الأدب والبُعد الدينيّ لمكانة مصر

د. عوض الغباري

أستاذ اللغة العربية- كلية الآداب جامعة القاهرة

كانت الحضارة العربية منارةً للعلم لمدة خمسة قرون على الأقل؛ من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إلى القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي). وقد حفظت اللغة العربية العلوم المختلفة التي استنارت بها أوروبا لنهضتها في العصر الحديث.

وكان هناك تنوع هائل لحركة الأدب المصري في تلك العصور من فنون شعرية ونثرية، وبروز الشخصية الأدبية المصرية من خلال أعلام كبار تميزوا في الأدب الديني، والفكاهي خاصة، تعبيرًا عن الشخصية المصرية التي تتسم بالتدين العميق في إهاب حب الحياة.

والتجديد الديني كان هاجس علماء مصر، وقد أسهموا فيه بقسطٍ وافر، كـ”السيوطي” الذي قدم اجتهادات واسعة في علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والدراسات الإسلامية المختلفة.

وكان “البوصيري” شاعر المديح النبوي الأكثر بروزًا في عصره، و”ابن الفارض” هو شاعر الحب الإلهي، وقد كان “ذو النون المصري” هو مؤسس التصوف الإسلامي. وكانت مصر موئل العلم والعلماء الذين قدّموا الموسوعات العظيمة في كل علم وفن، عوضًا عن ذخائر الكتب العربية التي دمرها التتار بعد سقوط بغداد.

لقد كان لمصر دائمًا بُعدٌ دينيٌّ، فقد تبنى السيوطي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ تفسير فيلسوف العرب “الكندي” القائل: “لا يُعلم بلد في أقطار الأرض أثنى الله عليه في القرآن بمثل هذا الثناء، ولا وصفه بمثل هذا الوصف ولا شهد به بالكرم، غير مصر”.

على أرضها كلَّم الله موسى، وأقبل عليها عيسى، وقد أشار القرآن الكريم إلى دخول عيسى ابن مريم وأمه مصر في قوله تعالى: ﴿وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.

وقبل ذلك أقبل عليها النبي إبراهيم وتزوج هاجر المصرية التي ولدت إسماعيل أبا العرب، وعلى رأسهم قريش التي شرفت بانتساب الرسول (ص) إليها، وقد هبط يوسفُ مصر مبعوثًا حمله الله إلى مصر ليتعلم فيها، وقد كانت مهدًا للعلم منذ أقدم العصور.

وقد ذكر القرآن الكريم على لسان فرعون قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، فقد تصور فرعون أنَّ ما وعده موسى من فردوس الآخرة لا يزيد على ما لديه من مُلك فأرسل تساؤله متعجبًا مستنكرًا مما يبشر به من جنات تجري من تحتها الأنهار وعنده مصر جنات تجري من تحتها الأنهار.

وذكر “الكندي” في فضائل مصر ما يعجب من رونق منظرها راويًا عن كعب الأحبار أنه قال: “من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر إذا أخرفت، وإذا أزهرت، وإذا اطردت أنهارها، وتدلت ثمارها، وفاض خيرها، وغنت طيرها”.

وأورد فيلسوف العرب كذلك ما ذُكر في الكتاب والسنة من فضل النيل، وذكر وصف “عمرو بن العاص” له عندما طلب منه الخليفة “عمر بن الخطاب” أن يصف له مصر فقال عنه: “يخط فيه نهر مبارك الغدوات، ميمون البركات، يسيل بالذهب، ويجري بالزيادة والنقصان كمجاري الشمس والقمر”.

أما البُعد الحضاري فقد نهضت مصر بأقدم دور في تاريخ الحضارة الإنسانية، فمنها تلقت الأمم القديمة هندسة البناء كما تشهد بذلك أهراماتها الشامخة، كما أُخذِت عنها فكرة الكتابة ونقش الحروف، فكان لها فضل كبير في بث المعرفة، وأعدها النيل على يد “عمرو بن العاص” في عهد الخليفة “عمر بن الخطاب” -رضي الله عنه- لتكون أستاذة الأمم في العناية بالزراعة. وقد فتح العرب مصر سنة عشرين للهجرة، فعمّها الإسلام بنوره، وأظلتها الحضارة الإسلامية بقيمها الإنسانية الرفيعة، وخلَّصها عدل الإسلام من جور الهكسوس والفرس والروم الذين استولوا عليها في التاريخ القديم، وساموا أهلها سوء العذاب، فلم يفتح العرب المسلمون مصر عنوة، بل وجد المصريون ما يكفل لهم حريتهم الدينية، وكرامتهم الإنسانية.

ومنذ ذلك الحين أخذت مصر تتعرَّب، وتبني المساجد منذ أن أنشأ “عمرو بن العاص” مسجده في القاهرة؛ ثم خلفه الطولونيون وأسس “أحمد بن طولون” في مصر أول دولة مستقلة عن الخلافة العباسية 254هـ، وازدهرت هذه الدولة ازدهارًا كبيرًا بفضل ما عرف عن “أحمد بن طولون” من احتفاله بالعلماء والأدباء، ومن عنايته بالدين، ومن قوته السياسية.

وكذلك وليه “كافور الإخشيدي” مؤسس الدولة الإخشيدية في مصر التي امتد عطاؤها إلى أن قامت الدولة الفاطمية سنة 358هـ التي بنى فيها “جوهر الصقلي” -قائد المعز لدين الله الفاطمي- القاهرة والجامع الأزهر المبارك (أقدم جامع وجامعة دليلًا على سماحة المصريين وعدم تشيّعهم مع حبهم لآل البيت).

عرفت مصر الوحدانية وتجلت شخصيتها الدينية منذ العصور الفرعونية إلى اليوم، حيث تداخلت حضاراتها المختلفة، وتفاعلت مع الحضارات الأخرى بثقافة عطاء وبقاء ارتبطت بالوطن وبنهر النيل.

والشخصية المصرية معتدلة اتساقًا مع وسطية الإسلام؛ شخصية النيل التي جسدت دورًا حضاريًّا إنسانيًّا بارزًا في تاريخ الإنسانية.

وحافظت مصر على شخصيتها المستقلة زمن الفاطميين، وكان الجامع الأزهر مكملًا لجامع “عمرو بن العاص” كمصدرٍ للإشعاع الروحي والمعرفي.

ومن مصر انتشرت السيرة النبوية، وساير علماؤها مناهج التجديد والاجتهاد في كل عصر وفي كل علم وفن.

فقد أسس “ذو النون المصري” التصوف العربي الإسلامي، وتوّجه “ابن الفارض” شاعر الحب الإلهي وسلطان العاشقين، ووضع “البوصيري” أسس المدائح النبوية، وقد أشاد “ابن خلدون” بابن هشام المصري الذي قيل إنه أنحى من سيبويه. وقيل إن فقيه مصر “الليث بن سعد” كان أفقه من الإمام مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، أي لم ينشروا علمه.

وكان في مصر أعظم المكتبات، مثل دار الحكمة أو دار العلم، كما أن لمصر حضارتها العظيمة التي تعبر عنها آثارها الباهرة، وقد حرَّر جند مصر، الذين هم خير أجناد الأرض، بيت المقدس، وحققوا مع “صلاح الدين الأيوبي” أكبر نصر على الصليبيين في حطين، وأعادوا الكرة على التتار في عين جالوت مع “الظاهر بيبرس”.

وحفظ علماء مصر العلوم والفنون، خاصة في العصر المملوكي، وألفوا الموسوعات الكبرى بعد ضياعها على يد التتار، عند سقوط بغداد سنة 656هـ، واتسق التأليف الموسوعي في مصر مع المفهوم الواسع للأدب من حيث الأخذ من كل علم بطرف.

وعلى هذا، شهد الأدب المصري عطاءات فنية واسعة في العصور الإسلامية، وقد اتسم بالتنوع والثراء، كاشفًا عن الشخصية المصرية، وأثر مصر -المكان والنيل- في خصوصيتها كما أبرزه الشيخ “أمين الخولي” في دعوته الرائدة إلى الاهتمام بالأدب المصري أدبًا قوميًّا، و”جمال حمدان” في موسوعته: الشخصية المصرية.

ويعبّر نص في خزانة الأدب عن طبيعة الأدب المصري ورد فيه أن “البهاء زهير” الشاعر المصري أنشد شطرًا هو:

يا بان وادي الأجرع

وطلب من “ابن سعيد الأندلسي” صاحب كتاب “المُغرب في حُلى المغَرِب” أن يكمله  فقال “ابن سعيد”:

سُقيت غيث الأدمع

فقال “البهاء”: الأقرب إلى المنحى الغرامي أن تقول:

هل ملت من طرب معي

فالغزل المصري عذب وجداني رقيق سلس.

وقد شدت “أم كلثوم” بقصيدة “ابن النبيه المصري”:

أفديه إن حفظ الهوى أو ضيَّعا

 

ملك الفؤاد فما عسى أن أصنعا

التي يقول منها:

من لم يَذُق ظلم الحبيب كظلمه

 

حلوا فقد جهل المحبة وادَّعى

يا أيها الوجه الجميل تدارك

 

الصب النحيل فقد وهى وتضعضعا

هل في فؤادك رحمة لمتيم

 

ضمت جوانحه فؤادًا موجعا

هل من سبيل أن أبث صبابتي

 

أو أشتكي بلواي أو أتضـرعا

كما غنَّت من شعره أيضًا قصيدة:

أمانًا أيها القمر المطلُّ

 

فمن جفنيك أسياف تُسلُّ

يزيد جمال وجهك كل يوم

 

ولي جسد يذوب ويضمحل

وهو غزل يقترب في سهولته من لغة الناس في حياتهم اليومية، كما في قول “البهاء زهير”:

من اليوم تعارفنا

 

ونطوي ما جرى منا

ولا كان ولا صار

 

ولا قلتم ولا قلنا

وإن كان ولا بد

 

من العتب فبالحسني

فقد قيل لنا عنكم

 

كما قيل لكم عنَّا

كفى ما كان من هجر

 

وقد ذقتم وقد ذقنا

وما أحسن أن نرجع

 

للوصل كما كنا

والغزل الوجداني الرقيق رمز للتعبير عن الحب الإلهي في الشعر الصوفي لابن الفارض الذي يقول:

وعن مذهبي في الحب مالي مذهب

 

وإن ملت يومًا عنه فارقت ملتي

   

وكذلك الخمر الرمزية في قوله:

شربنا على ذكر الحبيب مدامة

 

سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

وقد شهد وحدة الوجود في قوله:

وكل الذي شاهدتُه فعلُ واحد

 

بمفرده لكن بحجب الأكنة

وما أبدع قوله:

ما بين معترك الأقداح والمُهَج

 

أنا القتيل بلا إثم ولا حرج

ويفيض “ابن الفارض” وجدًا بفلسفته الصوفية في وحدة الشهود، والرمز في قصيدته التائية الكبرى، حيث تتجلى صفات الذات العلية في بديع صنعه، والتجلي الإلهي هو الوجود الحق في عالم الخلق:

وطاح وجودي في شهودي وبنت عن

 

وجود شهودي ما حيا غير مثبت

وعانقت ما شاهدت في محو شاهدي

 

وذاتي بذاتي إذ تجلَّت تجلَّت

إذ يتجلى الله عبر ظواهر مخلوقاته فيكشف بذاته عن ذاته، فلا يوجد شيء سواه.

والمقامات والأحوال الصوفية ماثلة في قول ابن الفارض:

قلبي يحدثني بأنك متلفي

 

روحي فداك عَرَفْتَ أم لم تَعْرِفِ

أما بردة “البوصيري” التي شدا بها المسلمون على مر العصور فهي ترنيمة حب في رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول منها:

محمد سيد الكونين والثقلين والفريقين

 

والفريقين من عُرب ومن عجم

هو الحبيب الذي ترجي شفاعته

 

لكل هول من الأهوال مقتحِم

دعا إلى الله فالمستمسكون به

 

مستمسكون بحبل غير منفصم

وفي فضل الرسول يقول:

فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق

 

ولم يدانوه في علم ولا كرم

وكلهم من رسول الله ملتمس

 

غرفًا من البحر أو رشفًا من الدِّيالم

وفي مولده -صلى الله عليه وسلم- يقول “البوصيري”:

أبان مولده عن طيب عنصـره

 

يا طيب مبتدأ منه ومختتم

وفي معجزة الإسراء والمعراج يقول:

سريت من حَرمٍ ليلًا إلى حَرَم

 

كما سرى البدر في داجٍ من الظلم

وهو ما يؤكد عمق الروح الديني في الشعر المصري، وخصوصيته في فن البديع، وقد أصَّلها أسلوبيًّا “ابن أبي الإصبع المصري” في كتابيه: “تحرير التحبير”، و”بديع القرآن”، كما يستلهم الأدب المصري من بلاغة القرآن المثل الأعلى في فن الأدب.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram