ثقافة وفن

الإجهاض في السينما.. الفاتورة نسائية

في عام 2007 قدّم الكاتب والمخرج الروماني كريستيان مونجو فيلمه الأول والأنضج خلاله مسيرته المستمرة حتى الآن “أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان“، الذي يحكي قصة فتاة جامعية اضطرت إلى إجراء عملية إجهاض بعد علاقة بشاب أدت للحمل خطأً.

يفتتح الفيلم مشاهده الأولى في سكن جماعي لطالبات الجامعة. فتاتان يسكُنان نفس، يخططان ليومهما العادي، لكننا لا نرى سوى مسحات كآبة ربما لا تليق بطلبة جامعة لم تطحنهم الحياة بعد. لاحقًا سنفهم أنهما كانا يتفقان على جمع المال اللازم لإجراء عملية إجهاض لإحداهما.

طوال الفيلم، لن نرى شريك الفتاة في أزمة الحمل الخاطئ. يتواجد دائمًا على خلفية الحدث كبطل مشارك فيها، لكنه غير مرئي.

يقدم المخرج الرجال منبوذين في الفيلم، رغم أنه لا يفوت الفرصة في التركيز على أنهم جناة.

أحد رجال الفيلم تسبب في حمل فتاة تحت السن القانونية عليها التخلص من الجنين، والآخر على علاقة بصديقتها، لا يعبأ كثيرًا بأزمة فتاة الإجهاض، قدر اهتمامه بعيد ميلاد صديقته.

الرجل الثالث هو الطبيب الذي أجرى عملية الإجهاض، والذي تقاضى بقية المقابل المادي للعملية، بممارسة الجنس مع صديقة المجهضة.

وتقدم المساعدة المتبادلة بين الفتاة وصديقتها، بشكل حصري، كاتفاق ضمني غير معلن بين الفتاتين على أنه لا يسعهما سوى مؤازرة بعضهما.

من فيلم “أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان”

وحدها الصديقة من بين شخصيات الفيلم، التي تسعى جاهدة لإنجاح عملية إجهاض صديقتها، ولو على حساب جسدها. نتذكر أنها قبلت ممارسة الجنس مع الطبيب كبقية للحساب. تشاركها الشعور بوطأة الأمر، سيظهر ذلك في مشهد حيث الصديقة مع صديقها، في جلسة صفا، تسأله: “كيف سيكون رد فعلك لو كنتُ حاملًا”. تنظر الإجابة مع نظرة إلى عينيه مباشرة تبحث فيها عن إجابة تطمئنها بأنها لن تلقَ نفس مصير صديقتها.

يعد فيلم “أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان” الأنضج في مسيرة مونجو لأسباب عدة، فبالإضافة إلى قصة الفيلم، وهو نفسه الكاتب، عالج مونجو القصة بالفقر البصري المتعمد بما يلائم مأساة ما يقدمه، في دائرة صغيرة يتحرك خلالها أبطال الفيلم القليلون. كما أنه لم يتوارى، كراوٍ من جهة كونه مخرجًا وكاتبًا، عن الاتحاد مع مصير بطلته التي تبدو وكأنها لا تفهم كثيرًا عن العالم، لكنها تتصرف تمامًا كما يجب في كل خطوة، كفتاة تشعر بالأشياء أكثر مما تفهمها.

“أبدًا/نادرًا/أحيانًا/دائمًا”.. أسئلة الإجهاض

من بين الأفلام القليلة التي تناولت الإجهاض كقضية محورية ومؤسسة للأحداث، عرضت منصة نتفليكس مؤخرًا فيلم “أبدًا/ نادرًا/ أحيانًا/ دائمًا”.

ربما لا تكون قصة الفيلم بعمق ما قدمه مونجو في فيلم “أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان”، لكنه في المقابل أكثر اتحادًا مع أبطاله. قد يكون السبب في ذلك أنه من إخراج امرأة ركزت في رحلة إنتاجها الفني على أزمات المرأة المعاصرة، خاصة في ظل قوانين تقدمها المخرجة باعتبارها تتجنى على المرأة، بينما تعزز الموقف السلطوي للرجل.

لا تطرح الكاتبة والمخرجة إليزا هيتمان، الهزيمة، باعتبارها مسألة الفيلم الجوهرية، وإنما تركز على رحلة البطلة في مقاومة العالم وحدها، دون الحاجة لطرف آخر/ شريك مسؤول.

في أول أفلامها “شعور يشبه الحب” (2011)، تحكي هيتمان قصة بطلتها “ليلى”، وسعيها لمحاكاة الخبرة الجنسية لصديقتها الخبيرة، ما يدفعها لتنحية مشاعرها من أجل مرافقة رجل أكبر سنًا مشهور بأنه “ينام مع أي شخص”.

تحاول ليلى إدخال نفسها في عالم هذا الرجل، فتضع نفسها في موقف ضعيف مقارنة بمشاعرها ومفهومها الأكثر براءة، عن العالم.

البطلة المراهقة (يبدو أن كل أبطال هيتما مراهقات) تحمل، تقريبًا، ما تشترك فيه المراهقات في أي مكان بالعالم: مشاعر حادة وربما متطرفة سواءً بالحب أو الكره، واندفاع متهور لإثبات النضج والأنوثة، وقلق أظهر من كل الأشياء، بالموازاة مع اطمئنان كبير، غير طبيعي أحيانًا، إلى الأصدقاء الحميميين.

نجد تلك الصفات للمراهقة، كما في فيلم “شعور يشبه الحب”، كذلك في مسلسلها ذائع الصيت “13 سببًا لماذا” الذي يحكي، باختصار، قصة انتحار فتاة بسبب شعورها بالخذلان مدفوعة، كما يصور المسلسل، بكل الصفات المذكورة، وعلى رأسها العلاقة الحميمية مع الشخص الخاطئ.

في فيلمها الأحدث ” أبدًا/ نادرًا/ أحيانًا/ دائمًا”، سنجد البطلة المراهقة بنفس الحمولة، بقصة موضوعها الإجهاض، حيث فتاتان مراهقتان من ريف بنسلفانيا تسافران لنيويورك طلبًا للمساعدة الطبية في حمل غير مقصود.

من فيلم “أبدًا/نادرًا/أحيانًا/دائمًا”

ستقول الطبيبة للمراهقة الحامل: “سأطرح عليكِ أسئلة شخصية بعض الشيء، كل ما عليكِ الإجابة باختيار من بين متعدد: أبدًا/نادرًا/أحيانًا/دائمًا”.

ستكون هذه الاختيارات اسم الفيلم، ومحوره الأساسي الذي تتوقف عنده الأحداث بصريًا بثبات الكاميرا لدقائق على انفعالات الفتاة، وعمليًا ببطء الحديث والإجابات التي تعتصرها حتى تبكي؛ أسئلة حول علاقتها الحميمية مع شريك حياتها غير المعروف.

تبدو الفتاة في الموقف ذاته: مرهقة، عارية، شكلًا ومضمونًا. تدفع نتيجة حبها من دمها مجازًا وحرفيًا، وتعلم جيدًا الأثر الذي ستتركه الأحداث تلك القاسية على حياتها الآن وفيما بعد.

وما يلاحظ في مجمل الأعمال السينمائية التي يكون موضوعها المحوري الإجهاض، أنه عادة ما يكون للرجال، شركاء الفعل، فرصًا للهروب، في حين تقف المرأة أمام حائط سد تمثله قوانين منع وتجريم الإجهاض.

حسام الخولي

ناقد فني ومصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى