"الأيدي الشغالة لا تكبلها الجائحة"

عُمال: نار كورونا ولا جحيم الجوع

“في الشغل بتاعنا، الطبيعي بنشتغل يوم وعشرة لا، لكن من ساعة الكورونا واليوم ده حتى مش موجود.. اضطريت أبيع أنبوبة الغاز والسجادة والمروحة اللي في البيت عشان أأكل ولادي”. هكذا يحاول “حسن” التعامل مع الأزمة التي تواجهها قطاعات من العمالة في ظل انتشار (كوفيد-١٩). 

يعمل حسن (٥٣ عامًا) “عاملَ يومية” في تركيبات الرخام بقطاع المقاولات، الذي يضم ٤ ملايين عامل. ورغم تصريحات رئيس الوزراء “مصطفى مدبولي”، بعودة العمل بقطاع المقاولات بكامل طاقته، فإن “حسن” لم يحصل على عرض للعودة للعمل الذي توقف منذ منتصف مارس الماضي.

حمل “حسن”، عدة عمله القديمة (مرزبة، وشاكوش، وأجنة)، وجلس بأحد أرصفة منطقة فيصل (محافظة الجيزة) مع عشرات آخرين ينتظرون زبونًا يرغب في تكسير حائط أو حمام قديم، ولكن الزبائن نادرون، والشعيرات البيضاء التي وخطت رأسه تحرمه من فرصة أن يكون العامل المختار إذا ما حضر الزبائن الذين يُفضلون اختيار الشباب الأصغر.

أعلنت الحكومة صرف منحة بقيمة ٥٠٠ جنيه لثلاثة أشهر لدعم العمالة غير المنتظمة المسجلة بقواعد بيانات القوى العاملة، والمقدر عددها بـ١٢٠ ألف عامل. ومع تصاعد أزمة كورونا، وفتح باب التسجيل الإلكتروني للعمالة غير المنتظمة، أعلن “محمد سعفان” -وزير القوى العاملة- أن مليوني مواطن سجلوا بياناتهم للحصول على المنحة، ووصل العدد النهائي للمستفيدين بعد استبعاد غير المستحقين إلى مليون ونصف مليون عامل.

حاول “حسن” أكثر من مرة تسجيل بياناته للحصول على المنحة، ولكنه لم ينجح بسبب تعطل الموقع أحيانًا، والضغط الشديد على الموقع أحيانًا أخرى، وحتى عندما ظن أنه سجل بنجاح وانتظر الرد الذي لم يأتِ، اتصل برقم ١٤٢ الذي خصصته “القوى العاملة” للاستعلام، وجاءه الرد بعدم وجود بيانات، ليقول الرجل في النهاية: “حظي من المنحة زي حظي من الدنيا”. 

ترى دار الخدمات النقابية أن التأثيرات الأخطر لأزمة كورونا هي على أوضاع العمال، وخصوصًا قطاع العمالة غير المنتظمة، بعد تسريح كثير من العاملين المؤقتين غير المؤمّن عليهم، وفقد آلاف العاملين بالمنشآت السياحية وظائفهم، وكذلك العاملين في المقاهي والمطاعم، بينما يُعاني جميع العاملين باليومية من افتقاد سبل العيش.

حصل “حسن” على تباعد اجتماعي إجباري. صحيح أنه يحميه من العدوى ويترك أسرته بأمان، ولكنه يتمنى لو لم يحصل عليه، يقول: “عايز شغل وأنزل من دلوقتي، الجوع أقوى من العدوى، والحاجات اللي بابيعها بتخلص.. أنا مش عايز أشحت”.

طيار.. يُبقي كثيرين بأمان ولكن

“محمد مصطفى” (٣٧ عامًا) يعمل بخدمة التوصيل لصالح أحد التطبيقات الإلكترونية الشهيرة، التي تدعو المواطنين في دعايتها للتباعد الاجتماعي “خليك في أمان”، ولكن وسيلتك لهذا الأمان هي “محمد” وزملاؤه من الطيارين كما يُطلَق عليهم. 

يقيم “محمد” بالقاهرة حيث مقر عمله، بينما تقيم أسرته بمدينة المحلة الكبرى (شمال القاهرة)، ويضع ذلك عبئًا ماديًّا والتزامات أكبر على الشاب الذي لم يفكر بالتوقف عن العمل لبعض الوقت خوفًا من انتشار فيروس كورونا، خاصة مع احتكاكه بكثير من العملاء خلال ١٧ ساعة من العمل، تبدأ من السابعة صباحًا وحتى الثانية عشرة صباحًا.

أصدر رئيس الوزراء “مصطفى مدبولي” قرارًا، في ٨ أبريل، باستمرار إجراءات حظر التجول مساءً مع تعديل مواعيده ليبدأ من الثامنة مساءً بدلًا من السابعة وينتهي في السادسة صباحًا. ولكن ما أثر عليه كعامل توصيل لدى تطبيق إلكتروني، هو استثناء تطبيقات المشتريات الإلكترونية، وخدمات التوصيل من تلك القرارات ضمن فئات أخرى.

يقول “محمد”، لـ”ذات مصر”: “ما أقدرش أوقف شغل، أنا متجوز وعندي ولاد والتزامات كتير وأقساط، ولادي ومراتي هناك لهم مصاريف وأنا هنا ليا مصاريف، والموتوسيكل اللي باشتغل عليه له أقساط ومصاريف.. مش هينفع أبطل شغل، الدنيا هتقف لو قعدت، مين اللي هيصرف على ده كله”.

يتابع “محمد”: “خايف على نفسي وخايف على ولادي، خصوصًا إني باحتك بناس كتير، لكن ما باليد حيلة، سايبها على ربنا وباستخدم الكحول على طول بس مش بالبس كمامة، ودعوات إن الناس تقعد في البيت ده حاجة كويسة جدًّا.. ولادي مش بيخرجوا خالص”.

"المصري".. مشروع صغير في مواجهة فيروس

لم يكن “أحمد المصري” (٢٩ سنة) يتصور أن مشروعه الذي كان يحلم به سيكون في مواجهة مع انتشار فيروس معدٍ. كان يفكر ويستعد لصعوبات أخرى، ولكن كورونا لم يكن من بينها. 

افتتح “المصري” ساحة عمل ومعرض “وورك سبيس وجاليري” قبل ستة أشهر. كانت الأمور تسير بشكل جيد، يستقبل عملاءه الراغبين في مساحة عمل هادئة وبها سرعة إنترنت جيدة، بالإضافة للراغبين في اقتناء المشغولات اليدوية. 

مع بدء تفشي كورونا، تناقص عدد العملاء بسبب ابتعاد كثير منهم عن التجمعات، وبصدور قرار إغلاق أماكن التجمعات، توقف استقبال عملاء صالات العمل تمامًا، واقتصر النشاط على بيع المشغولات اليدوية فقط، وبإقبال أقل كثيرًا.

تتابعت قرارات الحكومة الاحترازية لمواجهة انتشار فيروس كورونا، والتي لا يزال معظمها ساريًا حتى الآن، مع تخفيفات بسيطة لساعات الحظر، ولكن بقي لقرار إغلاق أماكن التجمعات التأثير الأكبر على مشروع “المصري”.

قرارات الحكومة في مواجهة أزمة كورونا

 

يوضح “المصري” تأثير تلك القرارات على مشروعه الصغير: “كانت مواعيد عمل الجاليري من العاشرة صباحًا وحتى العاشرة مساءً، ولكن مع قرار الحظر أصبح موعد الإغلاق في الخامسة، ويقتصر العمل على بيع المنتجات فقط بعد تعقيمها. في أيام كتير بتعدي من غير ما عميل يدخل المكان”.

يقول “المصري” لـ”ذات مصر”: “لازم نحاول نشتغل، مش عارفين نوفي الالتزامات الخاصة بالمكان، ممكن نستحمل الوضع ده شهر أو شهرين لكن لو استمر أكتر من كدة مش هنقدر نكمل وهنضطر نقفل.. في نفس الوقت بافكر في مصدر أقدر أوفر منه مصاريفي الشخصية، وده بيسبب لي ضغط نفسي وقلق دائم وأرق”.

يوصي عددٌ من خبراء الاقتصاد الذين شاركوا في إعداد كتاب “الاقتصاد في زمن كوفيد ١٩”، بدعم الأسر والشركات الصغيرة؛ لأن تدابير احتواء الأزمة قد تؤدي إلى توقف مفاجئ في المجال الاقتصادي، ما يعني أنه ينبغي التركيز على البشر، وجعلهم الأولوية، ويشمل ذلك رفع أجور العمال وتوفير ظروف بيئية مناسبة.

مَرَضُ “المصري” بالتهاب الجيوب الأنفية، واضطراره للنزول شبه اليومي، ومخالطة آخرين في الطريق والعمل؛ كلُّ ذلك يتركه فريسة للقلق أحيانًا، خاصة مع تشابه بعض أعراض مشكلته المزمنة مع أعراض (كوفيد-١٩).

هل التزم المصريون بالتباعد الاجتماعي؟
"ناضر".. بعض التباعد الاجتماعي ممكن مع العمل

يعمل “ناضر” بخدمة العملاء في إحدى شركات الاتصالات الشهيرة. بحكم عمله يحتك يوميًّا بكثير من العملاء بينهم عدد من الوافدين والأجانب. 

يشعر “ناضر” بالرضى عن الإجراءات التي اتخذتها الشركة ذات الإدارة الفرنسية مع تصاعد أزمة (كوفيد-١٩)، موضحًا: “خدمة العملاء الخاصة بالمكالمات كلهم بيشتغلوا من البيت، وبالنسبة للعاملين بالمبيعات قللت عدد ساعات الشغل، بيبدأ من ٩ إلى ٤”.

يتابع: “ممنوع انتظار العملاء داخل الفرع، ووفروا مطهرات للأيدي للعاملين والعملاء، وبيوفروا كمامات وجوانتيات باستمرار، ووفروا حواجز لتقليل الاحتكاك بالعملاء، وعملوا علامات لوقوف العميل على مسافة متر ونص لحماية العاملين من الرذاذ”.

كان “ناضر”، أكثر حظًّا من معظم العاملين بالقطاع الخاص، والذي ترى دار الخدمات النقابية أن استجابته كانت بسيطة ونادرة لدعوات تخفيف العمالة، ومنح بعض العاملين إجازات مدفوعة، وتقليل ساعات العمل.

يضم قطاع العمل الخاص في مصر ٣.٧ ملايين منشأة، ٥٣% منها منشآت غير مسجلة، ويعمل بهذا القطاع -بشقيه المسجل وغير المسجل- ١٢.٦ مليون عامل، وفقًا للتعداد الاقتصادي الخامس.

تحدث “ذات مصر” لعشرة عاملين بالقطاع الخاص يعملون بمجالات مختلفة، بينها مطاعم ومقاهٍ ومصانع وشركات تسويق ومحلات تجارية. ويوضح الإنفوجراف التالي مواقف أصحاب الأعمال تجاههم بعد الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة فيروس كورونا.

"مختار".. الخوف من الجوع أقوى من كورونا

“مبطلتش شغل ولا فكرت، الغلابة هما اللي دفعوا التمن في موضوع كورونا ده.. خايف من المرض بس خايف من جوع عيالي أكتر”، هكذا يشرح مختار (٣٥ عامًا) موقفه من الدعوى المستمرة منذ بدء انتشار (كوفيد-١٩) “خليك في البيت”. 

عَمَلُ “مختار” كسائق توكتوك في أحد الأحياء الشعبية بمحافظة الإسكندرية، لا يُمكِّنه من الحفاظ على التباعد الاجتماعي، أو حتى الجسدي، فعندما تركب معه أسرة من ٤ أفراد يتكوم ثلاثة منهم في الكنبة الخلفية ويجلس الرابع بجانبه، ولا يملك رفاهية الرفض، خاصة بعد تناقص ساعات عمله بفعل الحظر، وكذلك لتناقص زبائنه بعد تجنب بعضهم ركوب التوكتوك تجنبًا للعدوى.

تأثر دخل “مختار” بشدة جراء قرار حظر التجول، فهو لا يملك التوكتوك ولكن يعمل عليه في الفترة المسائية فقط، وبعد قرار الحظر الأول بقيت له ساعة واحدة للعمل، ثم زادت لساعتين بعد مد الحظر للثامنة، أما مد موعد الحظر للتاسعة فلم يُرضه: “الدنيا هتقف من ساعة الفطار.. هاشتغل ساعة ونص ساعتين بالكتير”.

يخشى “مختار” على طفلتيه وزوجته من العدوى، لذا يُنهي ساعات عمله القليلة ويتوجه لمنزله مباشرة. يستخدم عدة رشات من زجاجة كحول صغيرة أعطتها له واحدة من زبائنه، ولكنه لم يفكر في شراء كمامة رغم ذلك، فهو لن يضحي بعشرة جنيهات من دخله المتآكل أصلًا لشراء كمامة.

يقترح كتاب “الاقتصاد في زمن كوفيد ١٩”، فيما وصفه الخبراء بالسياسة الاقتصادية المُثلى، توفير خطط عمل قصيرة الأمد، وتزويد الأسر الفقيرة بمزيدٍ من فرص العمل المؤقت، واتخاذ إجراءات تُساعدهم في مواجهة مد حالة الإغلاق وحالات تسريح العمالة.

رغم تصاعد عدد حالات الإصابة بـ(كوفيد-١٩)، فإن ما يُقلق “مختار” هو عدم قدرته على توفير الإيجار، وفواتير الخدمات، واحتياجات أسرته اليومية، والجمعية التي يشتركون بها، بعد تقلص دخلهم: “نفسي الشهر يبقى ٦٠ يوم يمكن أقدر أكفي المصاريف اللي ورايا.. ما أقدرش أبطل شغل وعيالي يجوعوا”. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبتها

سارة جمال

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search