وجهات نظر

الأزهر والتجديد العملي (2-2)

مازال بعض رموز الغلو العلماني، والتنوير المتخبط، حتى هذه اللحظة، يعتبرون الأزهر أكبر العقبات أمام حرية الفكر والإبداع، ومازالوا يرددون كلامهم عن أن المؤسسة الأزهرية ليست إلا جهة مصادرة، تلاحق الكتاب والأدباء، وهو موقف غريب، يصب في صالح الرأي الذي يقول إن منتقدي الأزهر لا يريدون منه في الحقيقة أن يستجيب لانتقاداتهم، بل هم يريدونه ممثلا للتسلط باسم الدين، لتظل الاسطوانة تدور بالنقد، فيجد هؤلاء ما يقولونه في الصحف ووسائل الإعلام.. فالوثائق التقدمية للأزهر في عهد الطيب، نزعت من أصحاب هذا الاتجاه أسلحتهم، وتركتهم حيارى لا يجدون ما يقولون، وذلك مع الأسف لسبب وحيد، أن ليس بينهم من هو مستعد للاعتراف بتقدمية الخطوات الأزهرية، ولا الإقرار بالتفاعل الإيجابي من قبل المؤسسة تجاه انتقادات سابقة.

إن وثائق الأزهر جعلت التجديد لازم من لوازم الشريعة الإسلاميّة، لا ينفكُّ عنها؛ لمواكبة مستجدات العصور وتحقيق مصالح الناس، وحددت ميدان التجديد فقالت إن النصوصُ القطعيةُ في ثبوتها ودلالتها لا تجديدَ فيها بحالٍ من الأحوال، أمَّا النصوص الظنيَّةُ الدِّلالة فهي محل الاجتهاد، تتغير الفتوى فيها.

وقد تعرضت وثيقة الأزهر للتجديد الديني إلى القضايا الإشكالية التي أثارتها جماعات الغلو، وفرضتها على السجال الفكري بين المصريين، فتناولت الموقف من الجهاد، مؤكدة أن المنوط بأمره هو السلطة المختصة في البلاد وفق الدستور والقانون، وليس الجماعات والأفراد، وكلُ جماعةٍ تدعي لنفسها هذا الحق، وتُجَيِّشُ الشباب، وتدربه، وتدفع به للقتل والقتال، وقطع الرؤوس، هي جماعةٌ مفسدةٌ في الأرض محاربةٌ لله ورسوله، وعلى السلطات المختصة أن تتصدى للقضاء عليهم بكل عزيمةٍ وحزم.

ومن أهم هذه القضايا الإشكالية قضية الخلافة، التي يكاد يكون عليها بناء الجماعات الحركية في مصر والعالم الإسلامي كله، فقررت الوثيقة أن الخلافة نظام حكم ارتضاه صحابة رسول الله -ﷺ- ناسب زمانهم، وصلح عليه أمر الدِّين والدُّنيا، ولا يوجد في نصوص الكتاب والسنة ما يلزم بنظام حكم معين، بل كل نظام من أنظمة الحكم المعاصرة تقبله الشريعة مادام يوفَّر العدلَ والمساواة والحرية.

وكلنا يتابع كل عام هذا الجدل الفارغ الذي يثيره أدعياء السلفية حول تهنئة الإخوة الأقباط بأعيادهم، واعتبارهم أن هذه التهنئة جريمة تمس سلامة العقيدة، فجاءت وثيقة الأزهر لتقرر أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم تعتبر من البرِّ الذي دعانا إليه الإسلام، ولتأكد أن ما يدَّعيه المتشددون من تحريم هو جمود وانغلاق، بل افتراء على مقاصد الشريعة، وهو من باب الفتنة التي هي أشد من القتل ومن باب الأذى لغير المسلمين، وليس في التهنئة أية مخالفة للعقيدة، كما يدعي المتشددون، بل إن الوثيقة طالبت المسؤولين بمنع المواد الإعلامية الحاملة لهذا الفكر، والتي تَنْشَطُ في مناسبات الأعياد المقدَّسة عند غير المسلمين، وذلك لما تحدثه من توتر وكراهية مكتومة بين أبناء المجتمع الواحد.

في خطواته التجديدية، اهتم الأزهر كثيرا بقضايا المرأة، وقدم رؤى فقهية ترفع كثيرا من أشكال الظلم والضرر الجسدي والنفسي الواقع على النساء في المجتمعات العربية والإسلامية.. وبعض هذه الرؤى كانت مطالب لكتاب وصحفيين وإعلاميين، ظلوا لسنوات طوال يحملون المؤسسة الأزهرية المسؤولية عن كل أشكال القهر أو التمييز ضد النساء، حتى لو كانت الأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو تشريعية.. لكنهم، وكالمعتاد، حين تعامل الأزهر وشيخه إيجابيا مع مطالبهم، واستجاب لكثير منها، تجاهلوا هذه الاستجابة تجاهلا تاما، بل ظلوا يرددون كلامهم القديم، واستمروا يطالبون بأشياء تحققت بالفعل، وبعضها مر على تحققه سنوات ليست قليلة.

ومن أهم القضايا التي تصدى لها الأزهر من سنوات، قضية ختان الإناث، التي حسم الأزهر الموقف منها بقول فصل قاطع يقضي بحرمة هذا الفعل، متجاوزا ما كان معتادا من قبل من أقوال ترى أن ختان الإناث ليس واجبا، ولا يأثم أحد بتركه، أو القول بأنه لا واجب ولا مستحب، أو حتى القول بأنه مجرد عادة، وجدت في بيئات معينة.. تجاوز الأزهر كل هذه المواقف، وقرر في موقف لا يحتمل تأويلا أو مواربة بأن ختان الإناث محرم، يأثم به كل من يتسبب فيه.. وبهذا الموقف، سبق الأزهر كثيرا من المؤسسات، وأدى دوره كاملا في توفير البنية الشرعية لتجريم هذا الفعل بالقانون، وهو ما قام به البرلمان بعد سنوات طوال.

وفي خطوات التجديد، وتقديم رؤى فقهية أقرب للمساواة والعدالة، اعتمد الأزهر موقفا يقضي بجواز تولي المرأة كل الوظائف العامة: تنفيذية كانت أم قضائية أم تشريعية.. ورفض الأزهر الآراء الفقهية القديمة التي كانت تحرم الوظائف العامة على النساء، وأكد أن المعيار في تقلد المناصب هو الكفاءة، لا الذكورة أو الأنوثة.. كما اعتمدت وثائق الأزهر اختيارا فقهيا يجيز للمرأةِ في زماننا أن تُسافر من دون محرم، متى كان سفرها آمِنًا بصحبةٍ تُرافقها أو وسيلة من وسائل السفر تمنع تعرُّضَها لما تكره.

وفي مسائل الميراث، أقرت وثائق الأزهر ومؤتمره للتجديد الديني، أنه يجب تعويض المشترك في تنمية الثروة العائلية، كالزوجة التي تخلط مالها بمال الزوج، والأبناء الذين يعملون مع الأب في تجارة ونحوها، فيُؤخذ من التركة قبل قسمتها ما يعادل حقهم؛ إن عُلِم مقداره، أو يتصالح عليه -بحسب ما يراه أهل الخبرة والحكمة-إن لم يُعلم مقداره.

ولا أحد يقول إن خطوات الأزهر قد بلغت نهايتها، وأنه قد فعل كل ما يتطلع إليه التنويريون وأصحاب الآراء التقدمية، لكن التقويم المتوازن يجب أن يأخذ في الاعتبار عدة أبعاد، من أهمها البعد الزمني، فالخطوات التي تمت تعتبر كبيرة، لأن معظمها جرى خلال السنوات العشر الماضية فقط.. ويمكننا أن نقول إننا بصدد عشر وثائق صدرت في عشر سنوات، أي بمعدل وثيقة جديدة سنويا، تحمل كثيرا من الرؤى الأكثر انفتاحا وتفاعلا من حاجات المجتمع التشريعية.

وأيضا، لابد من الأخذ في الاعتبار أن المؤسسة الأزهرية لا تعمل في فراغ، فهي جزء من المجتمع، وأساتذتها وطلابها هم أبناء هذا المجتمع، الذي يتسم بالمحافظة، ولا يحبذ الخطوات السريعة، ولا يمكن للأزهر وشيخه أن يتجاوزا الحالة المجتمعية.. نعم، قد يسبقها بخطوة، أو يتقدمها بخطوتين.. لكنه يحتاج إلى حسابات دقيقة، قبل التفكير في القفزات الكبيرة، التي قد تأتي بنتائج عكسية، أو تخلق حالة رفض مجتمعي، لا يتمناها إلا المتربصون بالأزهر الدوائر.

وإذا أخذنا هذه الإشكالات في الاعتبار، فمن المؤكد أن ما حملته الوثائق التي صدرت في عشر سنوات هي تقريبا عمر مشيخة الإمام الأكبر أحمد الطيب، يعد إنجازا كبيرا جدا لا يمكن لمنصف أن يستهين به أو يتجاهله، أو يتهم الأزهر وشيخه وعلماءه بإهمال التجديد الفقهي، والجمود على آراء قديمة تجاوزها الزمن.. ومن الضروري أيضا أن يتذكر المهتمون بهذا الملف، أن محتوى هذه الوثائق، صار جزءا من المناهج الأزهرية المقررة على طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية.. أي مرحلة التنشئة وتكوين الأفكار، مما يؤكد أن الأزهر لم يصدر هذه الوثائق للاستهلاك الإعلامي، ولا للرد على المنتقدين، وإنما أصدرها مؤمنا بضرورتها، وبأهمية تربية الأجيال الأزهرية الجديدة على ما حملته من فكر واستنارة.

 

اقرأ أيضا: الأزهر والتجديد العملي (1- 2)

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى