سياسة

الأصولية اليهودية في إسرائيل.. عودة “الكاهانية”

“نحن نحب الموت بقدر ما يحب اليهود الحياة”.. هذا الشعار كان لأحد قادة حركة حماس الفلسطينية، ويفسر بوضوح العقيدة اليهودية التي لا تعرف الرغبة في الموت، بل تدعو إلى اختيار الحياة، ومع ذلك، فإن حب الحياة عند اليهود لا يستبعد التعصب والتطرف أحيانا باسم التوراة، إذ يتحرك الأصوليون اليهود ويطلقون أفكارهم وأيديولوجيتهم، سواء من فوق مستوطنة بيهودا والسامرا (الاسم اليهودي للضفة الغربية) أو من شوارع نيويورك، وباسم التوراة.. أيضا يهرب الأصوليون اليهود داخل الأكاديميات التلمودية التي تحميهم من شرور العلمانية.

عندما تحرر العالم الغربي من سطوة الكنيسة، وتحرر معه اليهود من أسوار الجيتو، واختاروا أن يكونوا مثل المواطن الأوروبي الحديث المتمدن، ظل بعض اليهود متمكسين بقوانينهم الصارمة وهم الذين يمكن أن نسميهم اليوم بـ”الأصوليين اليهود”.

خلال الأيام الأخيرة كان للأصوليين اليهود ظهور خاص في الساحة السياسية الإسرائيلية، وهو ما تسبب في فتح الملف مرة أخرى، فمن هم “الأصوليون اليهود”؟ وما أيديولوجيتهم وأفكارهم؟ وكيف يتحركون داخل المجتمع الإسرائيلي؟ وما علاقتهم بالسلطة؟، وما معنى ظهورهم في الساحة السياسية الإسرائيلية الآن؟

الأصولية اليهودية.. المبادئ والأفكار

الأصولية هي اصطلاح سياسي فكري مُستحدث يشير إلى نظرة متكاملة للحياة بجوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية كافة، نابعة عن قناعة متأصلة، عن إيمان بفكرة أو منظومة قناعات تكوّن في الغالب تصورا دينيا أو عقيدة دينية.

جاءت الكلمة من عنوان سلسلة نشرات أو كتيبات سميت الأصول والتي ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة 1910 – 1915 م، واستخدم فيها مصطلح الأصول ليعني عناصر العقيدة التقليدية، أي النص كوحي.

والأصولية اليهودية -بشكل خاص- ترتكز على تفرد اليهود عن غيرهم من ناحية الجنس والمعتقد وسموهم عن غيرهم من البشر، مثلما ورد في كتاب “الأصولية اليهودية في إسرائيل” للمؤلفين إسرائيل شاحاك ونورتون متسفينسكي.

المرجعية الدينة لأفكار التفرد اليهودي وردت بشكل واضح في سفر “إشعيا” بالكتاب المقدس: “ليمت جميع الناس ويحيا إسرائيل وحده”، “يرفعك الله فوق جميع شعوب الأرض، ويجعلك الشعب المختار”، و”يقف الأجانب يرعون أغنامكم، أما أنتم – بني إسرائيل- فتدعون كهنة الرب.. تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتآمرون”.

الأصولية اليهودية ترتكز على أن اليهود شعب الله المختار

الأصولية والعقلية الإسرائيلية

لا يمكن اعتبار الأصولية اليهودية معيارا ثابتا لفهم العقلية الإسرائيلية، فهي تختلف في أيديولوجيتها وفي تفسيراتها باختلاف الفرق اليهودية والتيارات الإسرائيلية، ولكن رغم تعددها، فإن لديها بعض التقارب في الجذور.

هناك نوعان من الأصولية اليهودية، أولهما: الأصولية الدينية وهي القائمة على مبدأ أصولية الخلاص (المسيحانية)، وهي أصولية تجمع بين التعاليم التوراتية والتلمودية، والتوجهات القومية، والآمال السياسية، للوصول إلى دولة اليهود الكبرى، والثانية: أصولية اليهود القوميين العلمانيين والتي تسعى إلى تحقيق الصهيونية كقضية سياسية، على أساس أنها وعود إلهية، ولكن كبُشرى وتطلعات العبقرية اليهودية الأولى.

الأصوليات اليهودية تنطلق من مبادئ تتفق عليها، وتجد التشجيع والتأييد من قِبَل اليهود التقليديين والعلمانيين والقوميين وهي: اليهود شعب الله المختار، العودة إلى أرض إسرائيل.

ومن أهم المبادئ التي ترتكز عليها الأصولية اليهودية هي الاختلاف في النظرة لكل من قتل اليهودي وقتل غير اليهودي، بحسب ما ورد في كتاب المؤرخ الإسرائيلي “إسرائيل شاحاك” بعنوان “الديانة اليهودية،التاريخ اليهودي، وطأة ثلاثة آلاف سنة”، فإن قتل اليهودي جريمة كبرى وواحدة من أسوا ثلاث خطايا (الخطيئتان الأخريان هما عبادة الأوثان والزنا).

ولكن حين يكون الضحية غير يهودي يختلف الوضع كليا، فاليهودي الذي يقتل غير يهودي يجب ألا تعاقبه أي محكمة، بل عقابه فقط عند الله، أما التسبب غير المباشر بموت غير اليهودي، فليس خطيئة على الإطلاق.

مائير كهانا.. أبو التطرف اليهودي

في 3 نوفمبر 1988 كتبت صحيفة جيروزاليم بوست في افتتاحيتها أن الأحزاب الدينية تتنافس فيما بينها على تمزيق إسرائيل، وجعلها تتخلى عن ميثاق الاستقلال، وتعميق ارتباطها بقوانين التوراة، ومن شأن ذلك إعطاء دفعة لمسيرة تحويل إسرائيل إلى دينية، وكانت تطلق طلقة تحذيرية بعد تنامي قوة المد الأصولي اليهودي داخل إسرائيل.

ويمكن رصد مراحل تطور المد الأصولي اليهودي على النحو التالي:

 التبعية: منذ الخمسينيات إلى منتصف الستينيات، نظرا لقوة الحركة الصهيونية العلمانية ووجود المؤسسين، وتمتاز هذه المرحلة بالاعتدال.

 الاستقلال: وذلك بعد حرب يونيو 1967م، والصحوة الدينية اليهودية بسبب النصر المفاجئ.

العمل الأصولي: وذلك بعد حرب أكتوبر 1973م، ودخول الأصولية اليهودية العمل السياسي.

أما أبرز المتطرفين اليهود، والذي أقام نهجا خاصا به وصار له مريدون من بعده هو الحاخام “مائير كاهانا”، وكانت أشهر عباراتهإن طرد الفلسطينيين من البلاد هو عمل أكثر من كونه قضية سياسية، إنه موضوع ديني، واجب ديني، إنه أمر بإزالة المعصية، وبدلا من أن نخشى ردود الغرباء إذا فعلنا ذلك يجب أن نرتعد خوفا من غضب الله إذا لم نفعل ذلك ونطرد العرب”.

مائير كاهانا – أحد أبرز المتطرفين اليهود

ولد “كهانا” في 1 أغسطس 1932، واغتيل في 5 نوفمبر 1990 في بروكلين بنيويورك، وفي سن البلوغ صار مائير من المتحمسين لجابوتنسكي وپيتر برگسون، والتحق ببيتار (جناح الشباب في الصهيونية التصحيحية)، وكان من الناشطين في المظاهرات ضد إرنست بڤين، وزير الشؤون الخارجية البريطاني الذي منع هجرة الناجين من مخيمات النازي إلى فلسطين وعارض إقامة دولة إسرائيلية مستقلة لصالح تأسيس المملكة العربية الهاشمية معتمدة على السلطة البريطانية.

درس مائير في المدارس اليهودية، وكان مُلمًّا بالتلمود والتناخ (الكتاب المقدس اليهودي)، وعمل حاخام منبر ومدرسا في الستينيات.

بعد ذلك حصل على الدكتوراه من كلية حقوق نيويورك وماجستير الحقوق من كلية حقوق جامعة نيويورك، ثم عمل صحفيا بصحيفة يهودية في نيويورك، عُرف أيضًا بأسماء مستعارة مثل: “مايكل الملك” و”ديفيد سيناء”.

حياته العملية بدأت في عام 1968، عندما أسس رابطة الدفاع اليهودية (JDL)، التي كانت أنشطتها تهدف إلى الدفاع عن الجالية اليهودية في بروكلين ومضايقة الأنشطة السوفييتية في نيويورك احتجاجًا على سوء معاملة يهود روسيا.

كان “كهانا” يرى أن العديد من اليهود الفقراء وكبار السن الذين يعيشون في وسط المدينة مستهدفين من قبل المجرمين. ونتيجة ذلك، شرع في تغيير صورة اليهودي من الضعيف إلى صورة “المقاتل الجبار الذي يهاجم الطغاة بشراسة”، ولتحقيق هذا الهدف استخدم أساليب مثيرة للجدل، مثل التهديد بالعنف أو العنف الفعلي.

كاهانا وحركة كاخ

بدأ “كاهانا” العمل بشكل أكثر تنظيماً فأسس حركة كاخ، وصار عضوا في الكنيست من  أغسطس 1984 – 21 نوفمبر 1988، كانت خطة كاهانا وآراؤه السياسية هي تهجير فلسطينيي الداخل من أراضيهم إلى دول عربية لكي تكون إسرائيل يهودية بشكل تام دون وجود العنصر العربي في الدولة.

 وركزت مقترحات كاهانا التشريعية على إلغاء الجنسية الإسرائيلية لغير اليهود، وحظر زواج اليهود بأصحاب الديانات الأخرى، وحظر العلاقات الجنسية، استنادا إلى قانون الشريعة اليهودية التي أوصى بها موسى بن ميمون في مشناه التوراة.

ثم أعلنت المحكمة العليا في إسرائيل رفضها قبول تسجيل قائمة (كاخ) رسميا لخوض انتخابات الكنيست عام 1988، فعاد كهانا إلى نشاطه غير البرلماني في نيويورك محرضا ضد العرب والفلسطينيين، إلى أن اغتيل عام 1990 في نيويورك على يد المواطن الأمريكي من الأصول المصرية سيد نصير، أثناء مشاركته في إحدى الندوات بأحد الفنادق في الولايات المتحدة.

رغم وفاة كاهانا، فإن أفكاره لم تمت، فلا تزال حركته كاخ تعمل بشكل غير قانوني، بل أصبحت نهجا يتبع من جديد، فهناك من يقول :”اليوم الجميع يعرف: الحاخام كاهانا كان صادقا”، وصارت آراؤه نهجا يطلق عليه “الكاهانية”، وتشير إلى أيديولوجيته الخاصة وأحيانا يستخدم كوصف لكل الحركات أو الجماعات المتشددة من الجناح اليميني الديني الصهيوني.

مذبحة الحرم الإبراهيمي

كانت أفكاره وراء العديد من العمليات المتطرفة، ففي 1983 تم إلقاء القبض على مجموعة يهودية متطرفة حاولت في الليل اقتحام المسجد الأقصى، وقد ذكر أن هؤلاء أعضاء في حركة كاخ التي يتزعمها مائير كاهانا، كذلك مذبحة الحرم الإبراهيمي عام 1994 والتي اعتبرت بعدها الحكومة الإسرائيلية الحزبين من التنظيمات الإرهابية.

إقرأ أيضا: الانتخابات والمجتمع الإسرائيلي.. أزمة الثقة تتعمق

الأصولية اليهودية والحكومات الإسرائيلية

الاختلافات بين الأصوليات اليهودية يمكن تمييزها من خلال علاقة كل منها بالسلطة الإسرائيلية، والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة تيارات:

الأول: أصولية تحترم الحكومة الإسرائيلية، وترى أنها دولة مقدسة وحكومة يهودية، فالحاخام (صفي يهوداكوك) يعتقد أنها مقدسة ولا خلل فيها، وأنها شكل من أشكال التجلي السماوي العلوي، وأنها قاعدة العرش الإلهي.

الثاني: أصولية ترى أن الحكومة الإسرائيلية علمانية منحرفة، ولكنها وسيلة لحكومة الحاخامات القادمة، والعلاقة بينهما في حالة مدّ، ويعتقدون أنها مجرد مرحلة تسبق مجيء المخلص، ويحاولون أن يقنعوا الحكومة في ألا تفكر (فيما يجري في الخارج، بل دعونا ننظم أرضنا وأنفسنا مصغين إلى كلمة الله وكلام أنبيائه)، وهي ـ في نظرهم ـ حكومة لليهود وليست حكومة يهودية.

الثالث: أصولية ترفض الحكومة الإسرائيلية وتتهمها بالخروج عن إرادة الله، ويعبر عن هؤلاء حركة “ناتوري كاراتا” الأصولية.

أما موقف السلطة الإسرائيلية من الأصوليين، فخلال السنوات الأخيرة كان المتدينون والأحزاب الممثلة لهم (شاس ويهوديت هتوراه) جزءا من الحكومة الإسرائيلية لبنيامين نتنياهو واعتبرهم على وصفه: “شركاؤه الطبيعيون”.

ولسنوات طويلة ظلت حكومات إسرائيل تحاول أن تتجنب إثارة الأزمات مع المتدينين، منذ أن سمح رئيس الوزراء (مناحم بيجن) بتأجيل الخدمة العسكرية.

وحتى اليوم لا تزال الخلافات واضحة بين المتدينين والعلمانيين بسبب مسألة التجنيد، حيث يرى العلمانيون أن المتدينين عبء على إسرائيل ولا يسهمون في بناء المجتمع أو الاقتصاد.

شهدت انتخابات الكنيست صعود الأصولية اليهودية

المتطرفون اليهود ونتنياهو

في الانتخابات الأخيرة، برزت ظاهرة تستحق انتباها خاصا، وهي زيادة قوة الأحزاب التي تعتمد على يهودية صرفة، مثل الأحزاب الحريدية والصهيونية الدينية. لديهما معا أكثر من 20 مقعدا، فهناك من اعتبر أن الفائز الأكبر في انتخابات الكنيست الـ24 هو اليهودية الأصولية، فيما حصل حزب الصهيونية الدينية على 6 مقاعد، برئاسة عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش، الذي خاض الانتخابات ضمن قائمة واحدة مع حزب “عوتسما يهوديت” (قوة يهودية) الذي يقوده أتباع الحاخام مائير كهانا.

فإذا نجح نتنياهو في تشكيل حكومة يمينية، عقب تكليفه من قبل الرئيس الإسرائيلي رؤفين ريفيلين، فيمكن أن يضم حزب الصهيونية الدينية، ما يعني أن أتباع “كهانا” سيكونون ضمن الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة عن النهج الذي ستتبعه تلك الحكومة المثيرة للجدل.

ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحرك بأجندته الخاصة، ويتصرف بما يراه مناسبا، فمن المستبعد أن يتمكن “الكهانيون” من السيطرة على القرارات الحكومية، ولكن سيمثلون ضغطا ما على الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بالقرارات التي تخص العرب، ومن المتوقع أن يكون هناك ميل للمزيد من التطرف في القرارات التي تخص الاستيطان أو الضم.

سارة شريف

كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى