الإجابة في الحياة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

عمل “أنيس منصور” لفترة معدًّا في عدد من البرامج التلفزيونية، منها “أوتوجراف” للإعلامي الكبير “طارق حبيب”، وكان من بين من استضافهم البرنامج التلفزيوني الشيخ “مصطفى إسماعيل”.

جلس “منصور” قبل تسجيل الحلقة، بحكم مهام عمله، يستعرض مع المقرئ الشهير موضوعاتها وما سيقوله حولها، وكان من بين الأسئلة سؤال عن صعوبات قد تكون عرضت للشيخ خلال حياته وكيف واجهها، لكن جاءت إجابته محبطة لكاتبنا “أنيس منصور”.

قال “مصطفى إسماعيل” إنه لم يمر خلال مسيرته بمتاعب، كأن الله أعدّ له سلمًا وما كان منه إلا صعوده درجة درجة دون مشقة تذكر.

حاول “منصور” إثناء الشيخ عن إجابته، وأنه يمكن أن يحادث الناس عن عوائق واجهته ليتغلب عليها بالعزيمة والصبر وبتوفيق من الله، حتى لا يُصور لأحدهم أن هناك من كُتبت له السعادة دون جهد منه، وهناك من كُتب عليه الشقاء ولو بذل كل ما في وسعه، فلم يُبدِ الشيخ حينها اعتراضًا.

جاء يوم التسجيل فسأل “طارق حبيب” الشيخ “مصطفى إسماعيل” عما واجهه من مشكلات بحياته، فأجاب الأخير: والله ما عندي مشكلة من أي نوع ولا في أي وقت، لكن الأستاذ “أنيس” هو الذي يريد أن يغرقني في المشاكل، وبالطبع تم حذف الإجابة والسؤال.

ألحّت وجودية “أنيس منصور” عليه في هذا الموقف البسيط، على اعتبار أن الإنسان هو من يصنع حاضره ويحقق مستقبله، وأراد إلزام الضيف بإجابته تلك، ليفاجئه الشيخ “مصطفى” بتعليقه الطريف. لكن ما يهم في الحكاية هو نزوع لم يُستثنَ منه مثقف بحجم “أنيس منصور” يتعلق بالرغبة في حمل الآخر على تمثل إجابتنا.

ولا أظن أحدًا يعترض إذا قلت إن هذا النزوع أمسى في أيامنا تلك أشد ضراوة، يكفي أن تفتح صفحتك على “الفيس بوك” وتستعرض “بوستات” وتعليقات أصدقائك على مختلف الموضوعات، لتبصر محاولة الكل فرض إجابته على الكل، سواء تعلقت بقضايا شائكة وكبيرة تخص الدين أو السياسة مثلًا أو حتى بسفاسف الأمور، لكن ربما تكون المعارك الكلامية الأكثر حمية وعنفًا والتي كثيرًا ما تنتهي بـ”البلوك” هي المتصلة بالدين.

 للوهلة الأولى تتصور أن المتبارين ينافحون عن إيمانهم، لكن التفكر قليلًا ينفي هذه الفكرة، فالإيمان تصديق قلبي، لا يتطلب إقامة الدليل ولا يشجع على المجادلة، كذلك لا يسعى إلى الحشد، والمعنى أنه ما دام الإيمان تصديقًا قلبيًّا فهو فردي، أي لكل واحد إجابته التي يُحصّلها من خلال خبرته الحياتية.

إذن، ما الذي يدافع عنه هؤلاء؟ إنه بكل تأكيد الأيديولوجيا، ويمكن تقريب الصورة أكثر من خلال استعراض تاريخي خاطف يوضح الفارق بين الحالتين.

في التاريخ القديم امتدت معارك شبيهة على طول وعرض البلدان العربية والإسلامية لكنها جرت على الأرض لا الواقع الافتراضي مستخدمة السيف لا “البلوك”، لتتورط فيها جميع الفرق والمذاهب، فإلى جانب حروب السنة والشيعة والخوارج، انخرطت المذاهب داخل تلك الفرتق الكبرى في قتال بعضها بعضًا، فلا تكاد تهدأ حادثة إلا لتشتعل أخرى. حيث يرصد التاريخ حروبًا وقعت -على سبيل المثال- بين الشافعية والحنفية، وبين الحنابلة والشافعية، وبين الحنابلة والأشاعرة، وبين الشافعية والشيعة، وبين الحنابلة والمعتزلة..، ومع ذلك ربما كان هناك استثناء، فرقة وحيدة لم تبادر إلى عنف ولم ترتكب إرهابًا أو تتورط في تكفير، هذه الفرقة هي الصوفية.

والسرّ في الإجابة أن الصوفية وإن دلتك على سبيل الإجابة لكن عليك أن تسلكه وحدك، بلا سلطان أو تسلط من منظومة فقهية تستبد بكل تفصيلة كما لدى المذاهب والفرق الأخرى، ليستحيل الدين على يدها محض أيديولوجيا.

وهناك معنى لامع متصل بموضوعنا، ويوضح الفكرة أكثر، نبه إليه المتصوف الهندي “أوشو” عندما سُئل: لماذ تقف ضد العقل بهذا الشكل، نحن نستخدمه ونحتاجه؟.

فأجاب: “لا، ليس بإمكان الجميع استخدامه. من النادر أن نجد شخصًا واحدًا يستخدم العقل، أشباه بوذا ويسوع و”أتيشا” هم من يستخدمونه، وإلا فالكل مُستخدَمون من قبل العقل”.

كذلك، من النادر أن نجد شخصًا واحدًا يستخدم الدين، فالكل مُستخدَمون من قبله، وهو معنى يحتاج إلى توضيح من خلال نموذج يسوقه تاريخنا أيضًا، ففي العصر الإسلامي الأول استعمل الناس طاقة الدين الهائلة في البناء، وذلك عندما غلب الإيمان على الأيديولوجيا، ولم يمضِ وقت قصير حتى غلبت الأيديولوجيا فاستعمل الدينُ الناسَ ليستحيل إلى طاقة هدم.

وسعيًا لمزيدٍ من الإيضاح حتى نفرق بين الدين كإيمان والدين كأيديولوجيا يصبح من اللازم معرفة أن الأيديولوجيا تتأسس على قاعدة المصالح، لتدافع عن تصور معين للحقيقة ينفي غيره، لهذا فاعتمادها يكون على الجدال والمحاججة والدليل والبرهان، ومثلما يخبرنا الفيلسوف الفرنسي “ألتوسير” فالأيديولوجيا معنية بـ: “موضوعات ثقافية تُدرك وتُقبل وتُعانَى وتعاش فتفعل فعلها في البشر عبر مسلسل يفلت من أيديهم” بعدما تستعملهم لتحقيق أغراضها لا العكس.

أما الإيمان فيتأسس على الحرية، حيث لا قدرة أو سلطانًا لأحد، بطبيعة الحال، في فرضه على آخر، إذ يتعلق بالتصديق القلبي، من ثم لا يلتفت إلى الجدال والمحاججة، فالإيمان في معنى من معانيه موقف أخلاقي باطني يستهدف تغيير الفرد لذاته، ليغير هو العالم.

الأيديولوجيا متحفزة ضد الاختلاف، وترفض الاعتراف بعمل لم يحصل على صك موافقتها، فلا تحتفي “الإسلامية” مثلًا بجهود عالم مثل “مجدي يعقوب”، وتعدها “هباءً منثورًا”، باعتباره لن يشم ريح الجنة ولو قدم أضعاف ما قدمه لخير الإنسانية، كذلك لا تترحم على فتاة ظُلمت وهُجرت مثل “سارة حجازي”، بينما الإيمان يقبل الاختلاف، فهو للمفارقة “نوع من انعدام اليقين الموضوعي” على اعتبار أن الإيمان أساسه التصديق القلبي لا الاستدلال الموضوعي، فكما قال فينغشتاين: “إذا كنتُ قادرًا على إدراك الله موضوعيًّا فلا إيمان لي”، من ثم تسمح هذه المساحة من عدم اليقين بالاختلاف.

الإيمان لا الأيديولوجيا هو ما يمنح لكل فرد إجابته التي يتحصل عليها من خلال تجاربه الحياتية، فلا وجود لإجابة نموذجية (جاهزة)، وأي محاولة لتعميم أو فرض إجابة بعينها، مثلما حدث في حكاية “أنيس منصور” الطريفة مع “مصطفى إسماعيل”، يُعد تزييفًا، والتزييف ثقل يمنع التحليق في سماء الحقيقة، كذلك وعلى حد تعبير الشيخ مصطفى “يغرقنا في المشاكل”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram