سياسةمختارات

الإسلاموفوبيا الفرنسية.. ذَرّ العنصرية في أعين المهاجرين

 

مطلع شهر فبراير/شباط المنصرم، وقبيل الدور الأول من الانتخابات المحلية الفرنسية، المنعقد بعدها بتاريخ منتصف مارس/آذار، أصدرَ الباحث في علم الاجتماع السياسي بيرنار روجيه كتابه ” Les territoires conquis de l’islamisme ” (الأراضي المحتلة من الإسلاموية)، خالقًا بذلك حدث ثقافيًّا، ومعلِنًا انطلاق ضجة عصفت وقتها بالرأي العام للبلاد. ولم يكن اختيار الإصدار عبثًا، وهذا ما سنبينه.

غلاف كتاب Les territoires conquis de l’islamisme

فبحسب العنوان المستفزّ والتعريف الذي منحه إياه موقع France Culture  يبحثُ الكتاب في الكيفية التي تمكنت بفعلها الجماعات الإسلامية من خلق معاقلَ داخل مناطق محدّدة بفرنسا وبلجيكا، كأوبيرفيليي، ومونت لاجولي ومولانبيك، معتمدًا في ذلك على بحث ميداني، مرفوق بتحليلات للنتائج. المنهجية من هذه المسافة تبدو سليمة، غير أن سلامتها رهينة كذلك بالتزام الباحث بها، وهذا ما عِيبَ على بيرنار روجييه وكتابه، أي أنه لم يلتزم بصرامة المنهج العلمي للبحث، لدرجة دفعت لوران بونيفوي، عالم السياسة والكاتب الفرنسي، إلى التعليق على النص قائلاً إن “الخلل التحليلي الذي يمتد على طول المتن، يجعل من الكتاب (الأراضي المحتلة من جانب الإسلاموية) مرجعًا لكل من أرادَ إضفاء الصبغة السوسيولوجية على نزعاته الإسلاموفوبية”!

لوران بونيفوي، عالم السياسة والكاتب الفرنسي

تشكيك في مصداقية “روجيه”

من جانبٍ آخر، يورد الكتاب أن “بين الحركات المعادية للكولونيالية والحركات الجهادية الإسلامية رابطًا وثيقًا”، في اتهامٍ خطيرٍ، والقول هنا أيضًا للوران بونيفوي، بأن كل تعبير إعلامي وسياسي قادم من الهوامش الفرنسية المسلمة، المدافع عنها والمحتج على التمييز الذي يطالها، هو أيضًا شريكٌ في التكتلات المتطرّفة. ضمن هؤلاء الشركاء، بحسب الكتاب، السلطات المحليّة بمدينتي أوبيرفيليي ومونت لاجولي،  وعدد من المثقفين المناهضين للنيوكولونيالية.

لم يكن مجانيًا كذلك التطرق لهذه الأسماء، ونحن نجد ضمنها اسمًا ذا خلفية عربية، مريم الدرقاوي عمدة أوبيرفيليي السابقة، التي تجاهلها روجيي بالاسم، والتي بدورها كتبت ردًّا عليه “إنها حقًا أراضٍ ضائعة على المساواة“. فهي تطرح الافتراض القائل إنه “ربما يكون الضغط لمواكبة الإصدار للمحطة الانتخابية هو ما أسقط الكتاب في مضمونه الضعيف، وجعله مليئًا بالأسماء المستعارة، ما يشكك في مصداقيته، كما أنه يمزج بسذاجة بين الإسلام والإسلاموية، وينهال بالإدانة على السلطات المحلية التي أتت كلها بصيغة المذكر، وربما هذا نابع من نظرته الميزوجينية (كره النساء)؛ فالمرأة في السلطة ليست إلا لعبة في يد الرجال! أو ربما يكون الانخراط الشيوعي والنسوي، في الجزائر كما في فرنسا، لا يتسق مع سرديته عن المسلمين!”

مريم الدرقاوي عمدة أوبيرفيليي السابقة

“سردية (الأراضي المحتلة) حجاب من الدخان، يحجب النقاش العام حول مآسي الضواحي: المناطق الهامشية التي دأب نموذج المساواة الجمهورية على خذلانها”، بحسب عمدة أوبيرفيليي، وقولها هذا يدفعنا إلى السؤال: هل يُغطي شعار مواجهة التطرّف الإسلامي فشل النموذج الجمهوري الفرنسي؟ وهل ما ورد في خطاب ماكرون الأخير عن مكافحة “الانعزالية” بذات الكيفية هو “إسلاموفوبيا مسيّسة”؟

انفصالية أم انعزالية؟

“انفصالية” إسلامية أم “انعزالية” إسلامية؟ تضاربت الترجمات والمفهوم واحد، مستجدٌ، وظل مجهولاً في ارتباطه بالإسلام إلى أن كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن ذلك رسميًّا، عبر الخطاب الذي ألقاه بداية الشهر. أما المقصود به، وبحسب ما نستشف من نصّ الخطاب، هو نزوع فئة من مسلمي البلاد إلى التقوقع على أنفسهم، بدواعٍ دينية/ثقافية، وبهدف يحدده الرئيس الفرنسي بـ”إقامة نظام مواز للجمهورية داخلَ الجمهورية”.

“يوجد في تلك النزعة الإسلامية الراديكالية، عزمٌ مُعلَنٌ على إحلال هيكلية منهجية للالتفاف على قوانين الجمهورية وإقامة نظام موازٍ بقيم مغايرة، وتطويرِ تنظيمٍ مختلف للمجتمع”، هذا ما قاله ماكرون معترفًا، قبل أن يستدرك قائلاً إنه “لا يود أن يختلط أمر التطرف الإسلامي بالإسلام كدين”، لكنه سرعان ما يضيف -على نحو مناقض- أن “الإسلام يعيشُ أزمة في العالم”. أما معالم الانفصال فتبرز مظاهرها في “التسرّب المدرسي” و”تطوير ممارسات رياضية وثقافية” خاصة بالمسلمين، و”التلقين العقائدي وإنكار مبادئ الجمهورية، كالمساواة بين الرجل والمرأة”.

الرئيس ماكرون في استضافة شيخ الأزهر

من أجلِ محاربة هذا، أعلن  ماكرون الخطوط العريضة لقانون “مواجهة الانعزالية الإسلامية” الذي طال انتظاره، واضعًا حدًّا لسجال تأجل منذ فبراير/شباط الماضي، بفعل جائحة كورونا. أما القانون في شكله التشريعي فسيصدر بداية ديسمبر/كانون الأول المقبل، لتكون وظيفته إعادة هيكلة الممارسة الدينية الإسلامية لكي تلائم العلمانية الفرنسية، وإحكام القبضة الجمهورية على المساجد والجمعيات التي تضم مسلمين، والتحكم بالتبرعات والمنح الموجهة إلى هذه المؤسسات، ومنع التدريس بالمنازل، ومحو المظاهر الدينية في المجال العام.

انتظرَ ماكرون نهاية خطابه ليعلن “اعترافه الكنسي” بأن السلطات تتحمل قسمًا من المسؤولية في الأمر، لأنها سمحت بتنامي ظاهرة “تحول الأحياء إلى مناطق منعزلة”. وقال: “لقد جمعنا السكان بموجب أصولهم، وأغفلنا إحلال ما يكفي من الاختلاط، وما يكفي من تحقيق الانتقال الاقتصادي والاجتماعي”. ثم يخلص ماكرون إلى أن “هؤلاء الانعزاليين والانفصاليين بنوا مشروعهم على تخاذلنا”.

أزمة إسلام أم مظاهر كراهية؟

مصطلح “الأزمة” المرتبط بالإسلام، الذي تصدر هو الآخر عناوين الصحافة التي غطت الخطاب الرئاسي الفرنسي، ليس سابقة تكشف نظرة أقوى رجل في سلّم السلطة الفرنسية تجاه هذه الديانة، فقد سبق أن تحدث في حوار سابق، عن أن “ارتداء الحجاب”  دليل على “الأزمة التي يعيشها الإسلام”.

مواطنة مسلمة في فرنسا

لم يتوقف رئيس الجمهورية الفرنسية عند هذا الحد في كشف الأزمة، بل إنه دعا الشعب في خطاب سابق إلى تحمل مسؤولية “تعيين مظاهر الإرهاب في المدارس ومراكز العمل والساحات العامة”، وهي المظاهر التي تولى وزير داخليته آنذاك، كريستوف كاستانير، توضيحها في “الممارسة الدائمة للطقوس الدينية وصيام شهر رمضان”، ما ينبه إلى خلط واضح في خيال رئاسة الجمهورية وحكومته، بين ممارسة الدين من جهة، والتطرف الديني والاستغلال الإجرامي للدين في أعمال إرهابية ذات أغراض سياسية من جهة أخرى.

خلط منهجي يُقلق مسلمي فرنسا

هذا الخلط المنهجي بين الإسلام والتطرف الإسلامي، يضع مسلمي البلاد في قلق من التعرض لانتهاكات وتضييقات على ممارساتهم الدينية، ويضع ماكرون في مرتبة الشخص الذي “فتح ماسورة الإسلاموفوبيا” داخل المجتمع الفرنسي، كما يوضح تحقيق سابق لموقع Mediapart. ويوضح ذلك اتخاذ وجه عنصري، بشهادة القضاء الفرنسي، كإيريك زيمور، خطابَ ماكرون مرتكزًا لخطابه التحريضي على كراهية المسلمين.

يظهر هذا الخطاب المحرض في وسائل الإعلام الفرنسية كلما طفت قضية الإسلام على سطح الرأي العام، مثلما حدث السنة الماضية إثرَ سجال “قانون الحجاب”، حين صرح مدير نشر جريدة Le Figaro على شاشة التليفزيون قائلاً: “أنا أكره الإسلام!”

إسلاموفوبيا الدولة!

خطاب إسلاموفوبي، هكذا جاء الوصف من الداخل الفرنسي، وعلى لسان حزب يساري هو “الحزب الجديد المعادي للرأسمالية” الذي أطلق صرخته قانونالانعزاليةهو إسلاموفوبيا الدولة.

يفتتح بيان الحزب بانتقاد الظرفية التي اختارها ماكرون لإطلاق قانونه الجديد، قائلاً إن “ماكرون وحكومته فضّلوا أن يجعلوا أولويتهم محاربة الانعزالية في حين أن الأزمتين الصحية والاجتماعية تعمِّقان وطأتهما، وفي ظل وجود 800 ألف عامل فقدوا وظائفهم، وآلاف آخرين يعيشون تحت تهديد لقاء المصير نفسه”.

ماكرون يستقبل الرهينة صوفي بترونان المحررة من مالي

“ما هي إلا دقائق من الخطاب حتى بدأت الأقنعة بالسقوط (…) وبنبرة مأساوية ألقى كل شبهات التطرف والإرهاب على عموم المسلمين” بحسب ما يقول بيان الحزب الجديد المعادي للرأسمالية، مضيفًا أن “ماكرون لم يُدِنْ -ولو بكلمة واحدة- الإسلاموفوبيا التي يعانيها المسلمون، والاعتداءات اللفظية أو المادية التي تستهدفهم كل يوم. بل والأكثر فظاعة من ذلك، أن ملخص ما جاء به (خطاب ماكرون) كان المزيد من المضايقات والتمييز تجاه المسلمين”. ومن هذا يخلصُ الحزب إلى إدانة ما أسماه “الإسلاموفوبيا المكرسة من الدولة الفرنسية”، ودعوة الشعب إلى الانخراط في كل أشكال مواجهتها.

“حملة صليبية جديدة على المسلمين!” هكذا وصف الحزب الديمقراطي لمسلمي فرنسا -الذي يعرّف نفسه بأنه حزب علماني مناهض للكولونيالية- الخطاب المذكور. ويقف مثلَ سابقه المعادي للرأسمالية موقف التساؤل: هل يتجاهل الرئيس ماكرون الأزمة الصحية ليخرج بخطاب عن الانعزالية الإسلامية؟ وينتهي حزب مسلمي فرنسا إلى أن “الأمرَ لا يعدو محاولة استفزاز تستهدف أتباع الديانة المحمدية، تنم عن احتقار عميق لهم”. ويَخلُصُ، من خلال كل هذه الأدلة إلى “إدانة هذا المخطط الهادف إلى تحجيم الديمقراطية، وتفتيت النموذج الجمهوري الفرنسي”، مع التذكير بأنه “على الجمهورية لكي تواجه الخطر الداخلي، أن تحرص على انخراط كل المواطنين ضدّ مختلقي الانعزالية”.

 

سفيان البالي

كاتب مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى