دراسات وتحليلات

الأيام الأخيرة لحقبة نتنياهو

مقدمة المحرر

يبدو أن معسكر المعارضة في “إسرائيل” على وشك النجاح في تشكيل حكومة جديدة، تطيح برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وتدفعه خارج أروقة الحكم بعد 12 عام قضاها بشكل متواصل في منصب رئيس الوزراء، سبقها 3 أعوام في الفترة من 1996 إلى 1999، ليصبح بذلك أطول زعماء “إسرائيل” حكمًا.

فقد طلب الرئيس الإسرائيلي “رؤوفين ريفلين” من الكنيست عقد جلسة للتصويت على منح الثقة للحكومة التي يشكلها “يائير لابيد” زعيم حزب “هناك مستقبل”، وذلك بعد أن سلّم للرئيس توقيعات 61 عضوًا في البرلمان يدعمونه في تشكيل ائتلاف حكومي.

وجدير بالذكر أن “منصور عباس”، رئيس القائمة العربية الموحدة انضمامه لهذا الائتلاف الحكومي، لتصبح قائمته أول حزب عربي يشارك في حكومة إسرائيلية.

الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين

النص

بقلم: جونا شيب، كاتب وصحافي في مجلة “نيويورك”.

أيام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في المنصب ربما تكون معدودة، حيث صرّح قادة المعارضة، يوم الأحد، 30 مايو 2021، إن لديهم الأصوات لتشكيل حكومة ائتلافية والإطاحة به فعليًا.

أعلن نَفتالي بينيت، زعيم حزب “يَمينا” اليميني-الديني، مساء الأحد، 30 مايو، أنه توصل إلى اتفاق مع زعيم المعارضة “يائير لابيد” للدخول في ائتلاف مع حزبه “يش عتيد” [هناك مستقبل –المترجم]. وأبلغ لابيد الرئيس الإسرائيلي “رؤوفين ريفلين” يوم الإثنين بقدرته على تشكيل حكومة، وسيتعين عليه الآن إتمام الاتفاقات مع الأعضاء الآخرين في ائتلافه العريض والفوز في تصويتٍ على الثقة داخل الكنيست.

بمقتضى الاتفاق، سيتناوب بينيت ولابيد رئاسة الوزراء، على أن يتولى بينيت المنصب في أول عامين. إنها صفقة جيدة بصورة خاصة بالنسبة للمغوار العسكري السابق ورجل الأعمال التقني البالغ من العمر ٤٩ عامًا، والذي فاز حزبه الصغير بسبعة مقاعد فقط في الكنيست في الانتخابات الوطنية في مارس. ولكن، لأنه لا يمكن لنتنياهو ولا لابيد تشكيل ائتلاف حاكم بدون تلك المقاعد السبعة؛ أصبح “بينيت” صانع الملوك.

نفتالي بينيت تلميذ نتنياهو الذي تحول لـ “صانع الملوك”.

منذ أسابيع، بدا أن “بينيت” و”لابيد” على وشك إبرام هذه الصفقة، ولكن عندما شبّت الحرب بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، واندلع “العنف العرقي-الديني” في القدس والمدن الإسرائيلية، ألغى بينيت تلك المحادثات، قائلًا في ذلك الوقت: أنه لم يستطع الانضمام إلى حكومة وحدة تضم أيضًا “القائمة العربية الموحدة”، وهو حزب إسلامي، بينما كانت إسرائيل في حالة حرب مع حماس. إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه مصر في ٢١ مايو، قد أعطى بينيت مساحة للتنفس.

حتى هذه اللحظة، الائتلاف ليس صفقة منتهية؛ يتعيّن على لابيد أن يؤمّن ائتلافه الكامل بحلول الأربعاء، عندما ينتهي تكليفه بتشكيل الحكومة، والفوز في التصويت على الثقة. ربما تكون حكومة الوحدة، التي أُطلق عليها اسم “ائتلاف التغيير”، هي أغرب توليفة من الأحزاب في تاريخ إسرائيل. تضم حزب يمينا، وإسرائيل بيتنا، وحزب الأمل الجديد، ثلاثة أحزاب يمينية بقيادة حلفاء نتنياهو السابقين ووزراء حكوميين، فضلًا عن أحزاب الوسط واليسار.

من المتوقع أن تساهم القائمة العربية الموحدة بشكل غير رسمي في الكنيست، لكنها لن تنضم إلى الحكومة بشكل مباشر –وهو ترتيب متأثر غالبًا بممانعة بينيت السابقة [ولكن لم تصدق توقعات الكاتب، وانضمت القائمة العربية الموحدة إلى الحكومة بالفعل – المترجم]. وكجزء من محاولته الخاصة لتشكيل حكومة في الربيع، سعى نتنياهو أيضًا الى التودد للقائمة العربية، بيد أن حلفاءه من اليمين المتطرف لا يستطيعون قبول الحكم إلى جانب حزبٍ عربي.

بينيت الأكثر تشددا

من جانبه، يُعارض “بينيت” قيام الدولة الفلسطينية، ويدعم المستوطنات في الضفة الغربية، ويُفضِّل ضم أجزاء كبيرة من الأراضي المحتلة. ويُعد مع “يمينا” أقرب أيديولوجيًا بكثير إلى حزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء، وذلك من حزب “يش عتيد” المعتدل، وأوضح بينيت يوم الأحد، 30 مايو، أنه لن يعدِّل من مواقفه كزعيم لحكومة الائتلاف.

وقال بينيت إن “حكومته لن تقوم بالانسحاب من الأراضي ولن تُسلِّمها، ولن تخشى شن عملية عسكرية إذا لزم الأمر”. وأوضح أنه سيكون من الأسهل البقاء في “منطقة مألوفة” والانضمام إلى تحالف يميني مع الليكود وحلفائه، لكن تبيّن له أن نتنياهو غير قادر على تشكيل حكومة، ولا يريد أن يدفع بإسرائيل في جولة خامسة من الانتخابات في غضون عامين.

رد نتنياهو بغضب واضح على تصريح بينيت يوم الأحد، واصفًا إياها بـ “خدعة القرن”، مُتهمًا تابعه السابق بالاحتيال على الناخبين لخدمة مصالحه الشخصية لكي يصبح رئيسًا للوزراء بأي ثمن. كان محتل المنصب قد بذل جهدًا مؤخرًا في وقت سابق يوم الأحد (30 مايو) لإقناع بينيت وزعيم حزب “الأمل الجديد”، “جدعون سار”، للدخول في حكومة يمينية من خلال عرض التناوب على رئاسة الوزراء بين ثلاثتهم.

الآن، حركته الوحيدة المتبقية هي محاولة تقويض تحالف لابيد عن طريق الانقضاض الشخصي على مُشَرّعي الجناح اليميني. يبدو أنه عند لابيد ٦١ عضوًا، في الكنيست البالغ عدده ١٢٠ مقعدًا، يدعمون حكومته المرتقبة، ومن ثَمَّ يمكن لنتينياهو إفشاله بانشقاق صغير واحد.

إقرأ أيضا: التصعيد على غزة بعيون إسرائيلية: لعبة نتنياهو من أجل البقاء

مصير نتنياهو

لم يكن من الحكمة قطّ التقليل من شأن نتنياهو، والمهمة مستحيلة بشق الأنفس، لكن إذا كان هناك أي شيء يُوحِّد هذا التحالف غير المُرجَّح، فهي الرغبة في ألّا يكون رئيسًا للوزراء بعد الآن. نتنياهو هو الآن رئيس وزراء إسرائيل الأطول خدمة، حيث خدم خمسة عشر عامًا في المنصب: من عام ١٩٩٦ الى عام ١٩٩٩، ثم بصورة مستمرة من عام ٢٠٠٩، وهو أيضًا متهم بالفساد. تُوصَف “حكومة التغيير” بهذا الوصف لسبب: إنها تَعِدُ ببداية جديدة مع رئيس وزراء جديد لا يحمل على كتفيه ٢٥ عامًا من الأعباء السياسية.

حتى لو هُزم في نهاية الأمر، فمن غير المتوقع أن يمضي نتنياهو تلك الليلة الطيبة بلطف. لن يستقيل من مقعده في الكنيست، لكنه، بدلًا من ذلك، سيواصل محاولة تفكيك ائتلاف لابيد من الجناح. إذًا (وعندما) تنهار الحكومة الجديدة، قد يتنافس على رئاسة الوزراء مرة أخرى، بشرط ألّا يكون في السجن بحلول ذلك الوقت.

نتنياهو وكابوس الرحيل
نتنياهو وكابوس الرحيل

مهما يكن من أمر، فإن إرثه سوف يُحدِّد السياسة الإسرائيلية لسنوات عديدة قادمة. على مدى العقد الماضي، أشرف على تدهور حزب العمل اليساري الوسطي، الذي كان في يوم من الأيام المنافس الرئيسي لليكود، وأشرف على تفكيك عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية.

لقد نقل المشهد السياسي بأكمله بشكل دراماتيكي إلى اليمين. الأفكار اليمينية الراديكالية مثل ضم الضفة الغربية والتمييز الصريح والرسمي ضد العرب الإسرائيليين أصبحت الآن داخل نافذة أوفرتون* الإسرائيلية، في حين أن المبادئ الأساسية لعملية السلام، مثل التخلي عن بعض مستوطنات الضفة الغربية أو إنشاء القدس كعاصمة لدولتين، باتت خارجها. أصبح حل الدولتين غير قابل للتحقيق أكثر فأكثر مع مرور كل عام.

الواقع أن الضعف المتأصِّل في ائتلاف التغيير هو دليل على بصمة نتنياهو الثابتة على إسرائيل. بينما حاول نتنياهو تصوير ائتلاف لابيد على أنه نوع من المؤامرة اليسارية ضد الأمن القومي الإسرائيلي، ستكون في الواقع حكومة ليمين الوسط مع القليل من الدعم الليبرالي اليساري، ولن تسترشد بأجندة سياسية تقدمية صارمة.

حزب لابيد “يش عتيد” يدعم حل الدولتين صوريًا، لكن العديد من شركائه في التحالف لا يؤيدونه، ورئيس الوزراء المحتمل بينيت ليس قريبًا من مد يد السلام للفلسطينيين. وبالفعل، أشارت تصريحات بينيت يوم الأحد (30 مايو) إلى أن مشاركة حزبه كانت مشروطة بألا تسعى الحكومة الجديدة إلى تسوية سلمية على حساب المستوطنين اليهود في الضفة الغربية.

ما بعد نتنياهو

في الواقع، قد تكون حكومة ما بعد نتنياهو أكثر تشددًا من حكومته من بعض الجهات: في حين أن العالم الخارجي ندَّد بتصرفات نتنياهو في غزة بوصفها مفرطة القسوة، فإن العديد من منتقديه المحليين مستاءون لأنه لم يقم بقمع أشد حزمًا ضد حماس، والخسائر في صفوف المدنيين ستكون لعنة. لربما يتولى بعض هؤلاء المنتقدين مناصب وزارية رئيسية عما قريب، ويتخذون قرارات بشأن الحرب القادمة.

تشبث نتنياهو بشدة بالسلطة خلال العامين الماضيين، من خلال الانتخابات التي تلت انتخاباتٍ غير حاسمة، جزئيًا بوصفها طريقة لتجنب مشاكله القانونية. لكنه يمثل أيضًا الاستبداد بجنون العظمة لرجل ظل في السلطة لفترة طويلة؛ يبدو أنه يعتقد حقًا أنه وحده قادر على قيادة إسرائيل. ربما يجب أن يشعر ببعض الراحة عبر معرفة أنه ربح في المباراة الطويلة، مما أعاد صوغ البلاد بشكل أساسي على صورته. مهما كانت شكل حقبة ما بعد نتنياهو، فلا مجال إلى الرجوع صوب ما كانت عليه الأمور من قبل.

هامش المترجم:

* نافذة أوفرتون: هي مجموعة من السياسات مقبولة سياسيًا إلى السواد الأعظم من السكان في وقت معين. تمت تسمية المصطلح على اسم محلل السياسة الأمريكية “جوزيف ب. أوفرتون”.

المصدر:

https://nymag.com/intelligencer/2021/05/the-end-of-the-netanyahu-era.html

علاء بريك

كاتب ومترجم سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى