الإخوان وفقه الاستيعاب والتجميع

ماهر فرغلي

كاتب وباحث إسلامي

هناك أصالة لما يسمى “فقه الاستيعاب” وربما ما يمكن أن نطلق عليه “فقه التلون” وارتداء الأقنعة داخل تنظيم الإخوان، وتعبيراً عن ذلك سنجد ما يمكن وصفه باستراتيجيات “الخداع” التي وردت برسالة المؤتمر الخامس للجماعة عام 1938، حين قال البنا: “إن الإخوان دعوة سلفية، طريقة صوفية، هيئة سياسية، جماعة رياضية، رابطة علمية ثقافية، شركة اقتصادية، فكرة اجتماعية”، ولما قام بتفسير المقولة السباعية بنفسه قال: “أيها الإخوان أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزبًا سياسيًّا ولا هيئة موضوعية الأغراض محدودة المقاصد، لكنكم روح جديد، ونور جديد، وصوت داو”.

الباحث “لوينزو فيدينو” في دراسته بمركز المسبار (الإخوان المسلمون الجدد في الغرب) عالج إشكالية غموض الانتساب إلى حركة الإخوان، واستخدم حالة رجل الأعمال الألماني المصري “إبراهيم الزيات” كدليل على ذلك، قائلاً: “درج الإخوان المسلمون على عدم الافصاح عن هويتهم، يقدمون في العلن أنفسهم كحركة معتدلة، تشدد على الاندماج والوحدة والتسامح الديني، وتدين الإرهاب: كل العبارات الطنانة التي يفضل صناع القرار السياسي الغربيين سماعها؛ لكن إذا نظرت إلى ما يقولونه في مساجدهم أو في الكتب التي يبيعونها في مكتباتهم، تجد الرسالة مختلفة تمامًا”، وربما يفسر ذلك ما شاع في ثمانينيات القرن الماضي على ألسنة الإخوان من ترويج شعار “علانية الدعوة وسرية التنظيم”.

وربما ما سبق يبرر فتوى القرضاوي التي أسماها “الكذب الأبيض” التي انتقد فيها الفيلسوف الألماني المثالي “كانط” لأنه لم يسمح بالكذب في أي ظروف ولأي سبب، ومهما تكن النتيجة، وربما أيضًا يزيل الكثير من الدهشة عند بعض المراقبين مما كان يردده الكاتب والإعلامي ذو السابقة الإخوانية “أحمد رائف” دومًا على الملأ: “نعم، الإخوان يكذبون في سبيل الله”، وهذا ما نقله عنه فوزي عويس في كتابه (منشقون عن الإخوان).

وفق تعبير الكاتب والباحث كامل رحومة، فقد استخدم الإخوان ما يسمى (تكتيك الكذب) وصوّروا أن هيلاري كلينتون مهتمة بتعلم الإسلام، وتناقلوا ذلك على لسان حسان حتحوت قوله: إنه قبل بداية الألفية بشهور في 1999م أقيمت صلاة عيد الفطر بحديقة البيت الأبيض، وترأستها باعتباري مسئول الإخوان بأمريكا بدعوة من زوجة الرئيس الأمريكي آنذاك “هيلاري كلينتون” التي كانت تدرس الدين الإسلامي لابنتها.

ذاك التكتيك وفق “كامل رحومة” يحاول دغدغة عواطف الجماهير المسلمة في تعظيمها لأمر إسلام الأجنبي، إذ يكفي في المخيال الإسلامي أن تقول إن الداعية الفلاني أسلم على يديه كذا وكذا من الأعداد حتى يعد مرجعية عليا؛ ربما كان تكتيكيًّا متكررًا عبر العصور وخاصة في اللحظات التاريخية الحاسمة. فقد فعلها كل من نابليون” و”مينو” بإدعائهما الإسلام، ناهيك عن خديعة “لورانس العرب” الكبرى. وربما لا ينسى التاريخ أكذوبة “الحاج محمد هتلر” التي أطلقت في الأربيعينيات.

وتتشابه أدوات الاستيعاب والتجميع، حيث سنجد كل الحالات القريبة من التنظيم متشاركة في محددات واضحة، أولها: وحدة الجذور، حيث إن معظم الحالات المستقلة المنشقة كانت تنتمي بشكل مباشر، وربما غير مباشر لتنظيم الإخوان، وكذلك وحدة مضامين الخطاب: فالمضمون الأساسي المشترك بين التيار القديم والجديد، والمستقل والعضو المنظم: “الإسلام غائب” ويجب أن يعود، و”غياب الفهم الصحيح للدين” ويجب أن نفهمه كما ينبغي، ولا بد من كيان يضم المسلمين مرة أخرى مثل: “وحدة” أو “نهضة” أو “جماعة”… إلخ، وربما تعبر كلها عن أشكال مختلفة لمفهوم أرضي سياسي هو “الخلافة”، ذلك المفهوم الذي ربما يخفونه داخل مفهوم أكبر منه وعلوي روحي هو “الاستخلاف في الأرض”.

كما هناك تشابه في وحدة الاستراتيجيات والأدوات المعتمدة فيما بين الأطياف المستهدفة: فعلى سبيل المثال: أول خطوة من خطوات ما يدعى “أستاذية العالم” هي: “تكوين الفرد المسلم”، و”المجتمع المسلم”… إلخ، وهذا ما تجده في الخطابات الشبيهة مثل “المؤمن القوي”، “المسلم المنتج”، “المسلم الصانع للحياة”… إلخ.

وأيضاً وحدة التكتيكات والخطط: وذلك باستخدامهم نفس التكتيكات الحركية، فعلى سبيل المثال: حشد الجماهير بنفس فقه الإخوان المعروف “تكثير السواد” أي “الحشد الممنهج، ووحدة شبكة العلاقات العامة والاجتماعية الكبيرة في الداخل والخارج.

كما يتشابهون أيضاً في وحدة الغموض والسرية، ووحدة المرجعية الخارجية: بتقليد الأوسمة والنياشين والجوائز لصناعة نجوميتهم، وأحيانًا بالدعم اللوجسيتي كما فعلت الحكومة البريطانية عندما دعمت جمعية “ستارت لايت” –باعتراف والد عمرو خالد في مذكراته.

وأخيراً وحدة المآلات: فسياسة الحرث أو تجهيز الأرض للتنظيمات (الإخوان نموذجًا) جعل من ظاهرة الدعاة الجدد وامتداداتها، كأنما هي المفرزة الأمامية لتلك التنظيمات.

للجماعة الإسلامية كتيب يطلق عليه (نحن والإخوان) أكدت فيه أن سياسة التجميع الإخوانية خطيرة، لأنه سيجعل مشاعر الاستعلاء والتعصب والإحساس باقتناص الحق المطلق تتضخم، وتصبح هناك سيولة كبيرة لا يتبين فيها الحق من الباطل، ويتحول العمل الإسلامى إلى مباريات ومشاكل تؤدي إلى انقسامات وأحزاب وجماعات، بعض منها يضع أوصافاً فكرية وعملية وخلقية يحدد بها حزب الحق وينزلها على جماعته، فيصبح هو صاحب الحق محتكر الحقيقة.

ورغم تلك الكتابات إلا أنها وقعت في الخطأ ذاته، وأصبحت هي في نفس المدار الإخواني، الذي تشارك معها نفس الخطط والسياسات عقب عزل الجماعة من حكم مصر.

إن سياسة “التجميع الإخوانية”، هي واحدة من عناصر قوة الإخوان الناعمة، والمقصودة للتضليل من أجل التلاؤم مع الظروف المحيطة، وهذا سمة أساسية من أجل المرور والاختراق للمجتمعات، أو ما يطلق عليه الكاتب كامل رحومة: هو قوة الدفع الثقافية باتجاه التكاتف مع “القوة الصلبة” لإنتاج ما يسمي بــ”القوة الذكية” (Smart power)، ومن هذا فإنه لا يمكن إخراج شخص أو كيان محسوب على تيار آخر ظاهريًّا –الليبرالية مثلًا– الموالية للجماعة من دائرة التأثير في فاعلية “القوة الناعمة” للتنظيم الإخواني، فالمعيار الحاكم هو “مآلات الفعل” لا الفعل نفسه، وهو التشارك في الاستراتيجيات والأهداف.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search