"الأورومو" الإثيوبية

بين رحى آبي أحمد وجوهر محمد

يحكي الأورومو في تاريخهم الشفاهي أنهم أبناء الأخوين “بورانا” و”بارينتو” من أبناء أورومو، ويطلقون على لغتهم (أفان أورومو)، وتُقدّر نسبتهم بأكثر من 39,5% من مجمل سكان إثيوبيا (حوالي 109 ملايين نسمة)، يعيشون في وسط وجنوب البلاد في رقعة تبلغ مساحتها 53,690 كم مربع، بما يعادل ثلث مساحة إثيوبيا، كما أن لهم امتدادًا داخل الأراضي الكينية.

يُعتبر الأوروميون من أقدم شعوب المنطقة، ويُرجِّحُ المؤرخون أنّهم قدِموا من جنوب مصر في حقبة تاريخية مبكرة، ويصفونهم بالرحم الذي انبثقت عنه معظم الشعوب الكوشية على امتداد القرن الإفريقي. ويتميزون بالبسالة، والشجاعة، والإقدام، والاعتداد بتراثهم القومي، واستقلاليتهم.

ويقال إنّهم أول من اكتشف شجرة البُنّ في منطقة كافا غرب جِمّا، واشتُقّت منها كلمتا (Coffee) اللاتينية و(قهوة) العربية. بجانب كافا يزرع البُنّ بكثافة في عدة مناطق أخرى في إقليم أوروميا، أشهرها “هرر”، وتغطي (القهوة) المُنتجة في هذه المناطق 40% من الاستهلاك العالمي، بحسب العديد من الدراسات.

قبائل الأورومو
الشرارة الأولى

“قيروماتا توتا، هينجا رجار توسوتا”.

حين صدح المُغني الأورومي “قاديسا عبدالله” بهذه الكلمات، وترجمتها إلى العربية “شباب الأورومو وقود الثورة وشرارتها التي لا تنطفئ”، في أوائل سبعينيات القرن المنصرم، حرّكت الحس القومي، فاشتعلت الثورة في الإقليم، وتداعى لها الشباب من الجنسين ينشدون الحرِّية والانعتاق من همينة الأمهرة. وهكذا تأسست جبهة تحرير الأورومو التي مثّلت النواة الأولى لنضالات الشعوب الإثيوبية ضد القهر والاستبداد.

"حراك قيرو"

منذ ذلك الوقت، واصل الأوروميون ثورتهم، تقدموا وتراجعوا، تحالفوا مع العديد من الحركات الثورية المماثلة التي عمت الأقاليم الإثيوبية، وأسهموا مع غيرهم في الإطاحة بنظام الإمبراطور “هيلي سيلاسي” الإقطاعي، ثُم نظام “منغستو هايلي مريام” الماركسي من خلال مظلة الجبهة الديمقراطية الشعبية الإثيوبية المعروفة اختصارًا بـ(إهودق)، وكانت حينها تحت قيادة “ملس زيناوي”، رئيس الوزراء الراحل.

منغستو هايلي مريام

مع غيرهم من الثوار، دخل الأورومو عام 1991 العاصمة “أديس أبابا” رافعين راية النصر على نظام الجنرال اليساري الدموي، ومنذ ذلك الوقت ظلوا يعملون بدأب ضمن التحالف الثوري على تنمية إثيوبيا واستقرارها، لكن رويدًا وبمرور الوقت بدأت الخلافات بينهم وبين الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي ورئيسها “زيناوي” حول الاستثمار غير المنصف في أراضيهم الخصبة التي تقع العاصمة الإثيوبية ضمنها.

ومن هنا انطلق حراك الأورومو الشهير في أدبياتهم بحراك (قيروو)، حيث أسهم في خلخلة التوازنات الداخلية التي كان يقوم عليها التحالف الحكومي بقيادة “زيناوي”، ولاحقًا أطاح بخلفه “هايلي ماريام ديسالينج” عندما أجبره على التنحي وإفساح المجال لـ”آبي أحمد”، أول رئيس وزراء أورومي في تاريخ إثيوبيا.

حراق قيرو

يعرّف محللون سياسيون حراك قيرو الذي انطلق في أبريل 2011، بأنه شبكة شبابية تضامنية برزت كخط مقاومة يمثل مصالح ومطالب الأورومو في السلطة والثروة والتنمية البشرية المتوازنة، عبر التظاهر السلمي بعيدًا عن أي عنف لفظي أو جسدي، أو إتلاف وتدمير للممتلكات، من خلال التمسك بقيم السلام، والحرية، والإنسانية، والمساواة، والعدالة.

"آبي أحمد".. السلطة على أسنّة قيرو

يُعتبر حراك قيرو نقطة التحول الأكبر في كفاح الأورومو من أجل الحرية، إذ اتسم برؤية واضحة لكيفية قيادة حركة مقاومة منظمة ضد الهيمنة تحمل تصورًا لأمة حرة وقابلة للحياة، تُمكِّنُ شعب الأورومو من العيش بسلام وعدالة ووئام مع الآخرين، وتعمل بجانب ذلك على زيادة وعي الشباب وتأطيرهم حول قضاياهم، وتعزيز دور الحركة الشعبية لشباب أورومو من أجل الحرية والديمقراطية من خلال المقاومة السلميّة.

شهد حراك قيرو تطورًا جديدًا، وقفزة نوعية، بتحوله إلى انتفاضة شعبية فتحوّل إلى انتفاضة شعبية عارمة.

أبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا

انكشفت الأوضاع الإثنية والإقليمية الهشة التي تختبئ وراء مشروعات التنمية العملاقة التي دشنها رئيس الوزراء الراحل “ملس زيناوي”، واستمرّ فيها خلفه “ديسالينج” بفضل الضغط المتواصل من قبل حراك قيرو. اضطر الأخير إلى الانسحاب من المشهد ليفسح الطريق لآبي أحمد.

قال “هايلي مريام ديسالينج” ليلة استقالته: “إنني اتخذت قرار التنحي على أمل أن يساعد في إنهاء سنوات الاضطرابات والقلاقل السياسية، وأرى أنها ستُكسب البلاد حيوية سياسية ستسهم في تنفيذ إصلاحات من شأنها أن تؤدي إلى سلام دائم وديمقراطية مستقرة”.

هل ينتصر الحب أم الواقعية؟

انكشفت الأوضاع الإثنية والإقليمية الهشة التي تختبئ وراء مشروعات التنمية العملاقة التي دشنها رئيس الوزراء الراحل “ملس زيناوي”، واستمرّ فيها خلفه “ديسالينج” بفضل الضغط المتواصل من قبل حراك قيرو. اضطر الأخير إلى الانسحاب من المشهد ليفسح الطريق لآبي أحمد.

قال “هايلي مريام ديسالينج” ليلة استقالته: “إنني اتخذت قرار التنحي على أمل أن يساعد في إنهاء سنوات الاضطرابات والقلاقل السياسية، وأرى أنها ستُكسب البلاد حيوية سياسية ستسهم في تنفيذ إصلاحات من شأنها أن تؤدي إلى سلام دائم وديمقراطية مستقرة”.

جوهر محمد

وفي الداخل، شرع في إطلاق سراح مئات المعتقلين السياسيين، وحث المعارضين بالخارج على العودة والعمل على تنمية البلاد، وأسقط التهم الموجهة حينها إلى أبرز مُعارضَيْن سياسيَّيْن بالخارج، وهما: “برهانو نِقا” و”جوهر محمد” (المعتقل حاليًّا) فعادا إلى البلاد.

خطاب ميتافيزيقي في مواجهة خطاب شعبوي

كل تلك الإصلاحات لم تجعل الأوضاع تستقر تمامًا، ولم تجعل الشعوب الإثيوبية المتمردة تخضع لمشيئة خطاب “آبي أحمد” الميتافيزيقي، فالمواطنون لا يأكلون من الكلمات، يريدون خبزًا وحرية، كما قال أحد أبرز المعارضين لآبي أحمد الذي تعرض لأكثر من محاولة اغتيال وإطاحة خرج منها منتصرًا، لكنه خلّف أوضاعًا قابلة للانفجار في أية لحظة، فحتى أهله الأورومو لم يعودوا ملتفين حوله، بل غالبيتهم صارت معارضة له، خاصة بعد مقتل المغني الأورومي الثوري “هاشالو هونديسا”، فأصبحت جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها “آبي أحمد” في 2019، وكلماته المؤثرة عن السياسة والتنمية المبنيتين على الحب؛ خاصة تلك التي أطلقها بعد محاولة اغتياله في ميدان الصليب يونيو 2018 قائلًا: “الحب يفوز دائمًا. قتل الآخرين هزيمة. لكل من يرغبون في تقسيمنا، أريد أن أخبركم أنكم لن تنجحوا”؛ فقد أصبحت كل تلك المكاسب موضع نظر عندما اقتربت الانتخابات وحاول تأجليها فعارضه “جوهر محمد” الذي ينتمي إلى قوميته، فزج به في السجن إثر اتهامه بأنه على صلة بمقتل شرطي أثناء الاحتجاجات التي اندلعت بعد اغتيال المغني “هونديسا”، مما ألّب شعب الأورومو عليه، فتحول من مساندته إلى معارضته، خاصة وأن “جوهر” البالغ من العمر (38) عامًا يحظى بشعبية جارفة في أوروميا، إذ يستخدم الشاب الثائر ومالك شبكة أوروميا الإعلامية شديدة التأثير على الرأي العام، خطابًا شعبويًّا قوميًّا يدعو إلى استقلال أوروميا عن إثيوبيا، وأشهر عباراته في هذا الصدد تصريحه الشهير: “أنا أورومي قبل أي شيء، وإثيوبيا مفروضة عليّ”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

حسن إدريس طويل

صحفي أريتري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search