وجهات نظر

الإذن بالذكر وتجدد المعارك الدينية

عايشت الحالة الدينية المصرية والعربية في الآونة الأخيرة حدثين في غاية الأهمية، جددت معهما المعارك الدينية التقليدية التي كانت تنشأ من آن لآخر وسط أجواء التنافسية بين التنظيمات الدينية، خاصة الإسلامية منها والجماعاتية، من جهة، والاختلاف الهوياتي منطلقاً من التمايز العقدي من جهة أخرى، وذلك بالرغم من خفوتهما طوال السنوات القليلة الماضية، وهما “الإذن بالذكر” ومناظرة بين أشهر المبشرين بالمسيحية وأستاذ مقارنة الأديان منقذ السقار.

تمثل أول هذين الحدثين في الجدل الدائر حتى اللحظة حول قضية “الإذن بالذكر” التي طرحها الشيخ أسامة الأزهري على صفحته بالفيس بوك، وهي تعنى في الفهم الصوفي لها، الإذن أو الإجازة من قبل شيخ الطريقة -أياً كان اسمها وصفتها- لمن يريد ذكر الله من مريديه، وهى قضية متوارثة في المشهد الصوفي الطرقي منذ قرون.

وعلى إثرها اشتعلت معركة كبرى بين القوى السلفية  والأزاهرة الأشاعرة، وخاصة المتصوفة منهم، حيث اعتبر السلفيون مسألة (الإذن بالذكر) هذه محاولة لخلق نوع من الواسطة بين العبد وربه، ممثَّلة في الشيخ الذي تضيف عليه مسألة الذكر نوعا من التقديس والاصطفاء، وهو ما كان سببا لهذه الهجمة من قبل السلفيين وأنصارهم وكثير من رواد مواقع التواصل المجتمعي، ما دفع الشيخ الأزهري بعد ذلك نحو إيضاح فكرته ومراده منها.

فيما تمثل ثانيهما في المناظرة الكبرى التي حدثت بين أشهر المبشرين بالمسيحية على كل الفضائيات الدينية المسيحية في المنطقة العربية والإسلامية المغربي “رشيد حمامي” أو “أخ رشيد” كما يحب أن ينادى، والأكاديمي السوري والأستاذ في علم مقارنة الأديان “منقذ محمود السقار” وهو رجل متخصص في مثل هذه المناظرات والمجادلات مع أهل الملل والعقائد الأخرى، وله إنتاج كبير في هذا الحقل الديني.

فيما شهدت المناظرة بينهما حضوراً وتفاعلاً كبيراً ابتداء من قناة “الكرمة” إحدى القنوات المسيحية التبشيرية على النايل سات، الراعية لهذه المناظرة، فضلاً عن الواقع الافتراضي من خلال البث المباشر الذي أتاحه الأكاديمي السوري عبر صفحته بالفيس بوك، الذي تجاوز الحضور فقط أثناء المناظرة الـ100 ألف.

اقرأ أيضا: الشيخ توفيق أبو عشرة وتحولات الحالة الدينية بصعيد مصر

الأوراد، الذكر، العهد، المريد، الشيخ، الإجازة لدى المتصوفة

في مقدمة كتاب “المحمديات” وهي مجموعة أوراد وأحزاب وأدعية العشيرة المحمدية الشاذلية -واحدة من الطرق الصوفية المصرية لمؤسسها الراحل الشيخ محمد زكي إبراهيم- ذكر خلاله: أن أوراد أهل لا إله إلا الله سلفا وخلفا مستمدة من النبع النقي المطهر، ليس لمعترض عليها اعتراض، ولا لمنكر عليها إنكار ما لم يكن مفتونا مبتلى.

وأضاف: “ونحن لا نجيز لإنسان ما أن يتعبد بهذا الحزب –وهو شكل من أوراد الذكر اليومية يطلق عليه بالحزب الأكبر لدى الطريقة– إلا بعد تقويم اللسان وتصحيح اللغة والفهم الإجمالي على الأقل”.

وتحت عنوان العهد عند الصوفية، وفي إجابة لسؤال ورد بقسم فتاوى بحثية نشر على الموقع الإلكتروني لدار الإفتاء المصرية بتاريخ 30/03/2014م، جاء فيه أن العهد في العرف الصوفي هو ارتباط بين الشيخ والمريد، وتحكيم من المريد للشيخ في نفسه لمصالح دينه ودنياه، يرشده ويهديه ويبصره بآفات النفوس وفساد الأعمال، والمريد يبايع الشيخ، ويعاهده على السير معه، فالعهد في حقيقته لدى المتصوفة “عهد الله”.

 وأوضحت دار الإفتاء في رسالتها كيفية العهد، وذلك عن طريق أن يجلس المريد أمام شيخه جلسة الصلاة طاهر البدن والملبس فيلقنه التوبة، ثم بعدها يقول له: “تعاهدني على ترك المعاصي وفعل الطاعات ما استطعت حتى لا يراك الله حيث نهاك، ثم يقول له: هذا عهد الله على كتاب الله وسنة رسول الله، وطريقنا إليه تعالى لا مغيرين ولا مبدلين، العهد عهد الله واليد يد الله”، وخلصت دار الفتوى في نهاية تفسيرها المطول إلى أن ليس في العهد الصوفي مخالفة شرعية.

ويتضح مما سبق أن لدى الصوفية الطرقية أنماطا مختلفة للأشكال التعبدية التي يمارسها المتصوفة في سلسلة تبدأ من الشيخ وتنتهي عند المريد، وتتوسطهما عدة آليات تتنوع في مسمياتها وأدوارها ما بين العهد والإجازة وأداء الذكر والأوراد، وهي حالة اختصت بها عن غيرها من التيارات الإسلامية الأخرى.

الإذن بالذكر.. بين المعركة الحقيقية والزائفة

أخذت قضية الإذن بالذكر مساحة أكبر من حجمها وهذا لم يكن يتحقق لو كانت أديرت بشكل أفضل مما قدمت به، وذلك من خلال انتقاء وتحديد خطاب ديني يفصل بين عامة الناس وخواصهم، ويبرز الفكرة دون تشنج أو تحزب أو اصطفاف ما دفع الطرف المناوئ والخصم التقليدي أن يلتقطها ليخلق منها قضية كبرى، وهو ما سنبرزه لاحقا.

إذ إنه ووفق ما أوردناه سابقاً، لا تعد قضية الإذن بالذكر من الأمور المستحدثة بل هي أصيلة في الموروث الثقافي والمعارفي الفقهي لدى المتصوفة، وإنما أصحابها لم يحسنوا تقديم بضاعتهم بالشكل الذي كان يفترض أن تكون عليه، ولعل ما يدلل على ذلك ويبرهن عليه غياب شيخ الأزهر -وهو أعلى رأس بالمؤسسة الدينية الرسمية بالبلاد- عن هذه المعركة بشكل كلي، فضلاً عن عدم إدلائه بدلوه في هذا المضمار وعدم دخوله طرف في هذه المعركة رغم أنها تحت لافتة الأزاهرة الأشاعرة والمتصوفة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ساهم الجدل واللغط حول هذه المسألة في عدم تسليط الضوء على الكلمة الهامة وشديدة الخطورة التي أوردها شيخ الأزهر د. أحمد الطيب بتاريخ 5 يونيو في صفحته بالفيس بوك، التي جاء فيها: إن ادعاء ملكية بعض الموارد الطبيعية والاستبداد بالتصرف فيها بما يضر بحياة دول أخرى، يعد من الإفساد في الأرض، الذي يجب أن يتكاتف العالم لوقفه قبل أن تنتقل عداوة إلى نظائره من البيئات والظروف المشابهة، وهي إشارة واضحة إلى المعركة الحقيقية “سد الحبشة الإثيوبي” التي كان من الأجدر أن تصطف خلالها كافة القوى الدينية الوطنية في الداخل المصري معها جنبا إلى جنب مع الدولة المصرية، وهو ما لم يتحقق جراء الانشغال بمعركة أخرى، ممثلة في الإذن بالذكر بين الجواز والابتداع.

في موازاة ذلك، أحيت قضية مسألة الذكر أنشطة الدعوة السلفية السكندرية من رقادها وكمونها ووجدت لنفسها قضية تعيد من خلالها تموضعها من جديد بعد سنوات من الأفول والكمون رغم تواضع ومحدودية وجودها الحزبي والدعوى، إذ انبري دعاتها وقاداتها ومشايخها نحو مهاجمة الشيخ أسامة ومسألة الذكر دون أن يوقفهم أحد .

الأخ رشيد والداعية السقار

عرف الأخ رشيد بكثرة مناظراته المجادلة حول الدين الإسلامي والنبي محمد، ويعد نجم الشباك الأول لدى الكثيرين من أبناء مسيحي المهجر الناطقين بالعربية، وحصان طروادهم في مناظراتهم مع أصحاب العقائد المخالفة، وخاصة المسلمين منهم.

 بيد أن الجديد الذي حملته المناظرة الكبرى التي جمعته بأستاذ مقارنة الأديان الأكاديمي السوري التي عنونت بـ”هل الكتاب المقدس حمل بشارة للنبي محمد؟” أن الأخير فاجأ آلاف المشاهدين للمناظرة التي أخذ كل منهما ما يقارب من 10 ق يفند آراءه على مدار أكثر من ساعة ونصف يطرحا فيهما إشكالاتهما، الإلمام الكبير وغير المتوقع للشيخ السقار بكتب ورسالات وتدوينات الكتاب المقدس بكل أنواعه وتصنيفاته ولغاته في سياقات تاريخية مختلفة ومتباينة، طارحا ذلك كله بأسلوب بسيط وميسر، جعلت “رشيد” في أول رد وعلى غير عادته يبدو مرتبكا وينتقل من المجادلة العلمية إلى السقار نفسه، ما أضعف حجته وبدى لدى المتابعين متراجعاً بعض الشئ، وذلك بالإضافة إلى اتهام رشيد للأكاديمي السوري بأنه خرج عن موضوع الحلقة، وهو ما نفاه الأكاديمي السوري، واعتبره تهربا منه.

في الواقع خاض رشيد الكثير من المجادلات على هذا النحو، إلا أنه يمكن القول إن هذه المناظرة على وجه الدقة كانت مختلفة ومغايرة ولم تكن متوقعة من قبله كغيرها، ولسنا هنا في تقدير النتيجة والتأكيد على نجاح طرف دون آخر، إنما ما استدعى الانتباه ردود الأفعال القوية من كل الأطراف على مسار المناظرة والاهتمام الكبير الذي حظيت به، ما دفع بالشيخ المصري الأزهري “عبدالله رشدي” الأكثر شهرة على مواقع التواصل المجتمعي أن يقدم التهنئة للأكاديمي “السقار” على مناظرته مع “رشيد” جاء في تدوينته على الفيس بوك: لله درك يا دكتور لقد أنقذ الله بك الحق، والله وكأنك كنت ملهما من الله، رشيد يتهاوى ولا يدري بم يجيب عليك، قلت له من فترة يا أخ رشيد أنت حين تريد الطعن في الإسلام فأنت تطعن في دينك قبل كل شيء!.

عودة ثنائيات المواجهات

أحيت مسألة الذكر ثنائية المواجهة التقليدية بين التيارات الدينية في الساحة المصرية، وهي قضية أخذت في السنوات الثمانية الأخيرة هدوءا وكمونا، بفعل التغيرات والتحولات السياسية التي انعكست على الواقع الديني المجتمعي في مصر، وهى تعكس بشكل أو بآخر حيوية المشهد الديني وحضور فواعله في الداخل المصري، وأن التنظيمات الإسلامية خاصة السلفية منها وإن كمنت إلا أنها قادرة على بعث نفسها مجددا، بالإضافة إلى أن معركتها مع خصومها من الأزاهرة والأشاعرة وخاصة الصوفية الطرقية لاتزال على رأس أهدافها وقائمة أفكارها الأيديولوجية.

على الضفة الأخرى أعادت المناظرة بين أخ رشيد والأكاديمي السوري منقذ السقار، ووقع صداها في الداخل العربي والإسلامي خاصة المصري منه قوة الدين والتدين في المجتمعات العربية على وجه الخصوص وأن سؤال الدين لايزال يمثل أهمية كبرى رغم القراءات التي تتحدث عن ظهور موجات الإلحاد والدعم اللا محدود غربيا له، فضلا عن تداعيات وانعكاسات الربيع العربي في جزء كبير منه، وما أسهم خلاله من إزاحة محورية الدين وموقعه من الخريطة المجتمعية العربية في فضاءاتها العربية المختلفة على وقع فشل تجارب الإسلاميين في السلطة وما شابه، إلا أن الاحتفاء الكبير بالمناظرة سواء أكان من الطرفين المسيحي والمسلم يعكسان بشكل كبير أن الدين لا يزال محوريا وفاعلا وأساسيا في دورة الإنسان العربي على اختلاف ملته وانتماءاته العقدية.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى