الإخوان في الأردن

واقع مضّطرب ومستقبل غامض

يشكل حضور جماعة “الإخوان المسلمين” في المشهد الأردني أحد الموضوعات الأكثر جدلًا على الساحة الأردنية في ظل الواقع السياسي المتغير الذي يعيشه البلد؛ إذ تُلقي المتغيرات الإقليمية الحادة بظلالها على مستقبل العلاقة بين الجماعة والدولة الأردنية، الأمر الذي دفع بالعلاقة إلى أن تأخذ طابع الشد والجذب بين الطرفين أحيانًا، وعدم الوضوح في كثيرٍ من الأحيان.

فعلى الرغم من حالة الارتباك التي تعيشها الجماعة في علاقتها مع الدولة منذ عدة سنوات؛ إلا أنّ الأردن لا تزال بيئة غير طاردة للجماعة، وتكاد تكون الدولة العربية الوحيدة التي تسمح للجماعة بالعمل بحرية، ولا يزال لدى الجماعة مركز قوة وثقل كبير بها، رغم الأزمات التي تعصف بالجماعة بين الفينة والأخرى.

ويشهد واقع الجماعة الداخلي بالأردن، وكذلك علاقاتها مع الدولة، أزمة حقيقية لم تكن دارجة في السنوات والعقود الماضية، فالتنظيم الذي كان متماسكًا إلى حد كبير رغم الخلافات التي مسته في السابق، أصبحت جميع خباياه وأزماته تظهر إلى السطح على شكل تيارات وأحزاب أخرى انشقت لتؤسس كيانات جديدة، وإن لم تقدم أطروحات ورؤى جديدة يمكن الاعتداد بها لتجاوز أزمة ظلت تعيشها الجماعة لسنوات طويلة.

فلا تمثل هذه الكيانات الجديدة تغييرًا حقيقيًا في مسار الجماعة، هذا ما أكدّه المراقب العام للجماعة في الأردن “عبدالحميد ذنيبات”، على قناة “الحوار” الفضائية، إذ وصف مثل هذه الأطر والتيارات الجديدة للجماعة بأنّها “لم تقدم شيئًا جديدًا على الساحة، ولم تقدم أطروحات تستحق أن تكون جديرة بالاهتمام”[1].

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه

تعدّ جماعة “الإخوان” إحدى أهم الجماعات العاملة في الساحة السياسية في الأردن، الأمر الذي جعلها تُشكِّل علاقات مميزة وتفاعلات مع محيطها الاجتماعي والسياسي والديني.

إلا أن الجماعة التي مارست العمل السياسي والدعوي داخل الأردن منذ أكثر من 70 عامًا، تعاني حاليًّا أوقاتًا عصيبة لم تمر عليها من قبل، فعلى الرغم من أنّ علاقتها مع الدولة كان يشوبها محطات سلبية؛ إلا أنّ السنوات الخمس الأخيرة التي تعانيها الجماعة تهدد مستقبلها وواقعها بالكامل، ليبقى مصيرها مجهول المعالم.

الدراسة الحالية تهدف إلى توصيف واقع الجماعة السياسي والديني، ومعرفة المتغيرات التي شابت تلك العلاقة، وفض التشابكات الحاصلة في مسيرة العلاقة التي تجمع الدولة بالجماعة على مدار سبعة عقود وأكثر، فضلًا عن إجراء مسح تاريخي لتاريخ الجماعة مع التعمق في واقعها المعاصر ومستقبلها السياسي المتمثل في الصراعات الداخلية التي تعاني منها.

كما تحاول الإجابة عن سؤال: ما هو الكيان القانوني الأحق بقيادة دفة الجماعة؟ في الوقت الذي تلقي فيه الضوء على علاقات الجماعة بقطر وتركيا وحركة حماس.

أولًا- الصراع على مِلْكية الجماعة:

تبرز مشكلة الصراع المتجدد على مِلْكية “الإخوان المسلمين” كإحدى المشكلات الرئيسية التي تعاني منها الجماعة في الأردن، وهي إشكالية قديمة ومتجددة، وكلما خفت نجمها عادت للظهور إلى “الواجهة” لتلقي بظلالها على واقع وشرعية الجماعة الإخوان في الأردن، لكن عودتها هذه المرة كانت بـ”قرار قضائي” لأعلى المحاكم في البلاد، في إطار النزاع بين الجماعة “الأم” والجمعية التي تعبر عن “انشقاق مُرخص” من خمس سنوات على بعض الملكيات والعقارات.

الحدث هذه المرة كان بطله محكمة التمييز، أعلى محكمة في سلك القضاء الأردني، وفي قرار ليس قطعيًّا بعد، حكمت في دعوى رفعتها الجماعة من عدة سنوات بأنّ “جمعية الإخوان المسلمين” المرخصة عام 2015م، ليست ”الوريث الشرعي والاعتباري” لجماعة الإخوان الأم.

عبدالمجيد الذنيبات

ويعود سبب النزاع بالدرجة الأولى إلى تمكين الجمعية بعد انشقاقها بقيادة المراقب العام الأسبق الشيخ “عبدالمجيد الذنيبات”، من السيطرة على مقرات ومكاتب وملكيات تعود للجماعة، فضلًا عن قدر من الأموال النقدية.

وحَظِيَ التمكين بتأييد الدوائر الأمنية والسياسية في الأردن، إلا أنّ الجماعة لجأت لاحقًا إلى القضاء الإداري بغرض استعادة الشرعية والمقرات والمؤسسات الخاصة بها.

وبعد سنوات طويلة من المتابعة صدر قرار محكمة التمييز الذي يؤكد أنّ “الجمعية” ليست “وريثًا شرعيًّا وقانونيًّا” لملكيات “الجماعة”، ورحبت الجماعة الأم بالإنصاف القضائي، واعتبرته مؤشرًا على عدم شرعية تسليم ملكياتها ومقراتها لجمعية منشقة تمّ تسجيلها رسميًّا لترث الجماعة[2].

استنادًا إلى الرأي القانوني، لا ينص القرار القضائي بعد على أن الجماعة الأم، التي ترفض التقدم أصلًا بطلب ترخيص جديد، هي الوريث الشرعي، فذلك يحتاج لمعركة سياسية وقانونية أخرى، وما يقوله سياسيًّا قرار أعلى هيئة قضائية أردنية باختصار هو ”عدم شرعية” تمكين الجمعية من السيطرة على مقرات “الجماعة” دون أن يعني ذلك أن الجماعة نفسها تملك أحقية السيطرة على مقرّاتها وملكياتها[3] .

ثانيًا- العلاقة مع الدوحة والاحتفاء بأمير قطر:

تُشكّل العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين بكافة فروعها، خاصة إخوان مصر وسوريا، علاقة أصيلة وقديمة يجمعها المصالح المشتركة؛ إلا أنّ تنظيم “الإخوان” بالأردن لم يرتبط فعليًّا بالدوحة بشكل مباشر، وذلك لأنّ الواقع السياسي لم يكن خصبًا حتى اللحظة، بل إنّ المتغيرات في الداخل الأردني لم تسمح بذلك، إلا أنّ شهية “إخوان” الأردن تبقى مفتوحة لتعزيز هذه العلاقة متى ما سمحت الظروف بذلك.

وتُعتبر العلاقة الوثيقة بين الدوحة ومكتب الإرشاد العالمي للإخوان المسلمين وتنظيمات الإخوان المسلمين القطرية في الدول العربية، أحد أبرز ثوابت السياسة القطرية الخارجية؛ بما فيها المناطق التي تشهد صراعات عنيفة، في سوريا واليمن وليبيا والسودان، وغيرها من الأقطار العربية والإسلامية.

تميم بن حمد آل ثاني

وشكلت زيارة أمير قطر “تميم بن حمد آل ثاني”، مؤخرًا إلى الأردن، مؤشرًا قويًّا وواضحًا على تحسن العلاقة بين الجماعة والدولة الأردنية، خاصة وأنّ العلاقة مع الدولة كانت على الدوام تشوبها توترات مختلفة.

كما أنّ المتغيرات السياسية الأخيرة في المنطقة والتطورات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وانعكاساتها على الساحة الأردنية تعتبر بيئة جاذبة لتحسن العلاقات بين الجانبين، خصوصًا أنّ الأردن يبحث عن حلفاء وأصدقاء له في المنطقة لدعمه سياسيًّا واقتصاديًّا للوقوف ضد تمرير “صفقة القرن”.

ومن هنا فإنّ العلاقة بين عمان والدوحة ألقت بظلالها على الواقع الأردني، حيث تأتي الساحة الأردنية كإحدى الساحات المهمة التي تحرص الدوحة على لعب دور مهم فيها، والعبور من خلالها إلى “إخوان الأردن” بشتى الطرق.

وكان آخرها إعلان الدوحة قبل عدة أشهر عن مبادرة لمنح آلاف الوظائف للأردنيين، كاستغلالٍ للأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها الأردن؛ بهدف تقديم دعم مباشر لكوادر وعناصر جماعة الإخوان والسعي لاستقطابهم أو استغلالهم؛ تمهيدًا للاستفادة منهم داخل وخارج قطر.

الجماعة رحّبت بزيارة أمير قطر للأردن، وتحديدًا فرعها المتمثل بـ”جمعية جماعة الإخوان المسلمين“ بالأردن، وقالت في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على ”فيسبوك“، إنّ الزيارة “تؤكد وتتوج عمق الأخوة التي تربط بين الشعبين الأردني والقطري بقيادة الملك عبدالله وأخيه الشيخ تميم“، وأكدت ”تطلعها إلى مزيد من التواصل والتعاون المثمر البناء بين البلدين الشقيقين في كافة المجالات”[4].

عمر الرداد

وفي هذا السياق، يكشف الخبير الأمني الاستراتيجي الأردني “عمر الرداد”، عن وجود تنوع في أساليب الدوحة لتقديم الدعم اللوجستي لتنظيم الإخوان، وذلك بتقديم حاضنة لهم في الدوحة، وتسهيلات تمثلت بتجنيس وتقديم جوازات سفر لكثير من رموز الجماعة وقياداتها.

ويشير “الرداد” إلى أنّ مسألة الوظائف التي قدمتها قطر للأردن مؤخرًا، لم تتضح نتائجها حتى تاريخه، وليست هناك معلومات دقيقة تشير لطبيعة ونوعية الأردنيين الذين استفادوا منها، وهي تخضع لموافقات ومعايير قطرية غير معلنة.

ويوضح الخبير الاستراتيجي أنّ توجهات الدوحة تجاه جماعات “الإسلام السياسي”، وبخاصة جماعة “الإخوان”، تأتي ضمن رؤية تأسست مع انطلاقة موجة الربيع العربي، بتوافق مع الإدارة الأمريكية السابقة، التي رأت في “الإسلام السياسي” بديلًا موضوعيًّا لأنظمة الحكم العربية، إلا أنه مع التغيير في الإدارة الأمريكية منذ عام 2017، تعرّض مشروع “الإسلام السياسي” لضربات موجعة، بل ظهرت اتجاهات في الإدارة الأمريكية سعت لتصنيف “الإخوان” كـ”جماعة إرهابية.”

ويرى “الرداد” أنّه على الرغم من انفراد الدوحة (ومعها تركيا وإلى حدٍّ ما إيران) بالدفاع عن “الإخوان المسلمين”، واستخدامهم أوراقًا ضاغطة ضد دول المقاطعة العربية (السعودية، مصر، الإمارات، البحرين)، وخوضهم معارك في اليمن وليبيا وسوريا، ورغم أنّ الأردن لا يزال جزءًا من التحالف الذي تقوده السعودية، لكنّه ولظروفه الخاصة احتفظ بعلاقة متوازنة مع “الإخوان”، استنادًا لإرث تاريخي منذ الحرب الباردة، وانحيازات “الإخوان” التاريخية إلى جانب الدولة الأردنية، مشيرًا إلى أنّ مقاربة “اللا حرب واللا سلم” بقيت عنوانًا للسياسات الأردنية في التعامل مع “الإخوان”.

إحدى قنوات الإخوان في الأردن

ويوضّح الخبير أنّ الخلاف بين الدوحة من جهة والدول العربية المقاطعة لها من جهة أخرى، يجد تعبيراته في الشارع والإعلام الأردني، من خلال موقف إخواني وأدوات إعلامية موالية للدوحة، مقابل جهدٍ أقل موالٍ للدول العربية المُقاطِعة، لكن كلا الموقفين لا يعكسان الموقف الأردني المتوازن تجاه أطراف الأزمة الخليجية.

ويؤكدّ “الرداد” أنّ الأردن يتابع وبدقة مواقف الإخوان وعلاقاتهم الخارجية وتحالفاتهم، خاصة وأنّ ملفات الجماعة بالنسبة للأردن تخضع لمتابعات المستويين الأمني والسياسي، مشددًا على أنّ لدى الأردن القدرة على إرسال رسائل للإخوان بعدم السماح لهم أو لغيرهم، بأن يكونوا على غرار “حزب الله” في لبنان، كما يدرك “الإخوان” في الوقت نفسه أنّ الدولة الأردنية لم تخضع لضغوطات كافية لتصنيفهم كتنظيم إرهابي كما هو الحال في دول مجاورة[5].

الدكتور ذياب البداينة

وفي الإطار نفسه، يرى رئيس مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الدكتور “ذياب البداينة”، أنّ علاقات الجماعة بالدوحة يحكمها موضوع العلاقات الأردنية-القطرية والتغيرات الأخيرة التي تمثلت في المقاطعة السعودية-الإماراتية لقطر، الأمر الذي أدى إلى بروز مخاوف أردنية من تسريح العمالة الأردنية في كل من السعودية والإمارات.

ومن هنا راعت عمان الظروف والمتغيرات الأخيرة وتشابكاتها مع الواقع السياسي، مع مراعاة العلاقة التاريخية مع السعودية والإمارات، حيث يسعى الأردن إلى تغليب المصلحة الوطنية بعيدًا عن الاصطفاف السلبي المبني على المجاملة السياسية لدولة بعينها، وهذا ما تمثل عبر التقارب الذي حصل بين الجانب الرسمي الأردني وجماعة “الإخوان”، بعد قرار محكمة التمييز الأردنية بعدم اعتبار “جمعية الإخوان” خلفًا للجماعة الأم.

ويشير “البداينة” إلى أنّ الإخوان في الأردن على الرغم من أنّهم يسعون إلى تطوير علاقاتهم مع الدوحة، وهذا ما تَمَثّل عبر لجنة الأخوة البرلمانية الأردنية-القطرية التي يرأسها النائب الدكتور “عبدالله العكايلة”، صاحب التوجهات “الإخوانية”؛ إلا أنّ الجماعة في الفترة الأخيرة باتت تفضل عدم الخروج عن رؤية الدولة والتغريد خارج السرب الرسمي.

النائب عبدالله العكايلة

رئيس مركز ابن خلدون يؤكد أنّ رموز الجماعة باتوا حذرين في ارتباطاتهم وعلاقاتهم مع الأطراف الخارجية كقطر وتركيا، خاصة بعد الفشل الذريع التي مُنيَ به الإخوان في مصر وسقوط حكمهم في 3 يوليو 2013، معتبرا أنّ الجماعة باتت في حالة انكفاء سياسي يجبرها على أن تكون تحركاتها القادمة حذرة مع الدوحة[6].

تطورات المشهد في الصراعات التي تشهدها الدول العربية ألقت بظلالها على واقع جماعة الإخوان بكافة فروعها، وهي التطورات التي تؤكدها الخسارات المتوالية لمشروع الإسلام السياسي في مصر وليبيا واليمن والسودان، إضافة إلى الخسارات الداخلية التي مُني بها حزب “العدالة والتنمية” التركي (خسارته انتخابات بلدية إسطنبول)، وفي ظلّ تراجع عام للأيديولوجيات الدينية لحساب البرامج الاقتصادية والاجتماعية.

في المقابل، وقفت الدولة الأردنية من تلك المتغيرات على مسافة واحدة، كما أرادت الحفاظ على شعرة معاوية مع جماعة “الإخوان”، حتى إنّها سمحت بانعقاد العديد من المهرجانات السياسية المؤيدة للربيع العربي ولجماعة الإخوان في مصر بعد 3 يوليو 2013، حين خصصت جماعة الإخوان في الأردن فعالية خاصة تضامنًا مع الجماعة في مصر.

محمد مرسي

وعقدت الجماعة مهرجانًا بشهر سبتمبر 2013 حمل عنوان: “لبيك يا أقصى” الدوري بعد أن خصصت فعاليته للتضامن مع جماعة الإخوان بمصر، والتنديد بعزل الرئيس السابق “محمد مرسي”، كما ارتدى لجان تنظيم المهرجان قمصانًا صفراء تحمل شعار “رابعة”[7].

وهنا يشكك الخبير الأمني الأردني “عمر الرداد” في قدرة الدولة الأردنية على التعامل مع الجماعة ضمن معادلة “اللا سلم واللا حرب” دائمًا، مشيرًا إلى عدم وجود رؤية واضحة لدى الدولة الأردنية للالتزام بتلك السياسة إلى ما لا نهاية، خاصةً في ظل متغيرات متسارعة سيكون مطلوبًا خلالها من الأردن اتخاذ مواقف صارمة.

كما أنّ مساحات المناورة أمام “إخوان الأردن” تضيق في ظل إخفاقات “الإسلام السياسي” في المنطقة، بحسب “الرداد”، فضلًا عمّا تعكسه نتائج انتخابات الهيئات التمثيلية في البرلمان والنقابات والانتخابات الطلابية في غير صالح الإخوان، إضافة للانشقاقات الواسعة التي شهدتها الجماعة بالأردن، والتي انعكست لاحقًا على قدرة الإخوان على قيادة الشارع وتحريكه[8].

وأيًّا يكن الأمر فإنّ الدوحة تشكل رافعة ودعامة حقيقية لتنظيمات “الإسلام السياسي” نظرًا لطبيعة التناغم والانسجام بين الطرفين، وتعمل الدوحة من خلال تلك العلاقة على ضمان استمرار نفوذها السياسي في الدول العربية وبخاصة دول الربيع العربي.

وفي مقابل ولاء وتأييد ومباركة فصائل “الإسلام السياسي” للنظام القطري، يأتي الدعم القطري المالي والحماية الرسمية وإيواء القيادات وتسهيل تنقلاتها وحماية أرصدتها وتمويل منابرها الإعلامية.

ثالثًا- “صفقة القرن” مؤثر جديد في العلاقات بين الطرفين:

 مثلت “صفقة القرن” مؤثرًا مهمًّا في مستويات العلاقات بين الجماعة والدولة، خاصة أنّ الطرفين مجمعان على رفض الصفقة جملةً وتفصيلًا، الأمر الذي أسهم في إحداث نوع من التقارب بينهما، إذ يعكس هذا التناغم نبرة الخطاب العالي الذي يعدّ من سمات الجماعة في مواقفها ونقدها السياسي، وهذا ما لا تتقنه الحكومة الأردنية، لكونها لا تريد أن تُظهر موقفًا علنيًّا رافضًا للصفقة في ظل حسابات الأردن السياسية المعقدة.

وبالتالي فإنّ استحضار الجماعة ومواقفها في الشارع الأردني يعدّ أمرًا مهمًّا بل مطلبًا رسميًّا لتوضيح رسالة عمان الحقيقية من الصفقة والداعمين لها، ولأنّ الدولة الأردنية، بشقيها الحكومي والملكي “الهاشمي”، لا تريد توتير علاقاتها مع دول الجوار، لذا ترك النظام السياسي مهمة التعبير عن الشارع الأردني للجماعة التي تعدّ مكونًا مهمًّا فيه.

في المقابل، تنتهج الجماعة “الأم” -وعلى رأسها التيار المعروف بـ”الصقور”- سياسة “الطابع الحذر” مع النظام الأردني منذ فترة طويلة، في ظل ما تعانيه الجماعة من انكفاء على نفسها بعد حالة الانشقاق التي تعرضت لها في الفترات الأخيرة.

وعلى الرغم من أنّ الجماعة حظيت ﻣﻨﺬ ﺗﺄﺳﻴﺴﻬﺎ، اﻟﺬي ﺗﺰاﻣﻦ ﻣﻊ اﺳﺘﻘﻼل اﻟﺪوﻟﺔ، ﺑﻌﻼﻗﺔ ﺧﺎﺻﺔ تتسم بالتعايش ﻣﻊ اﻟﻨﻈﺎم؛ إلا أنّها لم تخلُ من تكدرات سياسية متكررة وكثيرة منذ الخمسينيات وحتى القرن الحادي والعشرين.

حزب جبهة العمل الإسلامي

ومن ثمّ شكّلت “صفقة القرن” مخرجًا حقيقيًّا للجماعة من أزمتها مع النظام، فقد استمر تضييق النظام السياسي على الجماعة وحزبها السياسي “جبهة العمل الإسلامي” على مدار السنوات العشر الماضية، خاصة عقب اندلاع موجة الربيع العربي الأولى ومطالبة الجماعة بإصلاحات دستورية، واستبعاد العاهل الأردني الجماعة من لقاءاته على مدار السنوات العشر الأخيرة، حتى قرر التحالف معها مرة أخرى لمواجهة مخاطر “صفقة القرن” التي تتضمن اقتطاع أجزاء من الأردن وضمها للدولة الصهيونية[9].

موقف الجماعة من “صفقة القرن” ينبع من أيديولوجيا دينية أكثر من كونه موقفًا سياسيًا، حيث يفلسف رموز الجماعة ذلك الموقف بأنّه “محدد بضوابط ومرجعيات شرعية، ووطنية لم تتغير بفعل سياسات الأمر الواقع”، ويمكن تلخيصها -بحسب رؤية القيادي في الجماعة “زكي بني أرشيد”- في جميع مواقف الجماعة وبياناتها وأدبياتها ورؤيتها الإصلاحية، وأخيرًا وثيقة الفكر السياسي التي أطلقتها الجماعة منتصف العام الماضي ٢٠١٩.

ويؤكدّ “بني أرشيد” ضرورة وأهمية “مواجهة” المشروع الصهيوني، باعتباره خطرًا وجوديًّا واستراتيجيًّا يتناقض مع أي مشروع وطني أو قومي أو إسلامي، فعلى الرغم من توقيع الحكومة الأردنية لاتفاقية وادي عربة فإنّه بحسب رؤية بني أرشيد والإخوان تُشكل إسرائيل تهديدًا للأردن واقعًا ومستقبلًا ولجميع المشاريع الإقليمية، مشيرًا إلى أنّ موقف الجماعة من الصفقة ركّز على دعم الشعب الفلسطيني، ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني9.

زكريا بني أرشيد
رابعًا- إعادة ترميم العلاقة بين الجماعة والدولة:

في خطوة مفاجئة وتاريخية غير مسبوقة في تاريخ العلاقة بين الجماعة والنظام السياسي منذ اعتلاء العاهل الأردني الملك عبدالله العرش وسدة الحكم، زار وفد من كتلة “الإصلاح” البرلمانية التي تمثل جماعة الإخوان، البلاط الملكي الأردني، وكان في استقباله الملك “عبدالله الثاني”.

الملك عبدالله الثاني

وجاءت هذه التوجهات الجديدة ضمن مساعٍ ملكية لإعادة تدوير مسار العلاقة الأردنية مع كل من قطر وتركيا، وربما فيما بعد حركة حماس، كمحاولة على المستويين الداخلي والخارجي لمواجهة تداعيات “صفقة القرن” الأمريكية.

ووُصف هذا التحرك الملكي من قِبَل مراقبين على أنّها رسائل محلية وإقليمية عاجلة، جاءت نتيجة تنامي الضغوطات الاقتصادية والسياسية التي تدفع الأردن نحو مفترق طرق.

لقاء الملك مع قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مجلس النواب الذي يعتبر الأول من نوعه بعد قطيعة استمرت 10 أعوام، وصفه من حضره من أعضاء كتلة الإصلاح “بأنه “دافئ وصريح”، وهذا يعني أنّ العلاقة أخذت مسارًا جديدًا بعيدًا عن التوترات السياسية بين الطرفين في العقود السابقة[10].

وعن الملفات التي طُرحت على طاولة الحوار، فقد أجملها عضو كتلة الإصلاح النيابية النائب “صالح العرموطي”، في: القدس، وصفقة القرن، وشرعية جماعة الإخوان المسلمين، والوعد بعدم إدراجها على “قائمة الإرهاب”.

 كما عرضت الجماعة أمام الملك عدة ملفات قابلها بنقاش منفتح دون تحفظات، من بينها النزاع القانوني الذي تخوضه بشأن ترخيصها، كما عبرت عن مخاوفها من اتفاقية الغاز، حيث أكدّ العاهل الأردني موافقته على مراجعة الاتفاقية ودراسة بنودها من جديد، وقال موجهًا كلامه لأعضاء الكتلة: “اتركوها لي”[11].

وأيًّا يكن الأمر فإنّ هذا اللقاء التاريخي أعاد ترميم العلاقة بين الجماعة والدولة الأردنية، ومهّد لإنهاء حالة جديدة من القطيعة الكبيرة التي استمرت عشر سنوات، تخللتها سلسلة من الأحداث والمتغيرات التي هزت العالم العربي، مثل: احتلال العراق وسقوط نظام صدام حسين، وتدافع عناصر من التيار الجهادي الأردني إلى الساحة العراقية، ولاحقًا اندلاع أحداث الربيع العربي التي شكّلت أيضًا فرصة سانحة لتيارات “الإسلام السياسي” في مساعيها للوصول إلى السلطة.

النائب صالح العرموطي

 فضلًا عن انعكاسات الأزمة السورية والمصرية على الداخل الأردني ومخاوف السلطات الأردنية من ارتدادات أمنية وسياسية تعصف بالأردن، خاصة أنّ الجماعة كانت لها مواقف مؤيدة بشكل كبير لما يحصل في الساحات الساخنة باعتبار أنّها تشكل مكسبًا سياسيًّا للجماعة في الأردن، لكنّ فشل الربيع العربي خيب آمال الجماعة ودفعها إلى إعادة ترسيم العلاقة من جديد مع النظام السياسي.

وتحرص الجماعة على تصدير أزماتها السياسية المتعلقة بالدولة عبر إلقاء الكرة في ملعب الدولة، وهذا ما يصرّ عليه ويطرحه ويؤكدّ عليه “زكي بني أرشيد”، المحسوب على تيار “الصقور”، الذي يرى أن علاقة الجماعة الحذرة مع الدولة تأتي بسبب تشدد الجهات الرسمية تجاه الجماعة.

ويلقي القيادي الإخواني “بني أرشيد”، باللوم على الجانب الرسمي الذي يعتقد أنّه لا يرغب بفتح علاقة مع الجماعة، ولا محاولة ترتيب قواعد للعلاقة معها، فهو مستمر في التضييق على الجماعة عبر إغلاق المقرات مرورًا بحملة من الاعتقالات والحملات الإعلامية ضدها، ومحاولة الاستعانة بالقضاء لاستصدار قرارات قضائية لحل الجماعة.

ويضيف: “نحن باختصار في الأردن مُقبلون على استمرار هذه الإشكالية بين الطرفين، والخيارات مرشّحة لأن تذهب باتجاهات متعددة، إما إلى التصعيد وهو المرجّح، أو إلى التهدئة، وبكل الأحوال، فالذي يملك القرار بالتصعيد أو بتخفيض مستوى التوتر مع الجماعة هو الجانب الرسمي”.

خامسًا- علاقات حذرة مع الدولة بعد الربيع العربي:

تعيش الجماعة في الأردن منذ أكثر من أربع سنوات أوضاعًا صعبة بعد نزع الصفة القانونية عنها، وإغلاق مقراتها، والاعتراف بجمعية الإخوان “المرخصة”، وانتهى دورها كمعارضة في الشارع الأردني خلال سنوات الربيع العربي بقرار سياسي يشبه “الحظر” بعد خمسين عامًا من العمل داخل المملكة، وتمثّلت الضربة الأقوى في إغلاق مقر الجماعة الرئيسي الذي افتتحه الملك الأردني “عبدالله الأول”.

وكان لربيع الثورات العربية الأثر البالغ في تغيّر علاقة النظام السياسي بالجماعة في الأردن، خاصة بعد أن استشعر النظام السياسي الخطر من وراء استمرار الجماعة في المشهد السياسي، وصعود الجماعات والتيارات الإسلامية في بلدان “الربيع العربي” التي لم تكن حصرًا على الحالة المصرية.

أنظمة سقطت بعد الربيع العربي

فمع سقوط عدد من الأنظمة السياسية العربية، تدافعت العديد من القوى والتيارات للبروز في المشهد السياسي العربي، وكان الإسلاميون الأكثر حضورًا عن غيرهم في المشهد السياسي العربي، ويرتبط هذا التقدم بفرضيتين:

الأولى: أنّ حركات “الإسلام السياسي” لم يكن لها دور بارز في إشعال الثورات العربية، وذلك لأسباب كثيرة تتعلق بالطبيعة الإصلاحية المهيمنة على تلك التيارات، والتي تناقضت مع طبيعة اللحظة التاريخية والمزاج الثوري في الدول العربية، ومن هنا جاء اتهام هذه الحركات بأنّها ركبت موجة الثورات.

والثانية: أنّ الثورات العربية، وإن وفرت لتيارات “الإسلام السياسي” فرصة تاريخية في التمتع بالشرعية القانونية داخل الدولة والمجتمع، فإنّها أيضًا حملت تحديات عديدة لهذه الحركات أهمها مدى القدرة على العمل في بيئة منفتحة سياسيًّا وفكريًّا والخروج من الأيديولوجيا التنظيمية.

فهي اعتادت العمل في سرية ووفق بيئة تنظيمية مغلقة تعتمد على التعبئة الفكرية والحركية، ومن هنا ظهرت إشكاليات القدرة على التماسك والبقاء في ظل كيان وشكل موحد دون التعرض لانشقاقات أو انقسامات داخلية.

ومع ذلك بمجرد اندلاعِ “الربيع العربي”، بدا أنّ جماعة الإخوان بالأردن تسعى إلى استغلال واستثمار الأحداث والمتغيرات السياسية في المنطقة، مستلهمين الانتصار الذي حققه “محمد مرسي” والجماعة في مصر، حيث وصف زعيم الجماعة “همام سعيد” في يناير 2013، الأردن بأنّه “دولة في الخلافة الإسلامية”.

في المقابل، حسم الملك عبدالله الموقف من الإخوان، بعد ثلاثةِ أشهر من تصريح مراقب الجماعة، في مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتك” قائلًا: “إنّ الإخوان هم “ذئاب في ثياب حملان”، وإنّ منعهم من الوصول إلى السلطة هو معركتنا الرئيسية”(6). وفي نوفمبر 2014، تمّ اكتشاف خلية سرية من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، قيل إنّها تقوم بتهريب الأموال والأسلحة للمسلحين الإسلاميين في الضفة الغربية، وتعمل على إنشاء فرع عسكري داخل الأردن بهدف الإطاحة بالحكومة .

ومنذ عام 2015، تعرضت الجماعة لحالات استهداف في وجودها وفي مركزها القانوني، وبدأت تدب في أوساطها الخلافات التي بدأت بتأسيس جمعية “جماعة الإخوان المسلمين” التي أخذت المسمى والمركز القانوني، مرورًا بخروج مجموعة كبيرة من الجماعة بعضهم من الرموز، فيما أسست مجموعة أخرى مبادرة “زمزم” التي تحولت إلى “حزب المؤتمر الوطني”، وأخيرًا انشقاق مجموعة قادها “سالم الفلاحات” ليشكل ما يُسمى بحزب “الشراكة والإنقاذ”.

تلك الحالات والمؤثرات تشير إلى أنّ العلاقة بين الطرفين لن تستمر على نفس المستوى الحالي، والمرجّح أنّها ستذهب في اتجاه التصعيد، وهذا ما يشدد عليه أمين سر الجماعة “رامي العياصرة” وكذلك القيادي “بني أرشيد”، الذين يؤكد أنّ “تفصيلات العلاقات مع الدولة لا يمكن الجزم بها في هذه المرحلة”، مضيفًا: “لا أستطيع القول إنّ الجماعة في حالة حوار مع الجانب الرسمي، كما أنّها -في المقابل- ليست في حالة قطيعة كاملة معه”.

على النقيض يؤكد المراقب العام لجمعية الإخوان المسلمين المرخصة الدكتور “شرف القضاة”، أنّ العلاقة المتوترة بين جماعة الإخوان والدولة الأردنية، تعود إلى سياق “الربيع العربي”، حيث رفض الإخوان التعاون مع النظام، وانتظروا سقوطه.

سادسًا- علاقات الجماعة بالتنظيم الدولي للإخوان:

تُشكل ارتباطات الجماعة في الأردن بالتنظيم الدولي للإخوان أحد أهم أسباب توتر علاقتها مع الدولة والمنظومة السياسية والأمنية في الأردن، فعلى الرغم من محاولة الدولة السير بالعلاقة مع الإخوان إلى سياسة “التطويق والاحتواء”؛ إلا أنّ المنظومة الأمنية في الأردن لا تزال تنظر بعين الشك والريبة إلى الجماعة، فهي تراقب تحركات ونشاطات عناصرها ورموزها عن كثب، خاصة وأنّ علاقة الجماعة بالتنظيم الدولي لا يزال يشوبها بعض الغموض والالتباس.

قوات الأمن الأردنية

وبحسب “عبدالمجيد الذنيبات” رئيس اللجنة التحضيرية التي تقدمت بطلب ترخيص الجماعة، فإنّ الجماعة كانت جزءًا من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وأنّ الوقت حان لتصبح جماعة أردنية غير مرتبطة بالتنظيم الدولي.

يقول “الذنيبات” إنّ “الهدف من التسجيل هو تحويل الجماعة إلى هيئة أردنية”، وفي أحد اللقاءات أشار إلى أنّ التنظيم الدولي لا يتدخل في شئون الجماعات (الفروع) ولا سياساتها وانتخاباتها، وأنّ دوره يقتصر على النصح والأفكار والخطط العامة، وأنّ التنظيم الدولي لم يتدخل في الأزمة الحالية لأنّه لا يتدخل في الشئون الداخلية للفروع.

ولا يُنكر الإخوان المسلمون في الأردن ارتباطهم بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، إذ إنّ هذا التنظيم يُشكَّل من ممثلي الجماعة في مختلف الأقطار، وذلك وفق نسب تتعلق بعدد وحجم الإخوان في كل قُطر، وقد كان المراقب العام السابق للإخوان في الأردن “محمد عبدالرحمن خليفة” هو الناطق باسم التنظيم الدولي، وأصدر تصريحات بهذا الاسم، معبرًا عن موقف الإخوان من بعض القضايا.

محمد عبدالرحمن خليفة

وفي الغالب فإنّ علاقات “إخوان الأردن” لم تقتصر على التنظيم الدولي، حيث ينظر الكثير إلى أنّ العلاقات تتجاوز ذلك ويمكن أن تصل لتركيا وقطر، لكنّها ومع ذلك تبقى علاقات في الإطار العادي وليس علاقات في العمق الاستراتيجي على شاكلة جماعة الإخوان بمصر وسوريا.

ويعود ذلك إلى الظروف والمتغيرات الإقليمية في المنطقة، وتحديدًا بعد ربيع الثورات العربية الذي دفع بتنظيمات الإخوان الخارجية بسوريا وليبيا وتونس إلى الاستقواء بالدوحة وأنقرة ضد أنظمتها السياسية باعتبارها باتت في خانة الخصومة والعداء السياسي، بخلاف جماعة الإخوان بالأردن التي لم تصل علاقتها بالنظام الأردني إلى حالة العداء والخصومة السياسية، بل أخذت شكل الشد والجذب على كافة المستويات والظروف السياسية.

القيادي في الجماعة “زكي بني أرشيد”، يؤكد مجددًا أنّ الجماعة لا توجد لها أي علاقات مع أي دولة ولا أي نظام ولا أي كيان سياسي آخر، وهذا بسبب الظروف الإقليمية والدولية، ولو كانت هناك علاقات فلا يمكن إخفاؤها، مشيرًا إلى أنّ العلاقات شيء مطلوب وإيجابي وليست شيئًا سلبيًّا.

ويُضيف “بني أرشيد” أن “الجماعة إذا كانت لها علاقات خارجية فلا تعني هذه العلاقات الاستقواء بالخارج على الدولة الأردنية، بالعكس لو كانت هناك علاقات فيمكن الاستثمار فيها لصالح الدولة الأردنية ولصالح المجتمع والشعب الأردني، منوهًا إلى أنّ العلاقات مع حماس تأخذ طابع المستوى الفردي والشخصي وليست على مستوى رسمي أو مؤسسي، وكذا العلاقة مع تركيا وقطر أو مع غيرها أيضًا[12].

رامي العياصرة

وبدوره، يؤكدّ أمين سر الجماعة بالأردن “رامي العياصرة” على الرؤية ذاتها التي يتبنّاها “بني أرشيد” في علاقات الجماعة الخارجية، مشيرًا إلى أنّ جماعة الإخوان في الأردن ليست لها علاقات دولية خاصة بها مع دول في المنطقة مثل تركيا وقطر أو غيرهما، وهي لا تطرح نفسها في هذا المجال بديلًا عن الجانب الرسمي، لكن هذا لا يعني أنّها لا تُبدي وجهة نظرها تجاه أداء الحكومة في إدارة العلاقات الخارجية، فتتفق معها أحيانًا وتختلف معها أحيانًا، وهذا جزء من عملها وأدائها السياسي.

ويضيف: “كانت الجماعة في وقت سابق قدمت النصيحة لرأس الدولة الملك عبدالله الثاني في هذه المسألة بالذات على شكل رسالة رفعت إلى الديوان الملكي تدعم فيه خيار تنويع الأردن لعلاقاتها الخارجية الإقليمية والدولية، والابتعاد عن سياسة المحاور التي عصفت بالمنطقة”[13].

سابعًا- علاقات إخوان الأردن مع حماس:

تعدّ مسألة ارتباط الجماعة بحركة حماس في الأراضي الفلسطينية المحتلة من أكثر المشكلات والتحديات التي تواجه الجماعة في الواقع المعاصر، خاصة أنّ قرار حماس بفك الارتباط عن إخوان الأردن عام 2006، ثمّ انتخاباتها التنظيمية عام 2009، يشكل منعطفًا يعيد طرح أسئلة الهوية السياسية لجماعة الإخوان في الأردن، وتعريف صيغة علاقتها بحركة حماس، وما يترتب على ذلك من استحقاقات على أولوياتها وعلاقاتها بنظام الحكم في الأردن .

وقد وفّر ارتباط حماس بجماعة الإخوان المسلمين في البداية دعمًا ماليًّا كبيرًا للحركة، من إخوان مصر والخليج ساعدها على النهوض والتوسع، لكن مع بداية ما يسمى بـ”الربيع العربي”، تورطت حماس في دعم الإخوان إلى حد الانقياد؛ إذ ساندت إعلاميًّا جماعة الإخوان في مصر للوصول إلى السلطة، ثمّ وقفت معها في حملة الهجوم ضد النظام الحاكم بعد ثورة يونيو 2013، لخدمة التنظيم الأم[14] .

خالد مشعل وإسماعيل هنية – حماس

ويُشكك البعض حتى اللحظة في فك ارتباط الجماعة بحركة حماس، معتبرين الأمر خطوة تكتيكية للنأي بنفسها عن أي ضغوطات داخلية أو خارجية، خصوصًا بعد تصنيف الإخوان المسلمين جماعةً إرهابية محظورة في العديد من الدول، بالإضافة إلى أن ارتباط حركة حماس بالنظام الإيراني يسبب حساسيات سياسية لدى أغلب الأنظمة العربية.

هنا يعرض الأمين العام الرابع السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي، الجناح السياسي للجماعة في الأردن، زكي بني أرشيد، المحسوب على تيار “الصقور”، رؤية تبريرية حول علاقة الإخوان مع حماس، حيث يقول إنّ هناك علاقات بين الدولة وحركة حماس، وإن معظم المكونات السياسية في الأردن تربطها علاقات بمستوى أو بآخر مع حماس، على الأقل علاقات اجتماعية وربما سياسية، ولكنّها تأتي في سياقات التعاون والعلاقات وليس في إطار العلاقات العضوية[15].

فيما يقول المراقب العام لجمعية الإخوان المسلمين المرخصة، الدكتور “شرف القضاة”، إنّ العلاقات بين إخوان الأردن وحماس مستمرة وقوية، لافتًا إلى
أن حماس تدعم “الصقور” دعمًا ماديًّا كبيرًا، ما يعتبر تدخلًا من قبل الحركة في الشأن الإخواني في الأردن، وهو خطأ كبير، حسب قوله[16].

أخيرًا.. خلاصة واستنتاجات الدراسة:

1- تعدّ علاقة جماعة “الإخوان” بالأردن مع الدولة والنظام السياسي الأردني مختلفة تمامًا عما هي عليه في مصر وسوريا، فهي علاقة تتمتع بخصوصية وإن شابها نوع من التوتر والخصومة النسبية التي لا تصل إلى العداء.

2- العلاقة الحذرة بين الإخوان والنظام الأردني تتغير بحسب الظروف والتحولات السياسية في المنطقة، والنظام السياسي في الأردن يحرص على إبقاء “شعرة معاوية” مع الجماعة حتى وإن توترت هذه العلاقة إلى حد كبير.

3- يسعى النظام السياسي في الأردن إلى استخدام أوراق ضاغطة ضد الجماعة، مثل: مسألة الانشقاقات والاختلافات داخل الجماعة التي تعدّ أكبر ورقة ضاغطة على الجماعة لإضعاف الجماعة وتكبيلها من الناحية السياسية، وضمان عدم تمدد نفوذها بشكل كبير.

4- جناح “الصقور” داخل التنظيم بدأ يفقد قوته وسطوته، وربما يتلاشى تدريجيًا في ظل فقدان الجماعة لحالة “الرمزية” التي كانت تعيشها، إضافة إلى خسارتها الأرضية الصلبة التي كانت تقف عليها، والبيئة الحاضنة لها، نتيجة للأحداث التي عصفت بها في الدول العربية خصوصًا مصر عام 2013.

5- المواقف الإقليمية والدولية التي تشكلت تجاه الجماعة، وعلى رأسها مواقف كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين التي صنفتها كـ”جماعة إرهابية”؛ أدت إلى تحول المزاج الشعبي تجاه جماعة الإخوان بالأردن وذراعها المعروف بـ“جبهة العمل الإسلامي”.

ورغم ذلك، فإنّ نمط التفكير الإسلامي والمنهجية “الإخوانية” تتقاطع في كثيرٍ من توجهاتها وتفكيرها مع نمط التفكير “التقليدي” السائد داخل الأردن، الأمر الذي يدفع إلى تقبل بعض المواطنين لأفكار وأيديولوجيا الإخوان، خصوصًا وأنّ الجماعة تنطلق من شعار “الإسلام هو الحل” على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية كبوابة لزيادة الحضور الأيديولوجي والجماهيري “الإخواني” داخل المجتمع الأردني.

7- العلاقات الخارجية مع تركيا وقطر لجماعة الإخوان بالأردن لم تأخذ الطابع العميق بعد، فهي ليست على شاكلة جماعة الإخوان بمصر وسوريا، لأسباب تعود لعلاقتها بالسلطة السياسية، فعلاقة إخوان الأردن مع الدولة وإن شابها بعض التوتر والشد إلا أنّها تبقى تحافظ على توازنها بين الجانبين، الأمر الذي سهّل للجماعة التحرك بحرية داخل المجتمع، وجعل من سقفها وطنيًّا أكثر من كونه قُطريًّا أو إقليميًّا أو يخضع لارتباطات وولاءات سياسية خارجية، وقطع الطريق على أي محاولات خارجية لاختراق الجماعة وتمرير أجندات خارجية.

8- لا تزال علاقة الجماعة في الأردن مع حركة حماس علاقة ملتبسة وغير واضحة رغم إعلان الجماعة فك الارتباط بالحركة، كون ارتباط الجماعة بالحركة يعتبر مكسبًا سياسيًّا كبيرًا، سواء على مستوى رفع أرصدتها وجماهيريتها بالشارع، إضافة إلى ما تعتبره الجماعة واجبًا مقدسًا في دعم الحركة على المستوى السياسي والمالي.

المصادر والمراجع

[1] حوار خاص مع المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن عبدالحميد ذنيبات على قناة “الحوار” الفضائية، موقع “يوتيوب”، 01‏/09‏/2019م، تمت المشاهدة في 09/02/2020م.

[2] انظر تقريرًا بعنوان: “مقرات وأموال “إخوان الأردن”: القضاء يحسم.. جمعية الانشقاق المرخصة “ليست الوريث القانوني”، موقع صحيفة “القدس العربي”، 24/02/2020م، شوهد في 29/02/2020م، على الرابط التالي: https://www.alquds.co.uk/%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D9%8A%D8%AD%D8%B3/

 

[3] انظر تقريرًا بعنوان: “قرار قضائي يعتبر إخوان الأردن جماعة منحلة منذ 1953″، موقع “موقع 24 الإلكتروني”، 23/02/2020م، شوهد في 01/02/2020م، على الرابط التالي: https://24.ae/article/552443/31/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D9%8A%D8%B9%D8%AA%D8%A8%D8%B1-%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D9%85%D9%86%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%86%D8%B0-1953

 

[4] انظر الموقع الرسمي لـ”جمعية جماعة الإخوان المسلمين “بالأردن على موقع “الفيسبوك”، 23/02/2020م، شوهد في 01/03/2020م، على الرابط التالي: فيسبوك

[5] حوار خاص أجراه الباحث مع الخبير الأمني الاستراتيجي الأردني عمر الرداد، وذلك في 25/02/2020م، حول علاقات الدوحة بجماعة “الإخوان” بالأردن، ومستقبل تلك العلاقة بين الطرفين.

[6] حوار خاص أجراه الباحث مع رئيس مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الدكتور ذياب البداينة، وذلك في 29/02/2020م، حول علاقات الدوحة بجماعة “الإخوان” بالأردن، ومستقبل تلك العلاقة بين الطرفين.

[7] موسى كراعين، تقرير بعنوان: “حشود غفيرة بنزال انتصارًا للأقصى”، موقع صحيفة “السبيل” الأردنية، 06/09/2013م، شوهد في 09/03/2020م، على الرابط التالي: http://assabeel.net/news/2013/09/06/%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF-%D8%BA%D9%81%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D9%86%D8%B2%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%8B-%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%B5%D9%89

[8] حوار خاص أجراه الباحث مع الخبير الأمني الاستراتيجي الأردني عمر الرداد وذلك في 25/02/2020م، حول علاقات الدوحة بجماعة “الإخوان” بالأردن، ومستقبل تلك العلاقة بين الطرفين.

[9] يوسف أحمد، مقالة تحليلية بعنوان: “صفقة القرن” توحد ملك الأردن والإخوان لأنها “تهديد وجودي للمملكة”، موقع مجلة “المجتمع”، 19/02/2020م، شوهد في 10/02/2020م، على الرابط التالي: https://mugtama.com/hot-files/item/85517-2019-04-19-16-15-02.html

[10] حبيب السالم، تقرير بعنوان: “بعد لقاء الملك عبدالله و”الإخوان المسلمين”.. هل يغير الأردن تحالفاته؟”، موقع “الخليج أون لاين”، 20/04/2019م، شوهد في 10/02/2020م، على الرابط التالي:
https://alkhaleejonline.net/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86-%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%9F

[11] هديل غبّون، تقرير بعنوان: “في اجتماع “إيجابي”.. الإخوان المسلمون يشكرون العاهل الأردني لعدم إدراجهم على قوائم الإرهاب”، 16/04/2019/ شوهد في 10/02م2020م، على الرابط التالي:
https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2019/04/16/muslim-brotherhood-jordan-king

 

[12] حوار أجراه الباحث مع الأمين العام الرابع السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي, الجناح السياسي للجماعة في الأردن زكي بني أرشيد، المحسوب على تيار “الصقور”، حول علاقات الإخوان الخارجية، بتاريخ 20/01/2020م.

[13] حوار أجراه الباحث مع أمين سر جماعة الإخوان بالأردن د. رامي العياصرة حول علاقات الإخوان الخارجية، بتاريخ 02/02/2020م.

[14] تقرير بعنوان: “نأي حركة حماس بنفسها عن “الإخوان المسلمين”: تكتيك أم استراتيجية؟”، موقع “كيو بوست”، 18/02/2019م، شوهد في 09/02/2020م، على الرابط التالي: https://www.qposts.com/%D9%86%D8%A3%D9%8A-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3-%D8%A8%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85/

 [15] حوار أجراه الباحث مع القيادي الإخواني زكي بني أرشيد، حول علاقة الإخوان بحركة حماس ومدى حقيقة فك الارتباط وطبيعة الارتباط الفعلي فيها.

[16] حوار خاص أجراه الباحث مع المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين المرخصة الدكتور شرف القضاة، حول علاقة الإخوان بحركة حماس ومدى حقيقة فك الارتباط وطبيعة الارتباط الفعلي فيها، بتاريخ 15/01/2020م.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

مصطفى أبو عمشة

كاتب وباحث أردني

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram