زوايامختارات

الأهالي لا يفضلون الـ”online”.. أسماء تُخفي حقيبة “آدم” عن العيون!

 

تمسك أسماء إبراهيم، صغيرها “آدم” جيدًا من يده اليمنى، تعبر به الطريق، لتصل به لمدخل عمارة سكنية. ترفع على كتفها حقيبة يدها النسائية، وبداخلها كيس بلاستيكي يحتوي على كشكول وقلم وممحاه. يصعدان درجات السلم نحو شقة زميل “آدم” في الدراسة. تطرق أسماء الباب ثم تودع صغيرها وتعطيه الكيس. تنتظر بضع دقائق حتى يُغلق الباب. تنزل الأم الدرج وتغادر على أن تعود بعد حين.

مشهد بوليسي هذا؟ كأنه كذلك. فقد اختلفت كثيرًا تفاصيل الذهاب والعودة من وإلى الدرس الخصوصي. في السابق، والسابق هنا ليس زمنًا بعيدًا، لكن أشهر معدودة؛ كان آدم كمن على شاكلته، يترجل وحيدًا إلى منزل زميله، حاملاً حقيبته المدرسية، وينتظر أسفل البناية بقية الزملاء وعندما يكتمل العدد يصعدون إلى منزل الطالب المضيِّف بمجرد وصول الأستاذ.

الآن وبعد قرار الحكومة بمنع الدروس الخصوصية، وحملات مداهمة المراكز التعليمية (السناتر) تخشى أسماء كثيرًا على صغيرها. تصطحبه من وإلى الدرس، وتخفي أدواته المدرسية في حقيبة يدها، وتتأكد من تسليمه يدًا بيد إلى ولي أمر زميله “الأم أو الأب” حيث يُعقد الدرس الخصوصي الذي يجري في أجواء شديدة الحذر والسرية!

إغلاق الحكومة لأحد سناتر الدروس الخصوصية بالقاهرة

جاء قرار الحكومة بمحاربة ما وصفه وزير التربية والتعليم، طارق شوقي بـ”مافيا الدروس الخصوصية”، كخطوة احترازية في إطار سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية، لمنع انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) منذ الإعلان عن ظهور أول حالة إصابة في مصر، منتصف فبراير/شباط الماضي.

وقتها منع مجلس الوزراء أية تجمعات بشرية، ومن ضمنها مراكز الدروس الخصوصية، وشنت المحافظات المصرية حملات مداهمات لمنع تجمعات كهذه قد لا تراعي الاشتراطات الصحية ولا وسائل التعقيم والتباعد الاجتماعي.

قرار إغلاق المراكز مستمر

ثم واصلت الحكومة ممثلة في وزارة التربية والتعليم، خطتها للقضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية المستشرية في مصر منذ عقود، بأن أعلن وزير التربية والتعليم، في مؤتمر صحفي أن قرار إغلاق مراكز الدروس الخصوصية مستمر إلى “أجل غير مسمى”، وبهذا أغلق الباب أمام فرص عودة هذه المراكز للعمل مجددًا، ليبقى أسلوب واحد للتحايل على هذا القرار، من جانب الطلاب والأهالي، وهو الاعتماد على الدروس الخصوصية في منازل أحد الطلبة.

الفصل الدراسي الأول للعام الدراسي الجديد 2020/2021، الذي بدأ فعليًّا السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، ويستمر حتى 5 فبراير/شباط من العام المقبل، بدأته أسماء إبراهيم مع صغيرها منذ نحو شهر، بمنحه دروسًا خصوصية في اللغتين العربية والإنجليزية إلى جانب مادة الحساب.

بارقة أمل؟

لا تبحث أسماء في رحلتها تلك عن درس خصوصي، بقدر بحثها عن بارقة أمل أن ابنها لن يتعثر في دراسته في هذا العصر التكنولوجي الحديث. تخشى من كل ما هو جديد، وتتشبث بكل ما هو تقليدي خشية خوض تجربة الفصل الافتراضي أو التعليم عن بعد.

فعلى الرغم من أن آدم، في الصف الثاني الابتدائي، أصرت والدته على ضمه إلى مجموعة دروس خصوصية بحجة أنه “نسي كل شيء في فترات الحجر الصحي”.

تقول أسماء، الحاصلة على شهادة تعليم متوسط، ويعمل زوجها في متجر لبيع الإلكترونيات: “الأولاد نسيوا كل شيء، وتعليمي أنا وزوجي لن يساعد الأولاد. نريدهم أن يكونوا أفضل منا، وأن يتعلموا جيدًا”.

ورغم صغر سن الطفل وكونه غير مطالب بقدرات تعليمية لطالب في الصفوف الإعدادية، تقول أسماء “خطه جميل جدًّا، ويحفظ جدول الضرب، ومدرسة الإنجليزي علمته الجرامر (قواعد اللغة الإنجليزية) وتَعلمَ الحساب والجمع والطرح وكل شيء”.

تتصور أسماء أن صغيرها كلما ملأ رأسه الصغير بمعلومات أكثر وأكبر من سنه وقدراته الذهنية والعقلية، زاد تميزًا وتفوقًا، لذا فهي لا تعترف بنظم التعلم الحديثة من خلال التطبيقات أو قنوات التعليم المباشر، التي أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم.

وفي الثامن من سبتمبر/أيلول الماضي، عرض وزير التربية والتعليم، خلال مؤتمر صحفي، الوسائل التعليمية الأساسية والمساعدة لجميع المراحل التعليمية للعام الدراسي الجديد ٢٠٢٠ – ٢٠٢١، والتي تتنوع بين القنوات التعليمية ووسائل التعلم الإلكتروني ومنصات التواصل بين المعلمين والطلاب، وذلك بهدف تنويع مصادر التعلم التي تتيحها الوزارة للحفاظ على مستوى المنتج التعليمي وتحسينه باستمرار.

هذا التخوف من التحول إلى العصر الرقمي، لم يعد اختياريًّا بل فُرض على الطلاب فرضًا بعد جائحة كورونا، بحسب نائب وزير التربية والتعليم لشئون التعليم الفني، الدكتور محمد مجاهد، الذي رأى أن مصر استطاعت أن تحول المحنة إلى منحة وتحدث نقلة نوعية في أسلوب التعليم التقليدي المعتمد على التلقين، إلى التعليم العصري الذي يتمحور حول الطالب “Student center”.

التعلُّم عن بعد

وأضاف مجاهد، أن الوزارة وضعت في اعتبارها منذ بداية الأزمة، أن يقتصر التعليم عن بعد “Online” على طلاب المراحل الإعدادية والثانوية، والحرص على حضور طلاب “KG” وابتدائي للمدارس لاحتياجهم إلى التواصل مع المعلم، إذ تلعب لغة الجسد دورًا مهمًّا في إيصال المعلومة، على الرغم من أن الأجيال الحديثة ومن بينهم الأطفال صغار السن لديهم قدرة على التعامل مع التكنولوجيا والهواتف الذكية وما إلى ذلك.

أما بالنسبة إلى طلبة الإعدادي والثانوي، فالتحول إلى عصر التعليم الرقمي التكنولوجي يتماشى مع عصرهم، ويقضي على أزمة التباعد الاجتماعي، بحسب مجاهد، كما أن وزارة التربية والتعليم ليس لديها إمكانيات التوسع في تأسيس المدارس لتقليل الكثافات الطلابية وخاصة في محافظات القاهرة والجيزة والمنوفية وغيرها.

وأكد نائب وزير التربية والتعليم، أن الوزارة مستعدة حال دخول موجة ثانية لفيروس كورونا المستجد، أو استمراره لفترة أطول على مدار العام الدراسي الحالي، “انتقلنا لعصر ثان بالفعل، وأصبحت لدينا منصات تعليمية وفصول افتراضية عبر تطبيقEdmodo  الذي أصبح بإمكان كل طالب وولي أمر أن ينشيء حسابًا عليه، وهذا تحول إيجابي جدًّا بعيدًا عن الجائحة”.

الدكتور محمد مجاهد، نائب وزير التعليم

موقف المعلمين؟

هذا في ما يتعلق بالطلاب، أما في ما يتعلق بالمعلمين وتحولهم أيضًا إلى العصر الرقمي باعتبارهم الوجه الثاني للعملية التعليمية في مصر، فقال مجاهد: “70% من المعلمين في التعليم الفني تدربوا على استخدام محطات التعليم الفني والثانوي ومحطة مدرستنا وغير هذا. وعددهم 90 ألف معلم من أصل 140 ألفًا”.

وعن استعداد الطالب المصري وكونه مؤهلاً لهذه النقلة التكنولوجية، قال نائب وزير التربية والتعليم: “هذا هو الطريق نحو المستقبل. الطالب إذا لم يواكب هذا التطور، لن يحصل على شهادة ولن يجتاز الثانوية العامة التي اختلفت بالكامل عما قبل، من حيث طريقة الامتحان ووضع الأسئلة والتصحيح وكل مراحل التعليم”.

وأخيرًا في ما يتعلق بـ”التابلت”، قال نائب وزير التعليم لشؤون التعليم الفني إن “التابلت وُزِّع بالكامل تقريبًا على طلاب الصفين الثاني والثالث ثانوي، إلا محافظة أو محافظتين على الأكثر، بإجمالي عدد 1.7 مليون طالب. وخلال الشهور المقبلة سيكون في يد كل طالب إعدادي جهاز مطور مثل التابلت”.

وأنهى مجاهد حديثه بطمأنة الأهالي بشأن هذا التحول بقوله: “نعتمد أساسًا على التعليم من خلال المحطات التلفزيونية، لمراعاتنا أن الإنترنت لا تصل إلى كل المناطق في الجمهورية، ولعدم تحميل الأهالي المزيد من الأعباء رغم إنفاقهم أموالاً كثيرة على الدروس الخصوصية”.

وفي سياق آخر، وبينما تعذر التواصل مع دكتور رضا حجازي، نائب وزير التربية والتعليم لشؤون المعلمين، للحديث عن خطة الوزارة لمواجهة مجموعات التقوية في المنازل أسوة بحملات مداهمة مراكز الدروس الخصوصية، وضعت صفحة وزارة التربية والتعليم عبر موقع “فيس بوك”، ضوابط مجموعات التقوية في المدارس، كبديل للدروس الخصوصية، بحيث تكون اختيارية للطلاب بمقابل مادي مناسب بهدف تحسين مستوى الطلاب الدراسي لهم بتلك المواد، ومدتها ساعتان في الأسبوع، ويجوز جمعهما أو تقسيمهما طبقًا للخطة التعليمية للمواد الدراسية.

وتتكون المجموعة من عدد من الطلاب بما يتناسب مع مساحة القاعات المخصصة مع ضرورة اتخاذ الإجراءات الاحترازية للحفاظ على الصحة العامة.

وفي تصريحات على هامش المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير التربية والتعليم، طارق شوقي، لإعلان تلك الضوابط، ذكر أن سعر الحصة سيتراوح ما بين 10 إلى 85 جنيهًا للساعتين، وأن “المعلم النشط يستطيع مضاعفة دخله عبر مجموعات التقوية بأن يحصل على  3 آلاف جنيه في الشهر”.

 

ندى الخولي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى