زواج بلا زفة

مصائبُ أصحاب القاعات فوائد عند "العرسان"

بحلول مارس الماضي تلاشت الآمال التي بناها “عمر” و”نهى” بشأن حفل خطبتهما الذي انتظراه على مدار عام كامل، فغَلْقُ المجال الجويّ بفعل تداعيات فيروس كورونا حال دون تجمعهما معًا، فـ”عمر” مقيم في مصر و”نهى” عالقة في سلطنة عُمان، ولا سبيلَ للقاءٍ قريب.

صباح الأربعاء الماضي، زيّنت “نهى” منزلها في عمان، وجلست رفقة والدتها وشقيقها ليحتفلوا بعيد ميلاد خطيبها وأسرته عبر مكالمة فيديو، وتبادل الطرفان الحديث حول إمكانية عودة رحلات الطيران لإتمام الخطبة رسميًّا. وفي الوقت الذي توصل فيه المتحاورون إلى أن تعليق الرحلات قد يستمر حتى أغسطس المقبل، أُصيبت الفتاة ذات الـ23 ربيعًا بالإحباط؛ ففرحة عمرها تتأجل مجددًا؛ إلا أن والدتها انتشلتها من حزنها الصامت باقتراحٍ فاجأ الجميع وهو قراءة الفاتحة “أون لاين”، الأمر الذي رحّب به “عمر” وأسرته.

وكان الدكتور “مصطفى مدبولي”، رئيس مجلس الوزراء المصري، أعلن تعليق حركة الطيران في كافة المطارات المصرية، اعتبارًا من الخميس 19 مارس، وذلك ضمن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة المصرية لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد “covid 19”.

صورة عامة لزفاف عروسين في زمن كورونا

“نهى” تروي قصة خطبتها لـ”ذات مصر” قائلة: “أدرس بكلية الصيدلة بجامعة “نزوى” في سلطنة عمان، وتعرفت على خطيبي قبل عام، وتقدم لخطبتي، وحددنا موعدًا في يوليو الماضي، والذي تأجل لوفاة أحد أقاربه، ثم حددنا موعدًا آخر في يناير الماضي، وتأجل أيضًا لوفاة جدتي، وقررنا إقامة الحفل في يونيو بعد انتهاء امتحاناتي وعودتي إلى مصر، لكن غلق المجال الجوي حال دون ذلك”.

وتُضيف أنها اتفقت مع خطيبها على شراء شبكتها من عمان، وبعد “قراءة الفاتحة” في مكالمة فيديو ألبستها والدتها “دبلة الخطوبة”، فيما ألبست حماتها خطيبها دبلته، وأُطلقت الزغاريد احتفالًا بين مدعوين لم يتجاوز عددهم 5 أشخاص.

أصحاب القاعات على رأس الذين دفعوا فاتورة كورونا

إجراءات وقائية صارمة فرضتها الدولة على مدار 4 أشهر لمواجهة تداعيات فيروس كورونا، إلا أنها انعكست سلبيًّا على مُلّاك ومستأجري القاعات والعاملين بها.

“محمد معوض”، مستأجر 4 قاعات، يقول لـ”ذات مصر”، إن قرار غلق قاعات الأفراح كبده خسائر مالية منذ مارس الماضي تصل إلى مليون و300 ألف جنيه، ما بين أجور للعمال وفواتير كهرباء ومياه وإيجار القاعات، فضلا عن ردّ “مقدم حجوزات” أفراح وحجوزات إفطار رمضان الفائت، وكلها خسائر تكبدتها بمفردي.

“معوض” يؤكد أن قاعاته كانت مكتملة الحجز حتى سبتمبر المقبل، لكنه اضطر إلى رد المبالغ لأصحابها حتى 30 يونيو الماضي، ودفع رواتب 50 عاملًا على مدار 4 شهور مراعاةً لحالاتهم المالية والتزاماتهم.

ويوضح أنه لا توجد نقابة تمثل ملاك ومستأجري قاعات الأفراح وتدافع عن حقوقهم، مؤكدًا أن قرار الإغلاق حمى المواطنين من العدوى، لكنه أضر بفئة بعينها من المواطنين تحملت عواقب اقتصادية صعبة.

ورغم اتخاذ الحكومة بعض الإجراءات التي تخفف من وقع الأزمة على الفئات الأكثر تضررًا؛ إلا أن هذه التدابير لم تشمل أصحاب القاعات ولا مستأجريها الذين يطالبون الدولة بإيجاد حل سريع لإنقاذهم من خطر الإفلاس، وتوفير حلول بديلة للخروج من الأزمة بأقل الخسائر، مثل: إلزام أصحاب القاعات بتوفير بوابات تعقيم، وتقليل عدد الضيوف للنصف، وتحديد مواعيد للعمل، وفرض غرامة مالية على المخالفين.

ويؤكد “معوض” أن تلك الحلول ستعوض الخسائر التي تكبدوها، وتُمكّنهم من الاستمرار في دفع الرواتب والإيجارات، حيث يصل إيجار القاعة الواحدة إلى 132 ألف جنيه شهريًّا.

ويتّفق معه “محمود محفوظ”، مدير 3 قاعات بأحد الفنادق، والذي يؤكد أن القرار حرم الموظفين من نسبة الأرباح والمكافآت الخاصة بالأفراح والحفلات وخفض رواتبهم بشكل كبير، وأطاح برواتب العمال تقريبًا.

“محفوظ” يُشير إلى أن شرطة السياحة منعت أيضًا جلسات التصوير بالفندق حتى تحوّل إلى مكان مهجور بعدما كان يضج بالزحام والموسيقى والبهجة، مطالبًا وزارة السياحة والصحة ببحث مقترحات عودة العمل مراعاةً للظروف الاقتصادية للعاملين، مع أخذ كافة التدابير الاحترازية اللازمة لضمان سلامة ووقاية الجميع.

حملاتٌ مشددةٌ تشنها المحافظات للتأكد من تنفيذ الإجراءات الاحترازية. وفي تصريح تلفزيوني، أكد الدكتور “خالد قاسم”، المتحدث باسم وزارة التنمية المحلية، أنه تم غلق أكثر من 2500 قاعة كانت مخصصة لإقامة الأفراح على مستوى الجمهورية، وضبط العديد من المخالفين.

أصحاب القاعات على رأس الذين دفعوا فاتورة كورونا

قبل ساعتين من موعد حظر التجوّل في الثانية عشرة مساءً، وفي شارع “المشاية” بمدينة المنصورة، وقف “محمد المرشدي” و”دينا الكرداوي” يلتقطان صورًا لتوثيق ليلة زفافهما وسط مدعوين لم يتعد عددهم 20 شخصًا من أسر العروسين.

“دينا” و”محمد” اللذان طالما حَلُمَا بليلة العمر، وحفل يمتد حتى الساعات الأولى من الصباح، وحجزا قاعة الزفاف؛ صعقهم تفشي فيروس كورونا وقرار غلق جميع أماكن التجمعات، فكان أمامهما خياران بلا ثالث؛ إما إتمام الزواج دون أي مظاهر احتفالية، أو التأجيل لأجلٍ غير معلوم.

في البداية فضلت العروس التأجيل حتى انتهاء فترة الحظر ليشاركها الأصدقاء فرحتها، لكن العريس رأى إتمام الزفاف بأي طريقة، فعش الزوجية اكتمل ولا توجد مؤشرات لعودة الحياة إلى طبيعتها خلال الفترة الحالية.

وافقت العروس على إتمام الزواج دون مراسم، فقط بحضور 20 مدعوًّا داخل سياراتهم، وجلسة تصوير، وزفة سيارات جابت الشوارع لمدة ساعة، ثم انصرف الجميع.

يروي “المرشدي” تفاصيل زواجه لـ”ذات مصر” فيقول إنه حدّد موعد زفافه في فبراير الماضي، وحجز قاعة أفراح لإقامة مراسم عقد القران، واتفق مع شريكته على قضاء شهر العسل بإحدى المدن السياحية؛ إلا أن كل ذلك تبخّر مع تفشي كورونا.

ويؤكد أنه راعى الإجراءات الاحترازية لمنع العدوى، حيث حرص وزوجته على تعقيم أيديهما بالكحول، ودعا عددًا محدودًا من أصدقائه، واشترط منع العناق والسلام بالأيدي، وعدم نزول أي شخص من سيارته، واكتفى بزفة سيارات لمدة ساعة فقط.

ويوضح “المرشدي” أن أزمة كورونا خفضت نفقات الزواج بشكل كبير، بعد أن وفر له إلغاء الزفاف في القاعة 60 ألف جنيه، مؤكدًا أن الفرحة الحقيقية في اختيار شريك الحياة المناسب.

الدكتورة “هدى الملاح”، الخبيرة الاقتصادية ومدير المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، تقول إن وباء كورونا أثّر على كافة القطاعات في الاقتصاد المصري، خاصة مجال السياحة الذي يمثّل حوالي 40% من موارد مصر.

وتُضيف أن قاعات الأفراح، سواء الموجودة في الفنادق أو النوادي أو المراكب النيلية، تُعتبر فرعًا من فروع قطاع السياحة، ومصدرًا هامًّا من مصادر الدخل، كما وفرت فرص عمل لشريحة كبيرة من المواطنين.

وتوضح “الملاح” أن توقف قطاع السياحة أثر بشكل كبير على الاقتصاد المصري، نظرًا لعدم وجود إيرادات مقابل زيادة كبيرة في المصروفات، وزيادة البطالة، خاصة مع عودة المصريين من الخارج.

تأجير السيارات كان المظهر الوحيد الناجي من إلغاء مراسم الاحتفال

الإجراءات الوقائية التي أعلنتها وزارة الصحة للوقاية في أول تفشي كورونا، كتطهير اليدين بالكحول، وارتداء الكمامة في أماكن التجمعات، ومسح الأسطح بالكلور المخفف؛ اتّبعها “أحمد البنا”، صاحب معرض تأجير سيارات بشكل حرفي، إذ يحرص على تعقيم السيارة بمياه وكلور قبل الزفة وبعدها.

“أحمد” يقول لـ”ذات مصر”، إن زفة السيارات ما زالت تحتفظ ببهجتها للعروسين، وإن كان اللجوء إليها تراجع بعد أزمة فيروس كورونا.

فيما يشترط “حسن عيد”، صاحب معرض سيارات، عدم وجود أي مرافق للعروسين بالسيارة، تنفيذًا لقرار منع التجمعات وخوفًا على السائق من العدوى.

ويوضح “عيد” لـ”ذات مصر” أن من شروط الأمان التي يتبعها أيضًا تأجير سيارة واحدة فقط للعروسين لمدة ساعتين، وارتداء السائق القفازات والكمامة واستخدام الكحول بشكل مستمر، فضلًا عن تعقيم السيارة قبل وبعد الزفة.

ويشير إلى أن أزمة كورونا خففت من تكاليف الزواج، خاصة فيما يتعلق بالفرح في ظل ارتفاع أسعار القاعات، مؤكدًا أن تكلفة تأجير السيارة تختلف حسب نوعها وتبدأ من 500 جنيه.

“علي الهواري”، صاحب بزارات سياحية بشرم الشيخ، بعد توقف قطاع السياحة قرر استخدام سيارته في الأعمال الخيرية من خلال عرضها لزفة غير القادرين مجانًا لإدخال السعادة على قلوبهم.

“علي” يقول لـ”ذات مصر”: “أثناء تصفحي فيسبوك وجدت منشورًا لشاب يطلب سيارة توصله منزله مع عروسه دون مقابل لعدم قدرته على تأجير واحدة، فتواصلت معه وعرضت عليه سيارتي فرحب وشاركته فرحته”.

ويضيف أن هذا الموقف دفعه لإعلان مبادرة عن توفير سيارته لزفة العرائس، أو توصيل أي مريض للمستشفى مجانًا، بهدف مساعدة الآخرين خاصة في ظل الأزمة التي يمر بها العالم حاليًّا، وتأثير الأوضاع الاقتصادية الصعبة على الجميع.

ويؤكد “الهواري” أنه شارك في زفتين حتى الآن، ويحرص على اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية قبل وبعد الذهاب للعروسين، مثل: ارتداء الكمامة، وتعقيم السيارة بشكل مستمر، وغسلها يوميًا.

جلسات التصوير الشاهد الوحيد على فرحة العروسين بعد إلغاء الاحتفالات

في ظل الأزمة الصحية الحالية، تُعتبر جلسات التصوير الفرصة الوحيدة لتوثيق فرحة العروسين، كما تقول “نرمين مجدي”، طالبة الحقوق التي أطاح وباء كورونا بحلمها في زفافٍ صاخب، كما حرمتها الإجراءات الاحترازية من السفر لقضاء شهر عسل مع زوجها “محمد” بإحدى المدن السياحية في سيناء، ووجدت نفسها حبيسة 4 جدران، كما تقول.

توضح “نرمين” لـ”ذات مصر” أنه على الرغم من مطالبة أسرتيهما بتأجيل موعد الزواج حتى انتهاء الأزمة وعودة الحياة لطبيعتها؛ إلا أنهما أصرّا على إتمامه، خاصة بعد انتهاء تجهيزات عش الزوجية، ولم يريا سببًا للتأجيل، بل اكتفيا بأخذ عدة مجموعات من الصور.

التواجد الدائم بالمنزل على مدار أسبوعين كاملين بعد إتمام الزواج، دفع “نرمين” لدخول المطبخ، وتعلم موهبة جديدة كانت تفتقدها، وذلك بمساعدة زوجها الذي اكتشف هو الآخر موهبته في الطبخ وتحضير الطعام.

“محمد الشربيني” (مصور) يرى أن الزواج في كورونا من أفضل مواسم التي حضرها على مدار 20 عامًا، إذ سمح بإظهار إبداع المصورين في اللقطات النهارية المختلفة، وباعد بينهم وبين روتين التصوير الليلي.

“الشربيني” يؤكد أن الوباء أثّر على ظروف عمل المصورين بنسبة 50%، خاصةً أن أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر تشهد دائمًا عودة المصريين من الخارج لإتمام زواجهم، ويتم حجز جلسات التصوير قبل الفرح بشهرين تقريبًا، لكن مع إغلاق المجال الجوي تعذرت عودة المهاجرين فاستردوا حجوزاتهم.

ويوضح “الشربيني” أن من تداعيات انتشار الفيروس أيضًا إغلاق أماكن التصوير الخارجي، وتحجيم حركة المصور، مؤكدًا أنه يحرص على تعقيم معداته بالكحول، وارتداء الكمامة أثناء الجلسات تجنبًا للعدوى.

ويشير إلى أن جلسة التصوير تبدأ من 1000 جنيه حتى 5 آلاف جنيه، ويحصل العروسان على وقتهما كاملًا في مراجعة اللقطات بتركيز، قائلًا: “قبل كورونا كان الوقت مضغوطًا، وكنا مستعجلين بسبب موعد القاعة، حاليًا باخد فرصتي كاملة أطلع موهبتي في التصوير، والعروسان كمان بيصبروا علشان دي الذكرى الوحيدة اللي باقية لهم”.

“دا أكتر موسم فيه زواج”، هذا ما يقوله “حسين عبده” (مصور) عن تأثير الأزمة على المصورين، مؤكدًا أن إغلاق القاعات شجع نسبة كبيرة من الشباب على إتمام زفافهم، والاستفادة من المبالغ الطائلة التي تُهدَر في تأجير قاعة لمدة ساعتين فقط، في حين أن إيجار “لوكيشن” التصوير يكلف 400 جنيه، وثمن جلسة التصوير فقط.

“عبده” يشدد على أن المصورين حريصون على تطبيق الإجراءات الاحترازية، وكذلك أصحاب أماكن التصوير الذين يشترطون دخول العريس والعروس والمصور ومرافق واحد فقط، ويكون مرتديًا كمامته، ومن يخالف تلك التعليمات يمنع من دخول المكان.

ويوضح المصور أنه بمجرد دخوله المكان يقوم بتعقيم الكاميرا ومعدات التصوير، ويكرر الأمر كل 15 دقيقة حتى يُطَمْئِنَ العروسين، كما يحرص على وقوف المرافق على مسافة متر، إلا إذا احتاجه العروسان.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

مي الكناني

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram