زوايا

الأميرلاي موسى دياب انحاز لعُرابي، ومات منفيًا في قريته

كان الحُراس يسوقون مسجونيهم الذين هم في عُهدتهم من الإسكندرية إلى القاهرة؛ حيث مصيرهم المحتوم.. وهو تنفيذ أحكام المحكمة العسكرية بإعدام معظهم. المحظوظ من بينهم كان مصيره السجن المؤبد، أو النفي  إلى السودان!

الأقفال الحديدية كانت مُحكَمة الإغلاق على أيديهم، بينما كانت هناك سلسلة واحدة تجعمهم وتُنظَِم خُطواتهم القصيرة والذليلة! أزياؤهم العسكرية بالية ومتسخة. نُزعت الرُتب العسكرية من فوقها، ومن الصعب أن يتصوَّر أحدٌ أن هؤلاء كان من بينهم: “أمير لواء”، أو “أمير لاي”، أو “قائمقام”!

لكنَّ الحُراس كانوا يعرفون قدر هؤلاء ومكانتهم السابقة بالطبع.  فلأسابيع معدودة خلت كان هؤلاء المسجونون هم قادة الجيش المصري الذي انهزم أمام القوات الإنجليزية؛ بفعل: خيانة الخِدِيو توفيق، وتواطئه مع الأجانب، وتردُّد الباب العالي في نصرة الزعيم أحمد عرابي، وضَعْف إمكانات الجيش المصري، وقلة أعداده وتسليحه أمام جيش الاحتلال.

رقَّت قلوب الحُراس لطلب الأمير لاي موسى دياب علي دياب، وباقي رفاقه من الضباط الخاضعين للمحاكمة العسكرية. فسمحوا لهم بأن ينزلوا من القطار إلى طنطا، للصلاة في مسجد السيد البدوي. كانت رغباتهم تتوقف عند طلب العون والمدد من شيخ العرب بأن يُفرَّج الله عنهم الكَرْب الذي هم فيه، بعدها يواصلون رحلتهم مع سجانيهم إلى القاهرة؛ حيث قدرُهم ومصيرُهم المحتوم!.

الأميرلاي موسى دياب (2)
رسوم: أحمد بيكا

نزع الحراس القيود من أيدي أسراهم.. وبالفعل تمكنوا من الصلاة. ثم وقفوا بعدها طويلاً أمام ضريح “البدوي” يتبركَّون به وبمآثره، ويَعدون بتقديم النُّذور القيِّمة.. إن فك الله كربهم.

بعد ذلك، تجمَّعوا أمام المسجد، تنفيذًا لأوامر الحُراس، وهمَّوا للعودة إلى محطة القطار مرة أخرى.. لكن فجأة؛ انقلب المكان رأسًا على عقب. وانتشر العشرات من أفراد الحرس الخِدِيوي بملابسهم الرسمية المميزة، وهم مدججين بالسلاح.

وعلى الفورِ؛ تم إغلاق المكان كلِّه على مَن فيه. ومنع الحراس الدخول أو الخروج إلى المسجد، وكذلك الضريح!

انزوى حينها الحراس والمساجين  إلى أحد جانبي الطريق، حتى يتبيَّنوا ما يحدثَ.

مرت دقائق، وبعدها ظهر موكب الخِدِيو توفيق الذي كان في طريقه إلى دخول الضريح؛ ليقرأ الفاتحة، ويطلب البركة من “شيخ العرب”؛ ليجدَ مخرجًا من محنته التي خلقها لنفسِه ولبلده.

كان “توفيق” يمر بأزمة وجودية صعبة للغاية. فها هو يفشل في الحفاظ على ميراث الأسرة العلوية الحاكمة؛ بالتفريط في استقلال مصر. وكانت القوة العسكرية لجَدِّه مُحمَّد علي الكبير، وصلت إلى الحدِّ الذي هزَّ فيه عرش الدولة العثمانية. بل أخضع الشام والجزيرة العربية كلها لحكمه، واقترب من فتح عاصمة الدولة العثمانية نفسها لولا اتفاقية 1840م! والآن، يسمح حفيدُه في 1882م بأن يُسلِّم مصر للاحتلال البريطاني ويُحارب أبطالها الثوار!!

الخديوي توفيق
الخديوي توفيق

ولذا؛ فقد كانت غالبية الأسرة العلوية تكره توفيق، وتراه “ابن الجارية غير الجدير بحكم مصر”.. ولا بأن يَخلُفَ والده العظيم الخِدِيو إسماعيل، الذي كان حينئذ يعيش منفيًا في أسطنبول .

كانت الحكومة قد وضعت يدها على معظم زعماء الثورة، ونشطت القوات الإنجليزية في القبض على معظم الداعمين لها في: الأزهر والصحافة، وكذلك الأعيان.. إلى أن تمت محاكمتهم على عجَل. وصدرت ضدهم أحكام بالإعدام، استُبدلت في معظمِها بالنفي فيما بعد.

وقد تشجَّع الضباط المساقون إلى مصيرهم، وهتفوا بصوتٍ قويٍّ وواضح لم تُخطئه أذنا الخِدِيو؛ مطالبينه بأن تشملَهم يدُ الرحمة، وأن يعفوَ عنهم. توقف الخِدِيو توفيق.. ثم اقترب منهم، وسأل حراسهم: مَن هؤلاء؟.. فقالوا: إنهم ضباط معزولون كانوا في جيش عرابي، وصدرت بحقهم أحكامٌ عسكرية. فكَّر توفيق لثوانٍ، ويبدو أن تبرُّك الضباط الوطنيين بالسيد البدوي، ودعاءهم قد استُجيب؛ فتبدَّلتْ مصائرُهم إلى الأبد. فقال لهم الخِدِيو: “سأعفو عنكم جميعًا، بشرطٍ واحد؛ أن يعود كلُّ واحدٍ منكم إلى بلدِه ولا يبرحها حتى وفاته”.. وقد كان!

ينتمي الأمير لاي موسى إلى عائلة دياب الشهيرة، التي قَدِمت في وقتٍ مبكر من جنوب الجزيرة العربية، وبالتحديد من اليمن. ودخلت إلى مصر عقب فتحها على يد عمرو بن العاص. واستوطنت العائلة محافظة الشرقية، وتحديدًا قرية “سنهوت” التابعة لمركز منيا القمح، لكن الفروع انتشرت فيما بعد في جميع المحافظات.

اهتم والد موسى بتعليمه؛ فحفظ القرآن الكريم في كُتَّاب القرية، وتدرَّج في مراحل التعليم حتى التحق بالجيش المصري.

ضريح البدوي
ضريح البدوي

كان والده “دياب” من الأثرياءَ وعاش طويلاً، حتى اقترب عمره من المائة عام! دخل موسى الجيش في عهد سعيد باشا، بعد أن فتح هذا الحاكم الباب لهؤلاء بإصداره قانونًا؛ لتجنيد أبناء العمد. ثم ترقَّى “موسى” في رتب الجيش المختلِفة، حتى وصل إلى رتبة “أمير لاي”. وكان ضمن حملة الجيش المصري إلى السودان، التي كان هدفها إخماد الثورة المهدية. وهناك تعرف على أحد قادة الجيش المصري واسمه محمد توفيق، ومن كثرة حبِّه وإعجابه بقائده هذا؛ أطلق اسمه على أكبر أبنائه “محمد توفيق دياب”. الذى أصبح فيما بعد صحفيًا مرموقًا، وخطيبًا مفوهًا.

بعد ذلك، اقترب “موسى دياب” من الخِدِيوي توفيق، وكان ضمن حرسه الخاص. ثم عمل مستشارًا له. وخلال تلك الفترة ذهب بصحبته إلى أسطنبول في زيارة طويلة. وهناك، كان “موسى” يتردد على أحد جوامع أسطنبول يتلو فيه القرآن بصوته الرخيم، الأمر الذى دعا أحد سراة الأتراك إلى دعوته إلى منزله. وقد أُعجبتْ كريمة صاحب الدار بذلك الضابط المصري الوسيم، وكان إعجابًا له ما بعده.

اقرأ أيضا: علي باشا الروبي.. قائد عُرابي الذي رفض الاعتذار للإنجليز

بعد فترة؛ تسارعت الأحداث في مصر؛ وفوجئ “موسى دياب” بعد نفيه إلى قريته أو تحديد إقامته بأوامر من الخِدِيو.. بأن أهل الفتاة التركية قد جاءوا لزيارته، وليعرضوا عليه الزواج منها. ولما كان متزوجًا من إحدى كريمات أسرة مرموقة من الشرقية، وله منها أولاد وهم: دياب، ومحمد توفيق، وحسن. فقد عرض الأمر على كبار أفراد العائلة الذين استقر رأيهم على قبول الزواج بـ “هانم”.. الفتاة التركية .

ويروي “توفيق دياب” أنه لقي من حنانها ولطفها؛ أكثر مما لقيه من أفراد الأسرة.. فكم قامت بالوساطة بينَه وبين والده، لتلبية مطالبه المتكررة أثناء دراسته في لندن.

ومن أجل “هانم”، شيَّد موسى بيتاً فارهًا كان عنوانًا لبلدتهم كلها؛ حيث كان من أعرق قصور الشرقية. وظل على حاله لفترة طويلة قبل أن يُهدم قبل بضع سنوات معدودات.

لم تنجب هانم، لكنها تولت تربية أولاد موسى دياب بعد وفاة والدتهم. واستقر موسى دياب في قريته، والتف حوله أبناؤه وأقاربه والكثير من أهل القرية. يستمعون إلى ذكرياته وحكاياته الوفيرة؛ خاصة عندما كان لصيقًا بالخِدِيو لفترة ليست بالقصيرة، وكان مثقفًا وقارئًا في الوقت نفسه. كما كان يحكي لهم قصة انضمامه إلى الزعيم أحمد عرابي، الذى شاركه نزعته الوطنية وانتمائه الشرقاوي .

كان موسى دياب قانعًا بمصيره؛ فهو في وضعٍ أفضل بالطبع ممَّن جرى نفيُهم إلى سيلان في المحيط الهندي من قادة الصف الأول للثورة. ومنهم من مات هناك، ومنهم من عاد مريضًا أو مُهانًا. وآخرون جرى نفيُهم إلى السودان.. مع تحديد إقاماتهم هناك. أما شباب الضباط، فقد سِيقوا إلى حروب خاسرة وطويلة في أدغال إفريقيا!

واهتم موسى دياب بعد استقراره بالتعليم في بلدته. فأنشأ هناك – بالتعاون مع ابن عمه “علي بك دياب” عمدة القرية – أول مدرسة ابتدائية بقريتهم. وسُمِّيت بـ “مدرسة سنهوت القديمة”. وكان ذلك قبل عام 1900م.

كتب الابن توفيق دياب عن أبيه: “أنه منذ بلغ السادسة كان يسير مع أبيه في طابور الصباح اليومي. فموسى دياب رغم خروجه من الجيش؛ إلا أنه ظل حريصًا على التقاليد العسكرية، ولم يكن زميله في الطابور سوى ابنِه الذي كان يسير بجدية، بصحبة أبيه في خطوة عسكرية منتظمة يُنظِّمها نداءَ الأخير “شمال – يمين”.

ضَعُف بصر موسى دياب إثر جراحة أجراها له طبيبٌ مشهور في القاهرة، ثم فقَدَ بصره تمامًا بعد ذلك. وكان ابنُه توفيق يصحبه في جولاته، ويقرأ عليه الصحف التي كانت تصدُر في ذلك الوقت.

وبعد أن حصل ابنُه توفيق على البكالوريا، أوفده أبوه إلى إنجلترا؛ ليستكمل دراسته الجامعية. وقد عاد الابنُ عام 1913م حاصلاً على دراسات في فنون: الصحافة والخطابة والإلقاءَ. وأصبح فيما بعد صحفيًا لامعًا، أسَّس أكثر من صحيفة سياسية؛ أشهرها سُمعة وتأثيرًا “جريدة الجهاد”.

توفيق دياب مع أسرته
توفيق دياب مع أسرته

أنفق موسى دياب معظم ثروته على تعليم أولاده. وقد كان يمتلك ميراثا يزيد على الأربعين فدانًا من أسرته. كما كان لزوجته الأولى أرضٌ شاسعة؛ لكن أزمة مالية نزلت بأحد إخوتها أطاحت بكل ما يملكون .

والمشهور في عائلة دياب أن فرع “موسى” موعود بالسجن في قضايا ذات صبغة سياسية أو إعلامية؛ فقد حُكم عليه بالإعدام، ثم خُفِّف الحكم بتحديد إقامته في بيته.

أما ابنه محمد توفيق دياب؛ فقد سُجن في عهد حكومة إسماعيل صدقي لمدة تسعة أشهر، بتهمة إهانة البرلمان. وأيضًا الحفيد صلاح دياب مؤسِّس جريدة “المصري اليوم”؛ جرى حبسُه مرتين؛ الأولى لعدة أيام على ذمة عدة تُهم، لكن الموضوع انتهى بسلام.. بعد أن أكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن معظمها تُهمٌ كيدية لا أساس لها. والثانية في عام 2020م، واقترب حبسه من الشهرين!

يَحكي توفيق دياب في كثير من مقالاته عن تعلُّقِه بوالده، وكيف كان أبوه مُحبًّا للقراءة. وحين ذهب نور عينيه تمامًا؛ كان الابن توفيق يُرتل عليه القرآن الكريم – رغم أن موسى دياب – كان حافظًا له، وكذلك صحيح السُّنَّة النبوية. كما كان يقرأ على والده – حين كان يذهب بصحبته إلى القاهرة – الصحف الصادرة في ذلك الوقت؛ خاصة صحيفة “المؤيد”.

توفي موسى دياب، ودفن في مقابر عائلته بقرية سنهوت.

سجل عائلة موسى دياب

تمتد فروع عائلة دياب في مصر، ويصعب حصرها في هذه المساحة، لكنَّا نُسلط الضوء هنا على ذرية الأميرلاي “موسى دياب على دياب”، الذي أنجب كلاً من: دياب، ومحمد توفيق، وحسن .

وقد أنجب الكاتب الصحفي الراحل/ محمد توفيق دياب: الدكتور كامل دياب (مؤسس مجموعة بيكو)، مع ابن شقيقته صلاح دياب.

وكان كامل دياب أول رئيس لمجلس إدارة صحيفة “المصري اليوم”. والمهندس علاء كامل دياب هو أكبر أبنائه. وأنجب توفيق دياب أيضًا ثلاث بنات؛ إحداهن السيدة عصمت (والدة المهندس صلاح دياب)، مؤسِّس “المصري اليوم”.

وأنجب موسى دياب أيضًا: حسن بك دياب (الذي كان عمدة سنهوت)، وتُوفي عام 1950م. كما أن ابنه الثالث “الشيخ موسى دياب” ورِث عنه حلاوة الصوت؛ خاصة في تلاوة القرآن الكريم.

*الغُلاف الرئيسي- رسوم: أحمد بيكا

المصادر

.  المتمرد النبيل توفيق دياب: د. يونان لبيب رزق .

.  مذكرات الزعيم أحمد عرابي.

.  حوارات عن العائلة مع: المهندس/ صلاح دياب، والأستاذ/ حسن دياب، والدكتور/ محمد أحمد دياب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى