الأقربون للعدوى

كورونا عبء إضافي على جامعي القمامة

في تمام الخامسة صباحًا يتحول حي “الزبالين” إلى خلية نحل لا تهدأ، فيتجه كل عامل بصحبة أسرته مستقلين عربة النقل للمنطقة المخصصة لهم ليبدأوا في جمع المخلفات، ثم يعودوا إلى مسكنهم في الثانية عشرة ظهرًا، لتبدأ المرحلة الثانية وهي عملية الفرز، والتي تتم في المنزل بواسطة النساء والفتيات، ويجري تصنيف المخلفات في مجموعات مختلفة (بلاستيك، زجاج، معدن، ألومنيوم) والتي تنتهي في السادسة مساءً.

بالعودة بالذاكرة إلى التاريخ، فقد بدأت مهنة جمع القمامة تأخذ شكلها المنظم في الأربعينيات، عندما بدأ نزوح عائلات الصعيد إلى القاهرة الكبرى، بينما أُنشئ حي “الزبالين” عام 1969 عندما خصصت محافظة القاهرة تلك المنطقة التي تقع أسفل جبل المقطم بحي منشية ناصر لتكون مقرًّا لعملهم.

"محمد": عيني مفقوءة بشظية زجاج ويدي موشومة بالندوب.. ولم أيأس

منذ 35 عامًا، بلا انقطاع، يقطع “محمد بكر” رحلته اليومية من منطقة “ترسا” بالمنيب إلى منشية ناصر، ليعمل في حي الزبالين وسط البنايات الخرسانية المرتفعة وأكوام القمامة المتراصة أمام المنازل.

بملامح يكسوها الشقاء، يقول “محمد” لـ”ذات مصر”: “أنا ببدأ يومي من الساعة 4 الفجر لأني ساكن في ترسا وباخد 3 مواصلات عشان أعرف أجي هنا”.

محمد بكر خلال عمله في مكان فرز القمامة

يبدأ في السادسة صباحًا بجمع الزجاج من المنطقة ليصل إلى مكان الفرز، ثم ينتقل للمهمة الأصعب وهي فرز الزجاج وتصنيفه لثلاثة أنواع (الأبيض، الأخضر، البني)، وهو أمر شديد الصعوبة بالنسبة للعمال، كما يقول.

يشرح العامل التغيرات التي طرأت على عالم تدوير النفايات عقب جائحة كورونا قائلًا: “الزجاج بالذات زاد كتير بعد كورونا، لأن الناس تناولت عصاير كتير أوي في البيوت عشان الحظر”.

“ما بيمرش يوم من غير ما اتعور بسبب الزجاج، سواء جرح كبير أو صغير، بربط إيدي وبكمل شغل”. يشير لندبة كبيرة على ذراعه ويقول: “التعويرة دي من 12 سنة خيطتها، وجابوا لي عصاير يومها، وكملت العربية وحملتها”.

لم تكن تلك الندبة الإصابة الأكبر في حياة الرجل، إذ فقد عينه اليسرى نتيجة دخول شظية زجاج بها؛ وخاض جامع القمامة رحلة طويلة في المستشفيات أملًا في عودة النور لعينه المفقوءة، دون جدوى، يقول عن ذلك: “برضه كملت شغل في الزجاج وأولادي الخمسة حاولوا يشتغلوا معي لقوا الشغلانة صعبة فمكملوش”.

وعلى الرغم من التعرض الدائم لجروح بالغة جراء جمع الزجاج، إلا أن ما يُقلق “محمد” مؤخرًا هو “الكمامات المستعملة”، يقول عن ذلك: “أكتر حاجة بنخاف منها الكمامات اللي بتكون موجودة في الزبالة، مفيش قدامنا حل غير أننا نمسكها بزجاجتين ونرميها”. يأمل الرجل الستيني في أن يجمع الأهالي الكمامات في كيس بلاستيكي على حدة لتجنيب عمال القمامة خطر الإصابة بعدوى كورونا.

"أم سلامة": يدي التي تنزف تعرف كيف تُطعم 5 أولاد

في يومٍ قاسٍ تصل درجة حرارته إلى 40 درجة مئوية، تتحرك “أم سلامة” بين “شكائر الزجاج” والعرق يتصبب من جبينها، تقول لـ”ذات مصر”: “أنا بشتغل في الفرز من 5 سنين وفرزت كل حاجة؛ كانزات، وكراتين، وزجاج، وأزايز مياه معدنية”. لم ترث السيدة الأربعينة المهنة عن الآباء والأجداد كباقي سكان المنطقة، بل عملت لمساعدة الزوج للإنفاق على أبنائها الخمسة.

أم سلامة خلال فرز الزجاج

أثّرت جائحة كورونا على حياة السيدة الأربعينية؛ فأصبحت هي المعيلة للأسرة المتكونة من 7 أفراد؛ نظرًا لفقدان الزوج عمله ضمن التداعيات الاجتماعية الصعبة التي فرضها انتشار الفيروس في مصر.

تسيل الدماء من يدها، فتبستم وتقول: “ما تخافيش أنا متعودة على كده، بربطها بأي حاجة وبكمل شغل عادي، ولو الجرح كبير أوي بروح الصيدلية، أنا اتعودت على الجروح”. لكنها تستدرك: “جروح الكانزات بتوجع أكتر من جروح الزجاج”.

لا تهتم السيدة، مضطرةً، بفيروس كورونا: “أنا مش بلبس لا جوانتي ولا كمامة، لأنهم بيعطلوني عن شغلي، ولو لبستهم مش هشتغل خالص، سيبيها على ربنا”.

تختتم السيدة الأربعينة حديثها مع “ذات مصر” قائلةً: “أكبر عيل في عيالي عنده 19 سنة، ومعايا 4 غيره، وعمري ما هشغلهم الشغلانة اللي كلها شقا دي ويشوفوا اللي شفته”.

نقيب الزبالين: الدولة لا ترانا.. احمونا واربطوا القمامة جيدًا ورشوها بالكحول

التغيرات التي طرأت على المخلفات في ظل كورونا كانت كمية ونوعية، فبحسب نقيب الزبالين “شحاتة المقدس”، قلّ حجم المواد الصلبة، عقب فرض الإجراءات الاحترازية التي قضت بالإغلاق الكلي، ثم الجزئي لاحقًا، للمقاهي والمطاعم والمنشآت السياحية، من 8 آلاف إلى 6 آلاف طن؛ أي بنسبة 25%؛ إذ تشكل مخرجات الفنادق مصدرًا رئيسيًّا للمواد الصلبة من قبيل (زجاجات المياه المعدنية، فوارغ الكانزات، المشروبات الروحية)، وقلت المواد العضوية (التي تُستخدم كطعام للخنازير) بنسبة 30%.

شحاتة المقدس

يؤكد “المقدس” أن عمال النظافة وصل عددهم إلى مليون في القاهرة الكبرى، وثلاثة ملايين على مستوى الجمهورية، لافتًا إلى أن النقابة لها فروع في جميع محافظات الوجه البحري، ومحافظات الوجه القبلي (المنيا، وأسيوط، والأقصر).

النقيب يوضح أماكن تجمع العمال في القاهرة قائلًا: “هناك ست مناطق هي: (أرض اللواء- المحور، منشية ناصر- جبل المقطم، الوحدة الوطنية – سجن طرة، منطقة مايو- خلف مدافن مايو، البراجيل– إمبابة، الخصوص– القليوبية)”.

وعن كمية القمامة التي يتم جمعها يوميًّا، لفت نقيب الزبالين إلى أنه يتم رفع قمامة من (القاهرة- الجيزة- القليوبية) في اليوم الواحد بمعدل 16 ألف طن من الوحدات السكنية والمنشآت السياحية: 6 آلاف طن مواد عضوية (بقايا الطعام)، و8 آلاف طن مواد صلبة مثل (الزجاج، الكرتون، الورق، الألومنيوم، الكانز)، و2000 طن غير قابلة لإعادة التدوير كحفاضات الأطفال والمواد الخطرة التي يتم دفنها بشكل آمن.

“المقدس” يقول إن “نفايات أدوات الوقاية من كورونا خفيفة جدًّا، يعني وزنها لا يزيد على طن على مستوى القاهرة كلها في اليوم”.

وعن وضع جامعي القمامة في ظل الجائحة، يعرب “المقدس” عن استيائه من تعامل الحكومة مع العامل قائلًا: “الدولة ما وفرتش أي وسائل وقاية للعمال، واحنا اللي بنجبلهم من صندوق الكوارث بالنقابة”، مطالبًا الأهالي بوضع القمامة أمام المنزل، وربطها جيدًا، ثم رشها بالمواد المعقمة.

ويُضيف: “في البداية استهترنا بالموضوع، وقلنا إنه عندنا مناعة وجسمنا مليان ميكروبات، وياما آباءنا قابلوا أوبئة: كوليرا وإنفلونزا الخنازير وغيرها، ولكن لما لقينا أنه وباء فتّاك بقينا نراجع نفسنا، وعملنا اجتماعات، ومشينا على تعليمات الدولة”.

“محمد السيد”، رئيس مجموعة من العمال بالحي (يوزع العمال إلى مناطق جمع الزجاج ويتابعهم طوال اليوم خلال تفريغ الحافلات)، يوضح لــ”ذات مصر” التداعيات الناجمة عن فيروس كورونا على المهنة قائلًا: “الأول كان الشغل كويس، بعد كورونا الدنيا هبطت خالص، والناس تعبت، والمنطقة كلها هنا عايشة على الشغلانة دي”.

“السيد” يقول: “الشغل هنا منظم، فيه إللي بيشتغل في الزجاج والكرتون والورق والبلاستيك والألومنيوم، وكل واحد ليه تخصصه، وكل تاجر يتعامل مع منتج واحد فقط من المخلفات”.

"جمعية حماية البيئة من التلوث": كنا على شفا الإفلاس لولا عودة النشاط

“دا حمل كبير أوي على الجمعية، بتقبض 265 موظف/ة من 4 شهور من غير ما تبيع ولا منتج، وما دخلناش جنيه واحد”، هكذا يقول “بخيت متري”، مسئول العلاقات العامة والإعلام بـ”جمعية حماية البيئة من التلوث” التي تعد أكبر جمعية تعمل في مجال إعادة التدوير بحي الزبالين.

يقارن “متري” الوضع قبل جائحة كورونا وبعدها قائلًا: “قبل كورونا الجمعية كانت بتستقبل وفود من الجامعات والمدارس والسفارات من داخل وخارج مصر، وماكناش ملاحقين على البيع، لكن حالة الهلع اللي انتابت الأسر المصرية مع كورونا أثرت على حركة البيع بشكل سلبي، الناس خايفة من نقل العدوى، وخاصة أن منتجات الجمعية ناتجة عن إعادة التدوير، فمافيش بيع نهائي لا داخل مصر ولا خارجها”.

وبالتزامن مع قرارات الحكومة المصرية ببدء العمل منذ بداية يوليو الجاري، عادت الجمعية بكامل طاقمها للعمل، مع الالتزام التام بالإجراءات الاحترازية. وعن ذلك يقول “بخيت”: “إحنا رجعنا نشتغل بكامل قوتنا، وبنطمن الناس أننا عندنا مخزون كبير من المواد إللي هيعاد تدويرها من قبل كورونا”.

وبالتزامن مع قرارات الحكومة المصرية ببدء العمل منذ بداية يوليو الجاري، عادت الجمعية بكامل طاقمها للعمل، مع الالتزام التام بالإجراءات الاحترازية. وعن ذلك يقول “بخيت”: “إحنا رجعنا نشتغل بكامل قوتنا، وبنطمن الناس أننا عندنا مخزون كبير من المواد إللي هيعاد تدويرها من قبل كورونا”.

 

إحدى العاملات في المنسوجات اليدوية

“سامية شنودة”، مسئولة المبيعات بقسم السجاد والمشغولات اليدوية بالجمعية تقول لـ”ذات مصر”: “الوضع عندنا قبل كورونا كان كويس جدًّا، وكان عندنا طلبات وبنشترك في المعارض، وبعد كورونا الدنيا وقفت معانا وقعدنا في البيت 3 شهور”، مؤكدة أنه على الرغم من امتلاك الجمعية أكثر من قناة تسويق إلكترونية، إلا أن المحصلة كانت “صفر أرباح”، بل تكبدت الجمعية خسائر فادحة، حسب قولها.

“سامية” التي تقول عن نفسها إنها ابنة الجمعية، التحقت بها منذ عمر التاسعة، وتعلمت فيها القراءة والكتابة، وتدرّجت في عملها حتى أصبحت مسئولة البيع بقسم السجاد، أهم أقسام الجمعية، تقول عن منتجات المعرض: “التحف الفنية اللي بنعملها من بواقي المصانع، وبنعمل سجاد وألحفة ومفارش وأطقم سفرة ولعب للأطفال، وبنشارك في المعارض المحلية والدولية”.

وتتمنى السيدة الأربعينية عودة حركة البيع، كما في السابق، للخروج من الأزمة التي يعانون منها.

في الطابق السفلي وعلى مساحة أربع غرف كاملة بجوار بعضها يقع قسم إعادة تدوير الورق، الذي يعد من أهم أقسام الجمعية، ومع تفشي فيروس كورونا انتشرت التحذيرات المتعلقة بانتقاله عبر الورق، لذا أكدت “هدى فائق”، مسئولة قسم إعادة تدوير الورق لـ”ذات مصر”، أن الورق الذي يتم إعادة تدويره بالمخزن من قبل جائحة كورونا، لتبعث الشعور بالأمان لدى العملاء.

توضح “هدى” المراحل الذي يمر بها إعادة تدوير الورق، قائلة: “تعتبر مرحلة الفرز وفصل كافة الشوائب هي الأولى، ثم يتم فرمه ووزنه (فيه ماكينة بتاخد 6 كيلو وواحدة تانية تاخد 1200 جرام)، ومن ثم يتم خلطه بالماء دون أي إضافات كيماوية، وفي حالة الورق الأبيض يتم إضافة (قشر البصل، الكاركديه، الورد)، للحصول على العجينة”.

وتضيف: “لاحقًا يتم فرد العجينة على قوالب لتجف، ثم تنتقل لمرحلة التزيين بوضعها على طاولة يعلوها زهور ملونة، ومن ثم يتم وضع الورق بالمكبس لتصفية المياه والحصول عليه مرة أخرى ليجف. في فصل الصيف يحتاج إلى 24 ساعة فقط، بينما في الشتاء يحتاج من يومين لثلاثة أيام. ثم يتم تجميعه ليدخل مرحلة التصنيع، وتكون المخرجات على هيئة شنط هدايا وجوابات”.

تقول: “نفسنا كورونا تخلص والجمعية تتملي ناس من كل الجنسيات تاني”. تنظر بحزن إلى آلاف المنتجات المتراصة بين جدران الجمعية، وتضيف: “هذا المكان مصدر رزق لمئات الأسر”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سمر حسن

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram