زوايا

“الفؤوس أهم من الفلوس”.. كورونا تغير توجه العرب الاقتصادي

غيرت جائحة كورونا سُلم أولويات الدول العربية اقتصاديًا، لتعيد الاعتبار إلى المجال الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي بفؤوس محلية بدلًا من الاستيراد المحكوم بتقلبات الإنتاج والأسعار، وخيارات المصدّرين في أوقات الأزمات، والذين رفعوا إبان الأزمة شعار “ما تحتاجه شعوبنا يحرم على الآخرين حتى لو كانوا أصدقاء”.

اعتمد العرب كثيرًا على استيراد الطعام من الخارج حتى تعاظمت الأرقام بشكل مخيف، فبات الاستيراد هو الأساس والإنتاج استثناءً، استنادًا إلى لغة الأرقام التي تؤكد تصدر الإقليم قائمة مستوردي السلع الغذائية عالميًا.

فالسعودية تستورد نحو 80% من احتياجاتها الغذائية، الكويت وقطر والإمارات واليمن 90%، البحرين ولبنان 85%، ومصر وفلسطين 65%، والعراق والأردن وعُمان نحو 60%، وتونس أكثر من 50% والجزائر 40%.

درس كورونا في الزراعة

تلقت المنطقة درسًا مع وباء كورونا وتبني الدول سياسات الإغلاق، وميل مُصدّري الغذاء لحجب التوريد حفاظا على المخزون المحلي، مثل كازاخستان التي منعت تصدير القمح، وروسيا التي رفضت التعاقدات الجديدة للشراء، ووضعت مراجعة أسبوعية للكميات التي تصدرها، كذلك فيتنام وكمبوديا وميانمار أوقفت تصدير الأرز، حتى تايلاند التي استغلت الفرصة فرفعت سعر بيع الكميات الصغيرة التي تصدرها لأعلى مستوى في 7 سنوات بزيادة تتجاوز 75 دولارًا.

أعادت كورونا التذكير بأزمة سابقة لازمت المنطقة العربية خلال 2007/2008، حينما قفزت أسعار الغذاء إلى أعلى مستوى عالمي في أعقاب دخول المضاربين على العقار، الخاسرين من أزمة الرهن العقاري بالولايات المتحدة، سوق الغذاء، وارتفاع تكاليف النقل وأسعار النفط لمستويات قياسية، ما تسبب حينها في تنامي استهلاك المنتجات الزراعية في عمليات إنتاج الوقود الحيوي.

تسهم الزراعة بـ7% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة العربية، مع ذلك يعتمد 40% من العرب على الزراعة لتلبية احتياجاتهم

تسعى الدول العربية حاليًا إلى تغيير ذلك الواقع بتدشين سياسات “العودة للجذور”، عبر استصلاح مساحات أكبر من الأراضي في الداخل والخارج، وإدخال تقنيات متطورة للإنبات والري في المساحة القائمة، وتوسيع تجارب الصوب الزراعية والمحميات، وصولًا إلى مستقبل يتضمن تدريجيًا الاعتماد على الذات، وربما الاكتفاء الذاتي.

يتضمن استيراد الغذاء من الخارج مشكلة مزمنة للاقتصادات العربية، حتى في غير أوقات الأزمات، بتقليصه لجهودها في الحد من ارتفاع الأسعار، لتعريضها دائمًا “التضخم المستورد”، أو بمعنى آخر: “تظل مرهونة بمدى ارتفاع أو هبوط مستوى الأسعار في الدولة المصدرة وحجم الإنتاج والطلب المحلي لديها”.

ويتسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية في معضلة صحية عربية تتعلق بالسِّمنة، مع اتجاه الطبقات الفقيرة التي تخصص 67% من دخلها للغذاء، إلى تقليص استهلاك البروتين والتوجه نحو الزيوت والنشويات على اعتبار أنها أرخص سعرًا، فتزيد معها نسبة زيادة الوزن والأمراض المتعلقة به، كما في الحالة المصرية، حيث كشف مرصد الغذاء استهلاك الأسر 100% من الخبز طوال أيام الأسبوع والبروتين الحيواني أقل من مرة في الفترة ذاتها.

وتسهم الزراعة بنسبة 7% فقط من الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة العربية، ومع ذلك، فإن دورها رئيسي في تحقيق الأمن الغذائي للطبقات الفقيرة، فنحو 40% من العرب يعتمدون على الزراعة في تلبية احتياجاتهم، كما أن تطويرها يمكن أن يقلل من فاتورة استيراد المنطقة للغذاء، والتي تصل إلى 90 مليار دولار.

مشروعات الأمن الغذائي

في مصر، أكبر مستورد قمح في العالم، دشنت الحكومية مشروعين عملاقين متجاورين، أحدهما باسم “مستقبل مصر” في الساحل الشمالي الغربي، والثاني “الدلتا الجديدة” على حدود ثلاث محافظات: الجيزة المتاخمة للقاهرة، والبحيرة بالدلتا القائمة، ومطروح، وبمجموع كلي يناهز مليونا ونصف المليون فدان.

كان من المقرر أن تبلغ مدة تنفيذ “الدلتا الجديدة” عشرة أعوام، لكن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي طالب بضغطها في عامين اثنين فقط، لسرعة تحقيق استراتيجية التوسع الزراعي والعمراني وتحقيق الأمن الغذائي، خاصة أنه يتضمن تصنيع المنتجات ونقلها مع تقليل الفاقد لأقل درجة.

ووفق المركز المصري للفكر والدراسات، فإن مشروع الدلتا الجديدة يضيف 15% مساحة مزروعة جديدة لمصر تُستغل لتحقيق الأمن الغذائي، وتظل أرباحه على المدى البعيد أعلى بكثير من أعبائه في ظل احتياج الفدان الواحد إلى نحو 200 ألف جنيه للاستصلاح، دون إضافة أعباء توصيل مياه الصرف الصحي المعالج وتأسيس محطاتها.

يشير وزير الزراعة المصري السيد القصير، إلى أهداف المشروع بوضوح، والتي تتضمن الحد من استيراد السلع الغذائية الاستراتيجية بعدما أظهرت جائحة كورونا أهمية قصوى للقطاع الزراعي، ما يدفع الدول إلى إعادة رسم خططها بمجال الزراعة.

تعتمد الدلتا الجديدة على مياه الصرف الصحي المعالج، بينما بدأ العمل في مشروع مستقبل مصر، الذى تبلغ مساحته 500 ألف فدان، على استغلال المياه الجوفية المتاحة بالمنطقة، بتنمية مرحلية تضمن زراعة 200 ألف فدان العام الحالي، ترتفع إلى 350 ألف فدان مع بداية 2022.

اقرأ أيضًا: ريف خواجات.. لماذا هجر عوّاد أرضه لـ”الكريب” و”التشيز كيك”؟

يأتي المشروع في ظل تحديات مصرية تتعلق بالمياه مع تعقد أزمة سد النهضة في إثيوبيا، والتي كانت وازعا نحو استثمار الإمكانيات المتاحة بتطوير طرق الزراعة بهدف توفير 25% من كميات المياه المستخدمة و15% من التقاوي عبر الزراعة بأنظمة المصاطب العريضة، بجانب استنباط محاصيل ذات جودة أعلى: تتميز بانخفاض حاجتها للمياه، وقصر مدة زراعتها.

الصوب الزراعية
دشنت الحكومة المصرية مشروعًا لبناء 100 ألف صوبة زراعية

دشنت الحكومة المصرية مشروعًا لبناء 100 ألف صوبة زراعية، تم تنفيذ 40 ألف منها بتكلفة 40 مليار جنيه، ويهدف المشروع في جزء منه إلى الحد من استيراد التقاوي، والتي تكلف الاقتصاد المحلي قرابة 2 مليار جنيه سنويا، خاصة أن إنتاج الصوبة الواحدة على مساحة فدان تعادل إنتاجية 10 أفدنة عادية، وتعتمد على أسلوب “أورجانيك” في ريّها بمياه لها نقاء مياه الشرب، وفقًا للمواصفات والمعايير الدولية.

تحقيق الأمن الغذائي بالزراعة الذكية

تبنت الإمارات نمطًا مختلفًا لتحقيق استدامة الأمن الغذائي عبر استغلال الابتكار وتطوير التقنيات الذكية في إنتاج الغذاء، حتى قفزت للمركز 21 عالميًا في ذلك الملف، متقدمة 10 مراكز دفعة واحدة في 2020.

تمتلك الإمارات اقتصادًا قويًا يحميها من تقلبات الأسعار العالمية مهما كانت قاسية، لكنها تحتاط من المستقبل في ظل تأثير التغيرات المناخية، ونقص المياه، وفقدان التنوع البيولوجي، وموجات الجفاف والفيضانات، والتي تتحدث الدراسات عن أنها مصدر تهديد لإنتاج الغذاء مستقبلا.

وفي يونيو 2020، أطلقت الإمارات النظام الوطني للزراعة المستدامة الهادف إلى زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي في الدولة للمحاصيل الزراعية المستهدفة بمعدل سنوي يبلغ 5%، وتحسين المردود الاقتصادي للمزرعة بواقع 10% سنويًا، وزيادة القوى العاملة في المجال بمعدل 5% سنويًا، وترشيد كمية المياه المستخدمة في وحدة الإنتاج بواقع 15% سنويًا.

وقد دشنت منصة دبي، خلال عام جائحة كورونا، لحالة المخزون الغذائي التي تضمنت مؤشرات عدة، في مقدمتها توفُّر المخزون والإنتاج المحلي والاستهلاك والأسعار لكافة السلع الحيوية في البلاد، بجانب دليل نبض الاستزراع السمكي 2020، الذي يرصد منظومة العرض والطلب لمنتجات الأسماك وفق التقديرات الحالية، وذلك من خلال تحديد أهم أنواع الأسماك التي يُقبل عليها المستهلكون ومتوسط أسعارها في مختلف أسواق الأسماك في الدولة.

ويوجد في دبي حاليًا نحو 141 صوبة زراعية ذكية لدعم زراعات مختلفة، ونجحت في إنتاج محاصيل غير متوقعة، منها الأرز في منطقة المرموم، اعتمادا على مياه البحر المخففة، بإنتاجية تبلغ 500 كيلوجرام لكل 666 مترًا مربعًا، وتشير توقعات إلى أن البلاد يمكنها تحقيق الاكتفاء الذاتي من الخضراوات عبر إنشاء 15 ألف صوبة زجاجية ضخمة تعتمد على أسلوب التبريد.

وفي أبو ظبي، تشير أحدث المعلومات المتاحة إلى وصول عدد بيوت الزراعة المحمية في الإمارة إلى 18 ألفًا و269 محمية، بجانب معدلات قياسية في زراعة الأشجار المثمرة التي تشكل حاليا أكبر نسبة من الحيازات النباتية في أبوظبي، بما يعادل 36.3%.

وأجرت شركات الأغذية الإماراتية الكبيرة سلسلة استحواذات على شركات في المنطقة العربية بهدف ضخ استثمارات جديدة في شرايين الأخيرة، ومضاعفة أحجام الإنتاج بما يصب في الأسواق في البلدين، كاستحواذ “أغذية” على 75% من أسهم شركة الإسماعيلية للاستثمار الزراعي “أطياب”، إحدى شركات إنتاج اللحوم والدواجن المجمدة بمصر، وقبلها على 80% من شركة النبيل للصناعات الغذائية التي تمتلك شبكة توزيع محليّة ودولية تضم أكثر من 20 سوقا وسعة إنتاجية تبلغ 43 ألف طن سنويًا، فضلًا عن أكثر من 600 منتج.

تجربة سعودية

دشنت السعودية حاليًا مبادرة لزراعة 10 مليارات شجرة خلال العقود القادمة في خطة لمواجهة التصحر وانحلال التربة، والتي تعتبر إحدى مشكلات الأرض المنزرعة في السعودية، فإتمام زراعة الأشجار يسهم في استعادة مساحة تعادل 40 مليون هكتار (الهكتار 10 كيلو متر) من الأراضي المتدهورة.

وتشجع المملكة شركاتها على الاستزراع في الخارج للحفاظ على المياه الجوفية المحلية، وقفزت محفظة استثمارات صندوق التنمية الزراعي بالخارج إلى مليار ريال في 2020 بزيادة نحو 55% عن قيمتها في 2019، بينما قفز  إجمالي حجم الاستثمارات السعودية الزراعية في الخارج أكثر من 10 مليارات ريال (3.75 مليار دولار) خلال العشرة أعوام الأخيرة في كثير من دول العالم، بينها السودان ومصر وإثيوبيا والمغرب.

الزراعة في السعودية
تدعم السعودية تنمية المناطق الزراعية التي تعتمد على مياه الأمطار مثل جازان

في نفس الوقت تدعم السعودية تنمية المناطق الزراعية داخلها، والتي تعتمد على مياه الأمطار مثل جازان التي تضم أراضي زراعية طينية وأخرى صفراء، واهتمت بمشروعات الصيد داخلها حتى أصبحت تشكل 45% من الإنتاج الكلي للأسماك في المملكة، و4 مزارع بطاقة 1.9 مليون طائر، كما تبنت سياسة دعم الإنتاج في منطقة عسير، التي وصل عدد البيوت الزجاجية فيها إلى 7950، تنتج معظم الخضراوات، بجانب 209 مشروعات لإنتاج لحوم الدجاج بطاقة 270.5 مليون طائر.

تسعى السعودية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الدواجن بنسبة 80% بحلول 2025، وتتجاوز النسبة الحالية 60% بعدما بلغ إنتاجها في 2020 من لحوم الدجاج 930 ألف طن متري، ومن المتوقع أن يرتفع الإنتاج إلى 950 ألف طن متري بنهاية العام الحالي.

لا مفر من غموض المستقبل

تشير المنظمة العربية للتنمية الزراعية إلى ضرورة زيادة نسب الاكتفاء الذاتي من محاصيل العجز الاستراتيجية، خاصة الحبوب والسكر والزيوت، إلى جانب تطوير وتقييم برنامج الأمن الغذائي، وإدخال التحسينات اللازمة عليه لإعطائه القدرة على إيجاد الحلول المناسبة لإشكاليات الأمن الغذائي العربي في مواجهة تداعيات فيروس كورونا.

وتقترح ابتكار آلية عربية لتمويل التنمية الزراعية أو صندوقا عربيا لتمويل التنمية الزراعية، بإعداد دراسة متكاملة عنه تشمل تحديد الجهات المستفيدة، ومصادر التمويل، وطرقه وآلياته، والعون الفني والدعم المؤسسي وضمان مخاطر الائتمان ومعايير الأهلية للاقتراض، وشروط التمويل.

يقول الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث، إن كورونا كانت المحك الذي نبه الكثير من الدول حول العالم إلى ضرورة استدامة ملف الأمن الغذائي على المدى البعيد، خاصة مع تباطؤ حركة التجارية الدولة وتضرر مواسم الحصاد بعدم حرية تنقل العمالة.

يضيف “الشافعي” لـ”ذات مصر” أن جائحة كورونا لم تنته بعد، والتقديرات تشير إلى أن أعباءها على الإنتاج الزراعي ستسمر عامين آخرين، وكان ذلك الدافع وراء سعي الدول العربية إلى سرعة إنجاز المشروعات لضمان توفير ما يكفي احتياجاتها، خاصة أنها الأكبر استيرادًا للسلع الغذائية في العالم، كما أن شح المياه لم يعد مشكلة حاليًا للإنتاج الزراعي في ظل وجود بدائل كتحلية المياه والصرف الصحي المعالج الذي يعتبر مصدرًا رخيصًا.

الجفاف
خلال النصف الأول من 2020 حذرت تقارير غربية من أن شبح مجاعة يحوم حول كثير من دول العالم

بدأت شركة المياه الوطنية السعودية، أخيرًا، أولى خطوات مشاركة القطاع الخاص في 114 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي، إذ تعالج 5.1 مليون متر مكعب يوميًا، بينما دشنت مصر 66 محطة معالجة صرف بطاقة إجمالية 2.9 مليون متر مكعب يوميًا، لأغراض الاستخدام الزراعي وري المناطق الخضراء في المدن.

يقول الخبير الاقتصادي السعودي عبدالرحمن العليان، إن الدول العربية “كانت بين نارين في خضم أزمة كورونا، فالتعاقدات على المنتجات الغذائية كانت صعبة، والأصعب هو كيفية التعامل معها على مستوى التطهير لمنع نقل العدوى، أو سلالات متحورة من الفيروس إليها، خاصة بالنسبة للمنتجات الغذائية الطازجة”.

وخلال النصف الأول من 2020، تحدثت كثير من التقارير الغربية عن شبح مجاعة يحوم حول كثير من دول العالم، بينها دول عربية.

وقدمت الكويت حينها مقترحًا يقضي بإنشاء شبكة أمن غذائي متكاملة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية  التي تضم كلا من السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان.

يضيف “العليان” لـ”ذات مصر” أن الاقتراب من الاكتفاء الذاتي العربي يواجه تحديات بالنسبة لكل دولة على حدة، لكن تلك الإشكاليات تذوب حين تُسخّر إمكانيات أكثر من دولة مجتمعة، فمنطقة الخليج لديها فوائد أموال، والسودان والصومال لديها أراضٍ، ومصر تمتلك العمالة.. “كلها حال جمعها معًا يمكنها تحقيق الأمن الغذائي بصورة كلية على المدى الزمني البعيد”.

محمد سيد

صحفي وباحث مصري متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى