناء هي أحد شروط نجاح العرض. وبالطبع كانت طريقة الإلقاء هي سر نجاح الشاعر، فغالبًا ما تكون القصائد معروفة ومُكررة، من موسم إلى آخر، أو من احتفالية إلى أخرى. تطلب هذا محاولات للتجديد في طرق التفاعل مع الجمهور. وكانت تلك الاحتفاليات تتم على نطاق واسع، بمشاركة عدة قبائل، وتشهد تنافسًا بين الشعراء والرواة الشباب لاجتذاب الجمهور إليهم في حلقات صغيرة. وفي المساء يتصدر أكبر الشعراء سنًا وأكثرهم خبرة المشهد وحده، ويقف في منتصف حلقة كبيرة تحتشد بالرجال والنساء والأطفال.

وبعد انتهاء الاحتفال الموسمي الكبير، تبدأ مرحلة جديدة، على قدر كبير من الأهمية، تقوم بها المرأة بشكل طبيعي، كأحد أدوارها المُتعددة. وهي تحويل ذلك الشكل الاحتفالي الطقوسي، المرتبط بالمواسم والمراسم، إلى حضور يومي، أكثر وظيفية ورسوخًا في الوجدان الجمعي.

لقد كان صوت المرأة –خاصة المُسنات- ينطلق يوميًا بترديد الأشعار والأغاني، ويخلق حالة من البهجة اليومية أثناء العمل في الحقول أو رعي الماشية، أو وداع الصيادين قبل انطلاقهم إلى الغابات أو أثناء جلب المياه من الآبار، أو طحن الحبوب، وغيرها من الأعمال المنزلية.

كانت المرأة تحفظ القصائد والأغاني لتستخدمها في التخفيف من وطأة العمل الشاق تحت شمس حارقة، وتملأ بها فراغات اليوم المُملة. وهي مهمة حاسمة، تنقل التاريخ والمعرفة من جيل إلى جيل ببساطة مُتناهية. عملية تمزج الترفيه بالتعلم بالعمل، ولها القدرة على خلق تماسك الفرد والجماعة على السواء، في مواجهة طبيعة قاسية، لا تحمل سوى الإرهاق والتهديد والخوف والجوع.

بطبيعة الحال، طوى النسيان أغلب الأعمال الشفاهية القديمة، واختفت أغلب أسماء الرواة الكبار من سجلّات تاريخ الأدب، عدا قلة نادرة من الأسماء التي ظلت محفورة في وجدان شعوب القارة. أشهر هؤلاء الرواة على الإطلاق هو الصومالي “أوجاس راجي”، الذي كان يعيش في القرن الثامن عشر، وكان يحظى باحترام وتقدير كبيرين من نيجيريا غربًا إلى كينيا غربًا.

من المثير للحزن أن تختفي تلك التجارب الفريدة في الأداء من الوجود، ولا نعرف عنها شيئًا، وتظل تجربة محدودة، تشاركها عدد قليل من الناس يجلسون في حلقات حول النار، وعيونهم مُعلقة على شاعر ساحر، يتلاعب بمشاعرهم وينحت في خيالهم بكلماته، حتى تنتفض أجسادهم ويرقصون على دقات الطبول كألسنة اللهب، وتتحول أجسادهم إلى إيقاعات تمتزج مع صرخات الغابة، وليل أفريقيا.

 

نصر عبد الرحمن

روائي ومترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى