الأزهر والنقد الأعمى: حين يتحد السلفي والعلماني

هيثم أبوزيد

يبدو أن بعض أصحاب النظر المتعجل، يتمسكون بموقف جامد من الأزهر الشريف، فيرددون عبارات ويطلقون أوصافًا كان يمكن أن تكون لها وجاهتها منذ نحو 10 سنوات أو أكثر.

لكن بعض أصحاب الأقلام لا يلتفت أبدًا لأي تطور، ولا يهتم بأي إجراء إصلاحي، ولا بأي تقدم فكري، ولعل أهم مظاهر الجمود هو ما نراه من إصرار على التجاهل التام لوثائق الأزهر، وما تحويه من رؤى وتطور يتجاوز في أحيان كثيرة ما تتبناه المؤسسات المدنية، ويتجاوز أيضًا الحالة الشعبية العامة، التي تميل غالبًا إلى شيء من التشدد والتحفظ بفعل نشاط جماعات الغلو التي افترست العقل الجماهيري لسنوات طويلة.

فخلال عقد من الزمان، وتحديدًا مع تولي الدكتور أحمد الطيب منصب المشيخة الكبرى، أصدر الأزهر الشريف عددًا من الوثائق بالغة الأهمية، تحمل مقررات إنسانية تقدمية بكل ما تحمله لفظة “التقدم” من معنى.. ومثلت هذه المقررات خطوات كبيرة جدًّا إلى الأمام، وحملت ضمنًا نقدًا لكل اختيار فقهي يعطل مصالح الجماهير، أو يمس بحقوق الإنسان، أو ينتقص من فكرة المواطنة، أو يزدري الفنون الراقية والآداب الرفيعة، أو يفرض وصاية دينية على الجماهير. 

ومثال ذلك، ما جاء في وثيقة للحريات الأساسية: حرية العقيدة، حرية البحث العلمي، حرية الرأي والتعبير، حرية الإبداع الأدبي والفني. وقد اعتبرت الوثيقة أن النصوص الدينية، والأصول الدستورية تكفل حرية المعتقد، ما يرتب عليه تجريم أي مظهر للإكراه في الدين، أو الاضطهاد أو التمييز بسببه، وقررت الوثيقة أن من حق كل فرد أن يعتنق ما يشاء دون أن ينقص ذلك من أهليته، وأكدت على رفض نزعات الإقصاء والتكفير وإدانة عقائد الآخرين أو التفتيش في ضمائرهم.

واعتبرت الوثيقة أن حرية الرأي والتعبير هي أم الحريات، وأنها تتجاوز الأفراد لتشمل غيرهم في تكوين الأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، وحرية الصحافة والإعلام المسموع والمرئي والرقمي.. وفي موقف شديد التقدم، تقرر الوثيقة أن حرية التعبير تشمل النقد البناء ولو كان حاد العبارة، وتبنت موقف المحكمة الدستورية العليا التي قررت أنه لا يجوز تقييد مفهوم حرية التعبير في القضايا العامة بعدم التجاوز، بل يتعين التسامح فيها.

ولا يخفى أن أكثر المواقف السلبية والحادة تجاه الأزهر الشريف تأتي من أناس ينسبون أنفسهم إلى مجتمع المثقفين، وما زال بعضهم يتهم الأزهر بالوقوف في وجه حرية الإبداع الأدبي والفني، وعن عمد يتجاهل ما جاء بوثائق الأزهر في هذا الجانب، التي قررت أن القاعدة الأساسية التي تحكم حدود حرية الإبداع هي قابلية المجتمع وقدرته على استيعاب عناصر التجديد. وأكدت الوثائق على أن الاحتكام في هذه القضايا إنما يكون للخبراء والنقاد العارفين بهذه الفنون. 

من الظلم أن يتعامل بعض رموز الغلو العلماني مع المؤسسة الأزهرية باعتبارها كيانًا متكلسًا جامدًا على رؤى ماضوية، فالأزهر مؤسسة ديناميكية، تنفعل بالمتغيرات حول العالم، وهي من أكثر المؤسسات الوطنية سعيًا نحو الإصلاح، ومراجعة الخطاب السائد، وتقديم صورة للإسلام لا تبعث على النفور والخوف.. لكن صاحب الهوى سيصر على اتهاماته المتكررة، وترديد نفس المقولات التي كان يرددها من عقدين أو ثلاثة، لأنه داعية هدم لا إصلاح.

ومن المؤسف أن أكثر من يوجهون سهام النقد للأزهر، لم يبنوا رؤاهم على أي أساس من العلم أو من الحقيقة، وكل درايتهم عن المؤسسة مستقاة من أحاديث وتدوينات شديدة السطحية.. وفي نقاش مع أحدهم، قال محتدًّا: لماذا الإصرار على تدريس البخاري في الأزهر؟ فقلت له: بصرف النظر عن موقفك من البخاري، هلا قلت لي في أي مرحلة أزهرية وفي أي سنة من سنوات التعليم الأزهري يدرس البخاري؟ فقال: لا أعرف، قلت له: لا تعرف ولن تعرف، لأن كتاب صحيح البخاري، لا يُدرس في الأزهر، فكاد الرجل يسقط من هول المفاجأة.. فبادرته قائلاً: إنكم تصرون منذ سنوات على التعامل مع الأزهر من خلال معلوماتكم المنقوصة، ورؤيتكم المشوشة، وكل هذا لا يفيد وطننا ولا أمتنا.. ثم سألته: ماذا تعرف عن “وثائق الأزهر”؟ فأجاب من فوره وقد علت الدهشة وجهه: لم أسمع بها من قبل!

ما من شك في أن مؤسسة كبيرة كالأزهر، تظل بحاجة ماسة إلى كل نقد موضوعي، يهدف إلى الإصلاح والتقدم للأمام، وإلى كل نصح غيور، يريد للمؤسسة أن تتخطى كل عقبة تحول بينها وبين أداء دورها الكبير على أكمل وجه وأفضل صورة، ويريد لخريجي الجامعة الأزهرية أن يكونوا بالمستوى اللائق والمشرف، وأن يكونوا مؤهلين للمهام الكبيرة التي ستلقى على عاتقهم.. ولا أظن أن المؤسسة الأزهرية، وفيها كثير من أصحاب العقول النيرة والمتفتحة تضيق ذرعا بمثل هذا النقد البناء، والنصح الموضوعي.

لكننا في كثير من الأحيان، نكون أمام مطالب علنية بهدم المؤسسة العريقة، وإغلاق معاهدها وكلياتها، وإلغاء منصب شيخ الأزهر، وكل هذا السفه والجنون، الذي يتغافل عمدًا عن كون الأزهر مؤسسة وطنية عريقة، تمثل لمصر ثقلاً كبيرًا في العالم الإسلامي، لما تحظى به من تقدير واحترام بين الشعوب، التي ترى في الأزهر مرجعية عليا في كل ما يخص علوم الشريعة، وليس أدل على ذلك من عدد الجنسيات المختلفة والدول التي ابتعثت أبناءها للدراسة في الأزهر.. فلمَ يريد أصحاب النقد الهدام أن تفقد مصر هذه الميزة، وأن تتخلى عن أحد أهم مظاهر قوتها الناعمة ونفوذها السياسي والأدبي في آسيا وإفريقيا؟

لا يكاد يمر يوم، دون أن نطالع مقالاً أو رأيًا منشورًا على مواقع التواصل الاجتماعي، يوجه سهام النقد الشديد اللاذع للأزهر الشريف، أو شيخه، أو رموزه، أو مناهجه، أو أساليب الدراسة فيه.. ومع الأسف، فإن أكثر هذا النقد لا يبتغي إصلاحًا أو تطويرًا، وإنما يستهدف هدم المؤسسة الأزهرية، أو على الأقل إضعافها تمامًا، بحيث تفقد أثرها في الجماهير، ومكانتها في الوجدان الشعبي.

فهذا كاتب يرى أن الأزهر مؤسسة فاشلة، لا تقدم ولا تؤخر، وذاك ناقد يرى أن التعليم الأزهري يخرّج طلابًا منغلقين جامدين مقطوعي الصلة بالتطور العلمي الهائل والسريع في العالم، وآخر يرى ضرورة توفير ميزانية المؤسسة الأزهرية، لتنفق في ما هو أجدى وأنفع، وغيره يكتب أن المناهج الأزهرية تخرج إرهابيين ومتطرفين ينشرون الغلو والتشدد بين أفراد المجتمع.. وأكثر هذا النقد يأتي ضعيفًا في حيثياته، ومبنيًّا على معلومات مغلوطة، مع جهل تام بدور المؤسسة الأزهرية، وقيمتها، وأثرها، وبنيتها الإدارية والتنظيمية، ومنظومة القوانين التي تحكمها.

ومن أشد أشكال النقد ظلمًا وافتراء على الحقيقة، الزعم بأن الأزهر يخرج متطرفين، ينضمون إلى جماعات الغلو والتشدد، وهذا قول هو البهتان بعينه، ونظرة واحدة إلى قائمة أسماء قيادات جماعات الغلو من إخوان وأدعياء للسلفية والجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد تثبت أن أكثرهم -إن لم يكن كلهم- قد تخرج في جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية والزقازيق والمنيا وغيرها.. ولم يقل أحد يومًا إن مناهج الدراسة أو طرق التدريس في هذه الجامعات كان سبب انضمام خريجيها إلى تلك الجماعات المتطرفة.. فقط حين يتورط طالب أو خريج أزهري في عمل عنفي تعلو الأصوات بالإشارة إلى جامعته الأزهرية، واعتبار مناهج الأزهر السبب الرئيس في هذا التورط.

إن الأزهر يقوم في حقيقته على 3 أركان هي: الأشعرية في الاعتقاد، والمذهبية في الفقه، والتصوف في السلوك. والطلاب الذين يأتون من أنحاء العالم للدراسة في الأزهر وجامعته إنما يقصدون المؤسسة لتحصيل هذه الأركان الثلاثة، وفي الفقه مثلاً، من واجب المؤسسة وأمانتها العلمية أن تعرض المذهب كما هو في مصادره المعتمدة، وليس معنى هذا أن كل مسألة يدرسها الطالب ستكون هي ما يفتي به الجماهير، فتحصيل العلم شيء، وإفتاء الجماهير شيء آخر.. وإذًا، ليس من الصنيع العلمي، ولا النقد الموضوعي، أن نتتبع مسائل تبدو غريبة على العقل المعاصر، ثم نشنع بها على الأزهر ومناهجه، خاصة وأن أكثر من يستخدمون هذا الأسلوب السطحي التافه، لا يستوعبون الأصول التي بنيت عليها المسألة، ولا القواعد الفقهية التي تستند إليها، ولا طريقة استنباطها والاستدلال عليها.

وبالطبع لا أحد يقول إن الأزهر فوق النقد، ولا أحد يزعم بأن المؤسسة قد بلغت حد الكمال، ولا اعتراض على من يرى أن بعض الجوانب تحتاج إلى مراجعة، وكل هذا مفهوم ومقبول، بل ومرحب به، ما دام يستند إلى فهم لطبيعة الأزهر ودوره وقوانينه التي يعمل في إطارها.. وهي قوانين لم يصدرها الأزهر، بل صدرت كلها عن السلطة التشريعية، ووافق عليها نواب الشعب.. ويبدو أن من يريدون هدم الأزهر يتوهمون أن اختفاء المؤسسة أو إضعافها وتهميشها سيفتح الطريق أمام ما يعتبرونه حركة للتحديث والتنوير.. لكن الحقيقة على أرض الواقع تؤكد أن الفراغ الذي يتركه الأزهر لا يملؤه إلا المتطرفون، ولن يكون في صالح أحد إلا تلك الجماعات التي عانينا من شرورها.. وهنا يكون العجب الذي لا ينتهي، إذ تصير جهود أدعياء العلمنة والتنوير ممهدة لهيمنة أعداء العلمنة والتنوير.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram