وجهات نظر

الإخوان ضد “الاختيار 2” قبل ولادته.. تكتيك “لف وارجع تاني”

طارق أبو السعد

فجأة، هاجم عناصر جماعة الإخوان المسلمين، الفنان أحمد مكي وأبطال مسلسل الاختيار2، وفجأة توقفوا عن الهجوم.. من المتفهم سبب هجوم الإخوان على أي عمل فني يتناول مواقفهم السياسية، لكن المحير هو توقفهم عن مهاجمة “مكي”، وبعيدا عن أسباب الجماعة في آليات الهجوم والتوقف، أحسب أن المجتمع يحتاج إلى نموذج تفسيري لفهم العقلية الإخوانية وما تحمله من أفكار أيديولوجية نحو الفن والفنانين، وما استراتيجياتهم للتعامل مع مخالفيهم في الرأي.

لا يمكن اعتبار موقف الإخوان من المسلسل موقفا سياسيا معارضا، فالإخوان فصيل مناهض محارب للدولة والمجتمع، ولا يملك رؤية إصلاحية بقدر ما يملك قدرة على الإعاقة، وهجومهم المتوالي على رموز وشخصيات تاريخية مصرية وعربية تأتي ضمن هذه الوظيفة العدائية، أما موقفهم من الأعمال الفنية فهو موقف مركّب، فإضافة لكونه يتشكك في كل ما يخص الدولة المصرية ومؤسساتها، هو أيضا موقف مبدئي يتماشى مع رفضهم الفن من الأساس، عبّر عن ذلك المؤسس “حسن البنا” في رسالته “نحو النور”، التي قدمها للملك فاروق عام 1938، وفيها أوضح “البنا” خطط الإخوان للإصلاح الذي ينشدونه، فيقول: “يجب مراقبة دور التمثيل وأفلام السينما والتشديد في اختيار الروايات والأشرطة، كما تهذيب الأغاني واختيارها ومراقبتها والتشديد في ذلك، وكذلك حسن اختيار ما يذاع أو يعرض على الأمة من برامج ومحاضرات وأغاني وموضوعات“.

ثم يعود “البنا” ويؤكد “هذا الموقف الأصيل” في رسالة المؤتمر السادس عام 1941، إذ يقول: “لقد رسمنا للحكومات المصرية المتعاقبة كثيرا من مناهج الإصلاح، وتقدمنا لكثير منها بمذكرات إضافية في كثير من الشؤون التي تمسّ صميم الحياة المصرية”، ومن ضمن ما يراه إصلاحا للحياة المصرية “فرض الوصاية على مصادر الثقافة والفن”، فيقول: “إن إصلاح منابع الثقافة يكون بإعادة النظر في سياسة التعليم ومراقبة الصحف والكتب والسينما والمسارح والإذاعة، واستدراك نواحي النقص فيها وتوجيهها الوجهة الصالحة“.

من النصوص المؤسسة لأفكار الإخوان نكتشف أنهم يطرحون أنفسهم رُقباء على مصادر الثقافة والفن والإعلام والتعليم دون أن يفرضهم أحد! ووضعوا أفكارهم كمقياس للصلاح يطالبوا الآخرين بضبط أعمالهم عليه! وويل لمن يرفض، يتم الإصلاح بالقوة والتوجيه إلى “الوجهة الصالحة”، حسب تعبير “البنا المؤسس”.

هذا الفكر ورثه الإخوان بالتلقي من قياداتهم التربوية جيلا بعد جيل، وما حدث في عقد السبعينيات وما تلاها من هجوم على الاحتفالات الفنية في الجامعات المصرية خير دليل.

إن تاريخ الإخوان في الهجوم على الأعمال الفنية طويل، ففي الثمانينيات وما بعدها هاجموا أعمالا فنية كثيرة على سبيل المثال، كأعمال عادل إمام، التي كنت تقدم صورة ساخرة للإرهابيين والمتأسلمين، وهاجموا مسلسل “العائلة” لوحيد حامد، الذي كشف كثيرا من أفكار الإسلام السياسي، وهاجموا مسلسل “الجماعة” لوحيد حامد أيضا، وهدد “أحمد سيف الإسلام حسن البنا” طاقم عمل “الجماعة” بمقاضاة كل من يشارك في المسلسل، وبعد عرضه ظل الإخوان يهاجمونه ووفرق تنفيذه، ووصل العداء للمؤسسة العسكرية المصرية بالهجوم على “فيلم الممر”، الذي تناول مرحلة مهمة من مراحل الاستعداد لحرب أكتوبر 1973، ثم وصلوا لمهاجمة مسلسل الاختيار في جزئه الأول، نظرا لارتباط المشاهدين بأبطاله الحقيقيين، ولأنه لاقى إشادة جماهيرية واسعة، تحولت بالتدريج إلى موقف حازم وجاد ضد الإرهاب، وضد جماعة الاخوان نفسها، كما تكشف للشعب حقيقة ما يوجهه الجيش في سيناء، وحجم العمليات والتضحيات التي تمت هناك.

يدرك الإخوان تأثير الفن القوي، الذي يتعدى تأثير خطبائهم وكتابهم بمراحل، ولأنهم لا يملكون الفن ولا أدواته، حاولوا صناعة فن موازٍ ففشلوا أيضا، فقديما حاول حسن البنا أن يطبق نظريته في صناعة ما يسمى “فن إسلامي” ولم يفلح لأسباب متعددة، وحاول الإخوان في الثمانينيات عمل لجنة فنية منبثقة من لجنة نشر الدعوة، قدمت فيها “فنا بديلا”، أو هكذا زعموا، هذا الفن عبارة عن اسكتشات أيديولوجية بائسة، لا تقترب في جودتها من أداء المسرح المدرسي للمرحلة الإعدادية، وعندما فشلوا في تقديم بديلهم الفني حاولوا التسلل إلى صناعة السينما والتليفزيون وفشلوا، فلم يكن أمامهم إلا إرهاب رجال السينما والدراما، فإما أن يقدم الجميع أعمالا تروق للتنظيم، أو يتم الهجوم عليهم مستغلين سيطرتهم على السوشيال ميديا، ولأنهم محترفون في الاغتيال المعنوي ويملكون القدرة على ترويج الأكاذيب عن الشخصيات التي يهاجمونها، فقرروا مهاجمة العمل الفني حتى قبل أن يبدأ!

رد فعل الإخوان ضد الجزء الثاني من مسلسل “الاختيار” يأتي ليس فقط بناء على موقفهم الفكري، بل يأتي خوفا من ارتباط المشاهدين بأبطال الجزء الثاني من المسلسل، الذي يتناول تضحيات ضباط الشرطة المصرية منذ عام 2013 حتى عام 2020، فالإخوان لن يتحملوا ثلاثين يومًا متواصلة في رمضان، وفي موسم ينتظره العالم العربي أجمع، ليتم تقديم وجبة فنية ممتعة مليئة بالبطولات لرجل المؤؤسات الأمنية المصرية، ما يعني كشف أباطيلهم وزيفهم، فهذه الفترة من تاريخ الإخوان تحتاج إلى توثيق تاريخي، والفن خير من يوثق الأحداث، لارتباطه بوجدان المشاهد، الذي ربما ينسى المقالات المدبّجة ولا ينسى المشهد التليفزيوني أو السينمائي، ومن المتوقع أن يطرح المسلسل أحداث اعتصام رابعة المسلح، وما تم به من تجاوزات هددت أمن واستقرار الدولة المصرية ومواطنيها، كما تمت في الواقع دون تزييف أو نقصان.

ومن المؤكد أيضا أن المسلسل سيكشف كذب وادعاءات الإخوان بخصوص مظلوميتهم في أحداث “رابعة”، والذي يصر إعلام الجماعة الإرهابية على تقديم الفض كأنه مذبحة تمت بحق معتصمين سلميين، وأن القتل فاق عشرات الآلف من الأبرياء، وهي التهمة التي يرتكز الإخوان عليها لتقديم أنفسهم كأبرياء ضحايا ومظلومين، والإخوان قبل غيرهم يعلمون أن عودتهم مرتبطة بالتعاطف الشعبي معهم، والتعاطف معهم لن يأتي إلا بنشر الأكاذيب عن مظلوميتهم، لذا يمثل هذا العمل الفني تحدي كبير لمصداقيتهم، فسارعوا بالهجوم على المسلسل وعلى أبطاله، فور تسريب صورة للفنان أحمد مكي وهو يقوم بدور ضابط قوات خاصة المنوط به فض الاعتصام، وربما توقفهم عن الهجوم على مكي لكونه قد يقوم بدور ضابط شرطة منشق عن الداخلية ومنضم للجماعات الجهادية، لكنهم وإن توقفوا عن الهجوم عليه أو على غيره، فهذا لا يعني توقفهم عن تجهيز حملة للهجوم على المسلسل، تبدأ عندما تأتيهم الإشارة ببدء الحملة، لذا فواجب على المجتمع بمؤسساته أن يدعم رسالة المسلسل، عبر نقاش حقيقي حول جرائم الإخوان المثبتة وتقديمها كوثائق تاريخية  وليس مجرد وجهات نظر، مع شهادات حية لمن شارك في فض الاعتصام وذكر التضحيات التي قدمها رجال الشرطة في فض الاعتصام، ولا يجب ولا يصح أن ننتظر هجوم الإخوان لنفكر في طريقة الرد، فمعيب جدا أن نكون رد فعل لهم.

طارق أبو السعد

متخصص في الحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى