الإسبرانتو

هل سيتحدث سكان العالم في المستقبل لغة واحدة؟!

شهدت أوروبا في ثمانينيات القرن التاسع عشر حالة من الحروب والنزاعات الشديدة في منطقة البلقان ووسط وشرق أوروبا، وكانت الأراضي البولندية مقسمة حينها بين الدول الكبرى التوسعية، وتحديدًا مملكة بروسيا وروسيا القيصرية والنمسا. في هذا التوقيت كان يعيش في مدينة بولندية تُدعى بياويستوك Bialystok طبيب يدعى لودفيك زامنهوف، ينتمي لأسرة أصولها يهودية، وكانت أسرته هذه تتجاور مع عائلات تنتمي لأصول عرقية وطائفية مختلفة، يتحدثون لغات معبرة عن هوياتهم العرقية والطائفية، كان اليهود ينطقون اللغة اليديشية، فيما البولنديون الكاثوليك يتحدثون البولندية، والروس الأرثوذكس يتحدثون الروسيَّة، أما البولنديون من أصل ألماني فكانوا يتحدثون الألمانية، وأغلب هذه المجموعات كانت تنظر لليهود نظرة دونية خصوصًا مع تزايد دعاوى القومية التي تصاعدت بشكل كبير في تلك الفترة.

هال الدكتور “زامنهوف” هذا الاحتقان والتوتر الكبير الغالب على بلدته. كان يسير في الطرقات ويرى المشاحنات بين أهالي مدينته، وكل منهم يتخذ جانبًا لدولة أو إمبراطورية ما كبرى تحاول السيطرة على جزءٍ ما من بولندا، كان يمكنه سماع هذه المشاحنات بلغاتهم المتعددة تلك، كان “زامنهوف” يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن أحد الأسباب الأساسية لكثرة الصراعات في أوروبا الشرقية هو عدم نطق الناس في تلك المنطقة بلغة واحدة.

الدكتور "لودفيك زامنهوف" عام 1899 (المصدر: History today)

ولأن الرجل كان معنيًّا -بجوار اشتغاله بالطب- بدراسة اللغات، حيث كان يتحدث الروسية واليديشية والبولندية والألمانية والفرنسية واللاتينية واليونانية والعبرية والإنجليزية، فقد واتته فكرة غريبة الطابع هي: لماذا لا يمكن لأهل بلده أن يتحدثوا بلغة موحدة (استخدمت مجلة التايم الأمريكية تعبيرًا ذكيًّا هو اللغة المحايدة) لكسر الحواجز بينهم؟! بل لماذا لا ينطق العالم كله لغة واحدة؟!

كان “لودفيك” يؤمن بأنه إذا تحدث الناس لغة مشتركة فإنهم سيفهمون بعضهم بشكل أفضل، وستتلاشى الأحقاد والاحتقانات بين المجموعات والعرقيات المختلفة، كما أنهم سيكونون جميعًا على قدم المساواة.

لقد كانت تلك الفترة صعبة على الجميع، خصوصًا على الأقليات والدول الصغيرة التي تفتت أجزاؤها داخل أراضي الإمبراطوريات الكبيرة، وبالطبع بشكل أكبر على اليهود في الداخل الأوروبي، لقد كانوا موصومين من المجتمعات من حولهم، ومراقبين من قِبل سلطات بعض الدول، ونطق طائفته من اليهود باليديشية يزيد الأمر صعوبة في التواصل. لقد أصبحت اللغة إذن محلًّا للاستعلاء عند جماعة، وطريقة للوصم ضد جماعة أخرى.

ومما يُذكر أن زامنهوف كان مؤيدًا لحركة الصهيونية العالميَّة، لكنه غيّر رأيه لاحقًا في سياسة وفكر الحركة الصهيونية، وكتب في عام 1914 ينتقدها قائلًا:” أنا مقتنع تمام الاقتناع بأنَّ كل قوميَّة لا تُقدم للإنسانية سوى قدر كبير من التعاسة”.

كانت هناك جملة من العوامل ساعدت “زامنهوف” على تفكيره ذاك؛ من بينها التطورات التكنولوجية السريعة التي كانت يشهدها العالم، مثل ظهور التليغراف، والتي كانت تعني ضمنًا أن البشر ذوي الخلفيات المتعددة في أماكن مختلفة من العالم سيتمكنون من الحديث وسماع بعضهم بشكل أكبر مما كان عليه الوضع في السابق، كما شهدت تلك الفترة أيضًا ظهور المؤسسات الدولية للتنسيق والتعاون بين الدول، وصعود موجة أولية من العولمة التي تم تدميرها بعد ذلك في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين مع تصدر الحركات القومية والفاشية للمشهد السياسيّ في أوروبا.

ظل الرجل يُفكِّر ويدرُس ويقرأ، حتى تبلور في ذهنه فكرة اختراع لغة جديدة تمامًا، وبدأ التنفيذ في وضع أساسيات للغة تكون قواعدها سهلة حتى يسهل تعلمها، لغة مشتركة تجمع بين أصول لغوية مختلفة كي يفهمما أكبر قدر ممكن من البشر، ولإشعار ناطقيها الجدد بأنها لغة ليست غريبة.

في عام 1887 وفي مدينة وارسو، نشر زامنهوف كتيبًا من 40 صفحة باللغة الروسية، بعنوان (Unua Libro) شرح فيه قواعد وتصريفات وأساسيِّات لغته الجديدة، لم ينشر “زامنهوف” الكتاب باسمه ولقبه الأصليّين، وإنما استخدم اسمًا مستعارًا بلغته الجديدة هو (Dr. Esperanto) وترجمتها بالإنجليزية ((Hopeful، أو بالعربية الشخص الذي لديه أمل، لقد كان من الصعوبة الشديدة أن يستخدم لقبه الصريح، خصوصًا وأن تلك الفترة في “الإمبراطورية الروسية” شهدت رقابة صارمة على اليهود، وسبب آخر هو أن والده كان أحد الرقباء الذين فرضوا رقابة على المنشورات العبرية واليديشية. وبالرغم من أن “زامنهوف” استخدم اسم lingvo internacia وتعني بلغته (اللغة العالمية)، إلا أن تعبير (الإسبرانتو) صار هو السائد على اللغة الجديدة.

اعتمدت اللغة التي اخترعها “زامنهوف” على قواعد نحويَّة Grammar بسيطة للغاية، أبسط كثيرًا من اللغات الطبيعية، فترتيب الكلمات (سواء الفعل أو الفاعل أو المفعول) في الجمل حر، بحيث يسمح لناطقها بالتركيز على المضمون، والتصريفات بسيطة للغاية حيث لا يوجد سوى نموذج واحد للأسماء، ونموذج واحد للأفعال، كما لا يوجد بها أفعال شاذَّة، والكلمات سهل تعلمها لغير الناطقين بها، فحوالي 70 من كلمات “الإسبرانتو” مشتقة من اللغات الرومانسية ذات الأصل اللاتيني، وحوالي 20% من اللغات ذات الأصل الجرماني (كالإنجليزية)، وبقية كلماتها من اللغات السلافية والعبرية واليديشية.

كان متوقعًا أن يقوم “زامنهوف” بصياغة مفردات اللغة الجديدة بشكل أقرب للغة اليديشية، اللغة التي يتحدث بها يهود أوروبا الشرقية، لكن “زامنهوف” كان ذكيَّا بالقدر الذي جعله يختار منظومة مفردات وكلمات اللغة اللاتينية كخيار استراتيجي في بناء لغته كي يمكن فهمها بشكل أكبر من مجموعات عديدة تتحدث لغات مشتقة من اللاتينية، أو قريبة منها، فاللغات الرومانسية لها مكانة كبيرة ليس في أوروبا وحدها، وإنما في مناطق أخرى من العالم، خصوصًا مع حركة الاستعمار العالمية التي وصلت لأغلب العالم تقريبًا، فيما كانت اليديشية لغة لا يستخدمها سوى الأقلية اليهودية في أوروبا.

غلاف كتاب "زامنهوف" (مصدر الصورة: موقع esperanto-usa.org)
أطلق "زامنهوف" على لغته الجديدة (lingvo internacia) وتعني بلغته (اللغة العالمية)

ثم ظهرت أول مجلة إسبرانتو في ألمانيا في عام 1889، وتشكلت منظمة رسمية للإسبرانتو في تسعينيات القرن التاسع عشر، كما عُقِد أول مؤتمر دولي للحركة في عام 1908، وتأسست جمعية الإسبرانتو العالمية، ومقرها في روتردام، في عام 1908.

في سنواتها الأولى، اكتسبت اللغة شعبية سريعة في بعض المناطق التي تتواجد بها تعددية لغوية في أوروبا مثل وسط أوروبا، كما لاقت رواجًا نسبيًّا لدى بعض الجماعات الذين يبتنون اتجاهات اشتراكية وأناركية، والحركات المنادية بأهمية وجود مظلة مساواة تشمل الجميع، وبعض النقابات العمالية، خصوصًا وأن الفلسفة التي تأسست عليها تلك اللغة تعكس رؤية أيديولوجية طوباوية مقاربة بشكل كبير لبعض المفاهيم الأساسية في الاشتراكية والأناركية.

ففي بيان لأعضاء الحركة الدولية لترقية اللغة العالمية (الإسبرانتو)، والذي عُرِفَ بـ(بيان براغ)، يظهر بوضوح مدى تأثر متحدثي ومتبني تلك اللغة بفكرة (الأممية)، وهو مفهوم فكري وسياسي أبسط تعريفاته يقول بتجاوز القومية، وينادي متبنّوه بتعاون سياسي وثقافي واقتصادي أكبر بين شعوب العالم، وكسر الحواجز التي يسببها العرق أو اللغة أو الطائفة، فالبيان يتحدث عن أن من أهداف نشر لغة الإسبرانتو هو خلق نظام تواصل لغوي ديمقراطي، فالطفل يُولد موصومًا أو مميزًا بسبب لغته الأم، وأن التفاوت في ميزان القوى بين اللغات يسبب –في رأيهم- عدم المساواة بين مواطني العالم، بالطبع لا يدعم متحدثو الإسبرانتو الانفكاك عن اللغة الوطنية، لكنهم ينتقدون الحواجز اللغوية بين البشر.

ملصق حول الإسبرانتو في المنتدى الاجتماعي العالمي بتونس 2013

في تلك الفترة قُدمت مقترحات بالفعل من جمعيات “الإسبرانتو” لجعلها لغة رسمية دولية، وبالفعل بعد الحرب العالمية الأولى تم التصويت لجعل “الإسبرانتو” لغة رسمية داخل “عصبة الأمم”، لكن تم رفض هذا الاقتراح من قبل مندوب فرنسا، البعض فسّر هذا الرفض بأن فرنسا شعرت بأن “الإسبرانتو”، وبسبب سهولتها، يمكنها أن تحل محل الفرنسية كلغة عالمية ذات وزن كبير، ثم أعاق تطور الاعتراف بـ”الإسبرانتو” كلغة دولية صعود الحركات القومية والفاشية قبل الحرب العالمية الثانية، والتي استحوذت دعواها وشعاراتها على عقول المواطنين في مناطق عِدة. وقد أعاق سيطرة الحركات الفاشية على السلطة في أوروبا تطور حركة مناقضة لها مثل “الإسبرانتو”، والتي تدعو للوحدة والتقارب وتجاوز الاختلافات القوميَّة والمذهبية، فيما كانت الحركات القومية والفاشية تعتبر لغاتها الخاصة جزءًا من شخصيتها القومية والوطنية المُميِّزة لها عن بقية الشعوب الأخرى.

بوستر دعائي لهتلر أثناء الانتخابات الرئاسية في ألمانيا في عام 1932 عنوانه بالألمانية "هتلر.. أملنا الأخير" (المصدر: Smashing magazine)

في كتابه (لغة خطرة.. الإسبرانتو تحت حكم هتلر وستالين) يتحدث “أولريتش لينز” عن أن “الإسبرانتو” ولأنها لغة تأسست بالأساس على يد رجل من أصول يهودية، وتحمل مضامين فلسفية تتحدث عن العدالة والسلام والمساواة، فقد تم النظر إليها بريبة شديدة من قِبل الأنظمة الديكتاتورية، فحُظِر التحدث بها في روسيا تحت ظل النظام القيصري، إذ كان يُشتبه في أنها تستخدم في التواصل مع الأجانب، فيما وصفها “هتلر” بأنها مؤامرة يهودية الغرض منها خلق تواصل عالمي بين اليهود في الشتات، كما لم يسمح الجنرال الإسباني “فرانكو” بالتحدث بها في الأماكن العامة، كما تم حظرها في الاتحاد السوفيتي بقرار من “ستالين” من عام 1930 حتى عام 1956، بالرغم من أن “ستالين” كان قد تعلمها في فترة مبكرة من حياته.

كاريكاتور يوضح مناهضة هتلر وستالين للغة الإسبرانتو (المصدر: فريدريكو جوبو- جامعة أمسترادم)

الآن وبعد مرور أكثر من قرن أصبحت “الإسبرانتو” إحدى أهم اللغات المصطنعة شهرة، وهناك عشرات الآلاف من الكتاب بلغة الإسبرانتو، سواء المكتوب بها أو الكتب المترجمة من لغات أخرى. ويتحدث خبراء وناطقون بالإسبرانتو عن أن تعلمها أسرع بكثير من أي لغة منطوقة نتيحة لسهولة قواعدها، بل تساهم لغة الإسبرانتو في تسريع تعلم اللغات الأخرى، نظرًا لاشتراك منظومتها اللغوية مع اللغات الأخرى ذات الأصل اللاتيني والجرماني والسلافي والشرقي.

وقد تزايد مؤخرًا عدد المتحدثين بلغة “الإسبرانتو”، حيثُ وصل عددهم حسب موقع إثنولوجيا إلى 2 مليون فرد في 120 دولة يتحدثون “الإسبرانتو” كلغة ثانية. وحاليًّا توجد عدة منظمات معنية بنشر لغة “الإسبرانتو” والاهتمام بتوسيع عدد المتحدثين بها، مثل: مؤسسة “إسبرانتو العالمية”, و”مفوضية الشرق الأوسط للإسبرانتو”، و”الجمعية العالمية لشباب الإسبرانتو”.

وعلى الرغم من وجود لغات أخرى تم اختراعها على يد البشر؛ إلا أن الإسبرانتو  هي الأكثر انتشارًا خاصة في مناطق مثل الصين وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وبعض المناطق الأخرى في العالم.

ومؤخرًا، وبعد الاستفتاء الذي أُجري في بريطانيا للتصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي، انتشرت دعوات تُطالب باتخاذ لغة “الإسبرانتو” كلغة رسمية أولى للاتحاد الأوروبي، والتي في رأي قادة تلك الحملات ستكون لغة محايدة بين الثقافات المختلفة في القارة الأوروبية، ووسيلة هامة للم شتات القارة العجوز.

حملة من ناشطين أوروبيين على موقع (Change) للمطالبة باتخاذ لغة الإسبرانتو كلغة رسمية أولى للاتحاد الأوروبي

حاليًّا أيضًا يتم استخدام الإسبرانتو في المنشورات الإعلامية والثقافية في كثير من المؤسسات، كما تُرجِمَت كثير من النصوص الأدبية والثقافية والدينية للغة الإسبرانتو، فبحسب إحصائيات لغوية هناك تقريبًا أكثر من 25000 كتاب مكتوب في الأصل بلغة الإسبرانتو، أو تُرجم إليها، بالإضافة لحوالي 100 مجلة باللغة نفسها، كما يمكن الاستماع لنشرات أخبار وأغانٍ على الراديو بلغة الإسبرانتو، كما يمكن لمتحدثيها استخدام جواز سفر غير رسمي خاص بهم يُطلق عليه (Pasporta Servo)، والذي يمكن من خلاله الحصول على خدمات وإقامة منزلية مجانية لدى متحدثين بالإسبرانتو في أماكن مختلفة من العالم، وحاليًّا يتيح تطبيق تعلم اللغات الشهير دولينجو” تعلم لغة الإسبرانتو.

سورة الفاتحة بلغة الإسبرانتو، ترجمة إيطالو تشيسو (المصدر: المكتبة البريطانية)
كتب تستعرض مقابلات مع ناطقين بالإسبرانتو؟ (المصدر: المكتبة البريطانية)
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد عبدالحميد حسين

باحث مهتم بدراسة الأنثروبولوجيا

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search