سياسةمختارات

الأمل في بايدن.. أوروبا تنتظر عبور “الغيمة الترامبية”

 

مثَّل النجاح المرتقب للديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية إحياء للكثير من الآمال لدى العديد من الدول الأوروبية، وكذلك بالنسبة إلى العلاقات بين الاتحاد والولايات المتحدة، بل إن مسؤولين أوروبيين كثيرين حثّوا بايدن على خوض الانتخابات، على هامش فعاليات مؤتمر ميونخ للأمن العام الماضي.

تجاوز ترامب

تراجعت العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين إلى أدنى مستوى تاريخي بسبب تصريحات دونالد ترامب الهجومية، وانسحابه من بعض المعاهدات، كما جعل ترامب الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثانية بعد الصين في الحرب التجارية.

ووفقًا لجون بولتون، المحامي والدبلوماسي الأمريكي، فقد كان من المحتمل أن يغادر ترامب حلف الناتو في ولايته الثانية، كما انسحب من اتفاقية باريس الخاصة بتغير المناخ، ومنظمة الصحة العالمية، فضلاً عن رؤية ترامب للاتحاد الأوروبي على أنه كتلة نُظِّمت للاستفادة من الولايات المتحدة، واعتباره أن بعض الدول الأوروبية يمثل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي. وتشير استطلاعات الرأي إلى عدم الرضا الأوروبي عن أداء ترامب، ففقط 13% من الألمان، و18% من السويديين، و20% من الفرنسيين يثقون بالسياسة الخارجية لترامب.

المكسب الأكبر لدول الاتحاد الأوروبي لا يتعلق بنجاح بايدن على وجه الخصوص، إنما يتعلق برحيل دونالد ترامب، بسياسته العدائية مع الاتحاد، ومحاولة فتح صفحة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة تحت قيادة رئيس سياسي وأكثر دبلوماسية بعد 4 سنوات من الاضطرابات والتقلبات الترامبية.

ترامب وماكرون وميركل

العلاقات الاقتصادية

يأمل الأوروبيون تهدئة العلاقات مع الولايات المتحدة، بوصفها أكبر شريك تجاري، ولعل ذلك يفسر التأثير الإيجابي لتزايد فرص نجاح بايدن على الأسهم الأوروبية، فقد أكد توني بلينكين، كبير مستشاري السياسة الخارجية لبايدن، عزم الإدارة الجديدة اتخاذ خطوات ملموسة نحو إنهاء ما أسماه “الحرب التجارية المصطنعة” بين ترامب والاتحاد الأوروبي، فالاتحاد الأوروبي يأمل إيجاد حل تفاوضي، وإلغاء التعريفات الأمريكية المفروضة على منتجات أوروبية بقيمة 7.5 مليار دولار.

ويتنظر المسؤولون الأوروبيون إلغاء الإدارة الأمريكية الجديدة للتعريفات الأحادية التي فرضها ترامب على تجارة الصلب والألومنيوم، وتعريفات السيارات، وكذلك أن تعاود الولايات المتحدة التعاون مع الاتحاد الأوروبي واليابان في إصلاح منظمة التجارة العالمية، كما سيساعد تحسن العلاقات الثنائية بين الجانبين على تجاوز الأفق الاقتصادي الصعب الذي سيواجهانه في الأشهر المقبلة نتيجة تأثيرات وباء كورونا.

نهج تعاوني ودبلوماسي مشترك

تأمل دول الاتحاد الأوروبي أن يمثل فوز بايدن عودة للنهج التعاوني مع الولايات المتحدة، خاصة في دعم المسارات الدبلوماسية لتهدئة التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط.

علما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي

وبالإضافة إلى استعادة بعض بنود جدول أعمال عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، سيحرص المسؤولون الأوروبيون على التعاون مع إدارة بايدن في عدة مجالات، منها التكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة، والاستجابة العالمية لتهديدات فيروس كورونا، وإصلاح منظمة الصحة العالمية، وكذلك قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقضايا التكنولوجيا مثل خصوصية البيانات والضرائب الرقمية.

ويتطلع الأوروبيون إلى عودة العلاقات مع الولايات المتحدة دبلوماسيًّا، بناء على تفاهمات مرنة، والبعد عن المشاحنات والعداوة التي اتسمت بها علاقات إدارة ترامب، سواء مع الاتحاد الأوروبي كمنظمة، ومع ألمانيا والمستشارة الألمانية على نحو خاص، والتي ظهرت في خطاباته الهجومية.

مواجهة الصين

تعتبر مواجهة الصين أولوية إستراتيجية للولايات المتحدة وأوروبا، وقد تُمثل رئاسة بايدن فرصة للتعاون بين الجانبين في هذا الملف، خاصةً في تطوير المبادئ والمعايير المتعلقة بالتكنولوجيا، وقد تعهد بايدن بالتعاون مع “الديمقراطيات الصديقة” لتطوير قواعد بشأن الجرائم الإلكترونية وحماية البيانات وسرقة الملكية الفكرية.

وقد أكدت حملة بايدن بالفعل أنه سيسعى للعمل مع الاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرين لمواجهة التهديد الصيني، فمواجهة التحدي الصيني تعتبر من الملفات المهمة على الأجندة الامريكية في عهدي ترامب وبايدن، إلا أن الفارق سيكون في طبيعة هذه المواجهة ودرجة التفاهم والتشارك مع الحلفاء الأوروبيين فيها.

سياسات الدفاع

يتوقع الدبلوماسيون الأوروبيون أن يسارع الرئيس بايدن إلى طمأنة حلفاء الناتو بشأن التزام الولايات المتحدة الدائم بالمادة الخامسة للحلف، المتعلقة بالدفاع المشترك، وإعادة دعم التكامل الأوروبي، فهم يراهنون على أن يسمح فوز بايدن للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بتجديد التحالف وإعادة تعريفه، خاصةً في مواجهة التحدي المتزايد الذي تفرضه الصين، وفي مواجهة روسيا التي تزداد عدوانية وصعودًا، لأن القارة العجوز تحتاج أكثر من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة إلى المظلة الأمنية الأمريكية، ما سيدفع ألمانيا والحلفاء الأوروبيين لبذل كل الجهد من أجل بقاء الانخراط الأمريكي في الدفاع عن القارة.

وإذا كان من المتوقع أن تستكمل إدارة بايدن الجهود الترامبية في دفع أوروبا نحو تحمل المزيد من المسؤولية عن أمنها وزيادة إنفاقها العسكري، في ظل حرص الولايات المتحدة على التركيز على مواجهة الصين في السنوات المقبلة، فإن الدول الأوروبية تتطلع إلى نبرة أقل عدوانية وإلى علاقات أقل توترًا في هذا الملف مع الإدارة الجديدة.

وقد صرح بايدن من قبل بالفعل عن موقفه تجاه حلف الناتو والحلفاء الأوروبيين قائلاً: أول شيء سأفعله، وأنا لا أمزح، إذا تم انتخابي، فسوف أجري اتصالات برؤساء الدول الأعضاء بحلف الناتو وأقول لهم إن أمريكا عادت، ويمكنكم الاعتماد علينا”.

شعار حلف الناتو

الأطر متعددة الأطراف

انتقد دونالد ترامب الأمم المتحدة كإطار للعمل متعدد الأطراف، بل حوّل هذه الانتقادات خلال فترته الأولى إلى إجراءات فعلية بتقليص إسهام الولايات المتحدة في ميزانية الأمم المتحدة، وتُعوّل الحكومات الأوروبية على عودة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة وغيرها من الأطر متعددة الأطراف.

وتأمل النخب الأوروبية الحاكمة في أن تعود الإدارة الأمريكية الجديدة إلى اتفاقية باريس للمناخ –وهو ما صرّح به بايدن بالفعل- وإعادة الانخراط دبلوماسيًّا في القضية النووية الإيرانية بالتعاون مع الحلفاء الأوروبيين من أجل الوصول إلى اتفاق جديد، وهو ما يعتبره الدبلوماسيون الأوروبيون رمزًا لالتزام الولايات المتحدة الشامل بالتعددية، والأمر ذاته ينطبق على العودة الأمريكية إلى منظمة الصحة العالمية، ومبادرة البنية التحتية الخضراء.

شرق أوروبا.. جانب آخر من الصورة

تشهد أوروبا حالة من الخلاف بين الشرق والغرب بشأن مجموعة من القضايا منها قضايا الهجرة، وسيادة القانون، والتكامل الأوروبي، والعقوبات المفروضة على روسيا، وكذلك معايير الديمقراطية، وهو ما ينعكس على المواقف والتطلعات حول الإدارة الأمريكية الجديدة.

وقد صرح رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، بدعمه لدونالد ترامب في مواجهة الإدارات الديمقراطية التي تتعامل في سياستها الخارجية على أساس “الإمبريالية الأخلاقية“، واصفًا ترامب بالحليف في المعركة ضد “الليبراليين اللطفاء”.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان

وبينما قرر ترامب إعادة نشر ألف جندي في بولندا، من أصل 12 ألف جندي أمريكي سحبهم من ألمانيا، من المرجح أن يعرقل فوز جو بايدن آمال البولنديين في استضافة المزيد من القوات، أو حتى إبقاء القوات المعاد انتشارها، حيث صرح مساعدو بايدن بأنه سيراجع بعد انتخابه قرار ترامب بسحب آلاف القوات من ألمانيا.

جو بايدن

وإذا كان من المرجح أن تركز سياسة “بايدن الديمقراطي” الخارجية على تعزيز القيم الليبرالية، مثل حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون وغير ذلك، فإن دول شرق أوروبا وأحزابها القومية الشعبوية تهتم بقضايا الهجرة والالتزامات الأمنية التي دعمهم فيها الجمهوريون وترامب، وهو ما يفرض على الإدارة الجديدة مراعاة الاهتمامات المختلفة لهذه الدول، إذا أرادت طمأنتها وتهدئة مخاوفها من السياسة الخارجية للإدارات الديمقراطية.

إجمالًا، يعلق الاتحاد الأوروبي ودول أوروبا الغربية الكثير من الآمال على جو بايدن من أجل تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وإصلاح ما أفسده دونالد ترامب بين الجانبين، كما يأمل أن تعود الولايات المتحدة إلى الأطر الجماعية التي انسحبت منها خلال السنوات الأربع الأخيرة، وأن تشهد الفترة المقبلة علاقات دبلوماسية وتعاونية تخلو من المشاحنات التي اتسمت بها الفترة السابقة، وتفتح الطريق لبعض التفاهمات بين الولايات المتحدة والحلفاء الأوربيين. إلا أن لدول في أوروبا الشرقية تفضيلات تختلف عن غيرها، بعدما وجدت في ترامب حليفًا مناسبًا، وتأمل أن يزيل بايدن تخوفاتها من الإدارات الديمقراطية.

 

عبد المجيد أبو العلا

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى